تعرف على العراقة وروعة التصميم المعماري في القلعة العُمانية المهيبة

مسقط-أثير
إعداد: محمود محمد صادق- باحث مصري في الآثار الإسلامية

تعد قلعة الرستاق المهيبة ثاني أكبر قلاع سلطنة عُمان بعد قلعة بهلاء الشهيرة؛ حيث تقع هذه القلعة التليدة بولاية الرستاق الواقعة ضمن ولايات الحجر الغربي بالباطنة والتي تبعد حوالي 160 كليو مترا إلى الشمال الغربي من العاصمة مسقط.

وقد تأسست قلعة الرستاق منذ ألف وثمانمائة عام في موقع استراتيجي مميز لكونه موقعًا مركزيًا من الناحية الإدارية، فقد كان يسيطر على شطري مزون، حيث الشطر الساحلي وهو الميناء التجاري الرئيسي في ذلك الوقت “ميناء صحار”، وهو واحد من أقدم الموانئ العُمانية منذ ما قبل الإسلام حيث ذكرته المصادر اليونانية القديمة باسم ميناء (عُمانا).

الواجهة الشمالية الشرقية من قلعة الرستاق

أُنشئت قلعة الرستاق المهيبة في العصر الساساني (224-624م)، حيث يرجع إنشاؤها إلى عصر كسري أنو شروان (ابن قباذ) والتي في عهده (540-561م) بلغت الإمبراطورية الساسانية أقصى اتساع لها، والتي امتدت من سوريا شمالا إلى الهند جنوبا، حيث استطاع كسرى غزو اليمن وطرد الأحباش من جنوب الجزيرة العربية التي أصبحت ولاية فارسية.

وقد تم مبايعة وانتخاب الإمام ناصر بن مرشد من قبيلة اليعاربة، في الرستاق سنة (1034هــ/1624م)، حيث كانت فاتحة لعهد توحدت فيه البلاد في ظل إمامة قوية، والذي نجح في إخضاع البلاد بأسرها داخليا في فترة بلغت ثماني سنوات تحت لوائه، ثم ولى وجهته بعد ذلك لطرد البرتغاليين من عُمان.

وتعد هذه القلعة من المعالم الحربية العسكرية المهمة بمحافظة جنوب الباطنة، حيث تُحاط بواسطة سور ضخم بُني بواسطة الحجارة والطوب الطيني، كما يحتوي السور على عدة منصات لإطلاق النيران يربط بينهما ممشى أعلى السور. ومن خلال الزيارة الميدانية لقلعة الرستاق وبأخذ عينات من السور الذي لم يطاله الترميم تبين أنه مبني بواسطة الطوب الطيني والحصى.

التخطيط والوصف المعماري

يتألف التخطيط المعماري لقلعة الرستاق من مساحة معمارية مثلثة الشكل غير منتظمة الأضلاع، وذلك نظرًا لوقوعها على أعلى تلة صخرية أدت بطبيعة الحال إلى عدم انتظام الشكل المعماري للقلعة مما جعلني أضيفني في رسالتي للدكتوراة ضمن المخططات المعمارية غير منتظمة الشكل، حيث بلغ ارتفاع جدرانها من مستوى الصخرة إلى أسفل مستوى الشرافات أكثر من 13 مترا، ويحيط بمبنى القلعة معماريا سور دفاعي ضخم احتوى على أحد عشر برجا دفاعيا بعضها نصف دائري والآخر كامل الاستدارة في الزوايا، يربط بينهما ممر أو ممشى أعلاه لتحقيق الحركة بسهولة ويسر بين العناصر الدفاعية، وقد فتح بطول جدران السور أعلى الممر فتحات مستطيلة ( 26×69 ) سم يتوج كل منها عقد مدبب، يتوسطها مزغل للتعامل مع كل من يقترب من القلعة.

المدخل الرئيسي بقلعة الرستاق (تصوير الباحث)

ويحيط بمبنى القلعة مجموعة من الأبراج الدفاعية أهمها برج ” الريح ” الذي يعود إلى فترة الإمام “سيف بن سلطان الأول” (1062هـــ/1641م)، وهو مؤلف من ثلاثة طوابق ويصل قطره (4.74م) فيما بلغ سمك جدرانه (3.40 م)، كما يمتاز باحتوائه على مجموعة الشرافات الحربية تتوج الجزء العلوي منه.
بالإضافة إلى ” البرج الأحمر” الذي يعود إلى فترة حكم بني خروص في القرن السادس الهجري، والذي يصل ارتفاعه إلى ستة عشرا مترا تقريبا، فيما يتراوح قطره تسعة أمتار ونصف المتر، كما تحتوي القلعة أيضا على “البرج الحديث” الذي بني في عهد الإمام أحمد بن سعيد (1157-1198هـ/1744ـــ 1783م)، وأدخلت عليه بعض الترميمات في عهد الإمام “محمد بن عبد الله الخليلي” عام (1356هـــ/ 1935م)، ويتم الدخول إلى هذا البرج من باب صغير اتساعه (185سم) ويصل ارتفاعه (84سم)، كما يصل ارتفاعه حوالي خمسة عشرا مترا، ويبلغ قطره حوالي أحد عشر مترا ونصف المتر كما يتوسطه عمود مركزي ضخم يحمل السقف.

الدرج الصاعد بقلعة الرستاق (تصوير الباحث)
الشرافات الحربية بفلعة الرستاق (تصوير الباحث)

كما امتازت قلعة الرستاق بتعدد مداخلها والتي يعلو بعضها الآخر، ويعد مدخل “صباح العلعال” المدخل المباشر الذي يؤدي إلى داخل القلعة ومنها إلى جميع مرافقها، وقد بناه الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي في حدود (1744هــ 1783م)، والذي يصعد إليه بواسطة درج مؤلف من أربع درجات تؤدي إلى فتحة قياسها (2.90 ارتفاعا× 2.44 عرضا)، يغلق عليه مصراعان من الخشب بالمصرع الأيمن فتحة صغيرة (نقشة) للتحكم في حركة الدخول والخروج قياسها (91 سم × 62سم)، حيث يؤدي هذا المدخل يمينا إلى أقدم أجزاء القلعة، كما أنه يؤدي يسارًا إلى ممر مكشوف ينتهي بالبوابة الأخيرة المعروفة باسم (صباح اليعاربة).

الجزء العلوي من القطاع الشمالي بقلعة الرستاق (تصوير الباحث)

ويعد “صباح اليعاربة” الباب الرابع والأخير وهو من إنشاء الإمام سيف بن سلطان الأول المعروف بقيد الأرض عام 1123ــ 1131هـ/ 1711ـــ 1718م، ويؤدي هذا الباب إلى أقدم أجزاء القلعة، ويسبق هذا الباب صباح العلعال الذي بناه الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي 1744هــ 1783م، كما يتقدم هذا المدخل “صباح الوسطي” وسمي بذلك لأنه يتوسط الدخول بين البوابة الرئيسية في السور والمعروفة باسم صباح الشرجة والمدخل الرئيسي للحصن المعروف باسم صباح العلعال، ولقد بني في عهد الإمام محمد بن عبد الله الخليلي ويصعد إليه بسلم من ست درجات تؤدي إلى باب ومنه إلى ممر يصل اتساعه (3.52م عرضه × 12.30 متر) طولا، ويقدم كل هذه المداخل المدخل الرئيسي في الزاوية الشمالية الشرقية من السور الخارجي، ويفتح في الاتجاه نفس الذي تطل عليه الصباحات (البوابات) الثلاثة الأخرى، وقد بُني في عهد الإمام أبي عبد الله محمد بن عبد الله الخليلي في بداية القرن العشرين.

الشرافات الحربية بفلعة الرستاق (تصوير الباحث)

المصادر:
– بدر، حمزة عبد العزيز، (2001) الرستاق ومعالمها الأثرية في العصر الإسلامي، بحث مشارك به ضمن الندوة التي أقامها المنتدى الأدبي (الرستاق عبر التاريخ) في الفترة 23ــ 24 أكتوبر 2001، الطبعة الثالثة، 2013.
– صــــــادق، محمود محمد (2019). الاستحكامات الحربية في مسقط بسلطنة عُمان، الطبعة الأولى، مؤسسة الأمة العربية للطبع والنشر، القاهرة، 2019.
– مكتب نائب رئيس مجلس الوزراء لشؤون مجلس الوزراء (1994). القلاع والحصون في عُمان، سلطنة عُمان: قسم الدراسات.
– وزارة التراث والثقافة (2013). الموسوعة العُمانية، عشرة أجزاء، سلطنة عُمان، مسقط.
– وزارة الإعلام والثقافة (1995). عُمان في التاريخ، سلطنة عُمان: دار ايميل للنشر.

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock