بالصور: عُمانية تُحوّل منزل أسرتها القديم إلى مَعلَمٍ زوّارُه من داخل السلطنة وخارجها

أثير- تاريخ عمان

إعداد: د. محمد بن حمد العريمي

في قرية (قصرى) التاريخية التي كانت شاهدةً على كثيرٍ من الأحداث السياسية والفكرية العمانية، وعلى بعد حوالي كيلو مترين من قلعة الرستاق الشهيرة، وفي بيتٍ شهد ولادة ونشأة العديد من العلماء ورجال الدين والسياسة البارزين أبرزهم أستاذ الإمام نور الدين السالمي ومعلّمه، يقع متحف (البيت الغربي) لصاحبته الأستاذة زكيّة بنت ناصر اللمكيّة.

يحكي هذا المُتحف قصة إصرارٍ وتحدٍ كبيرين عاشتهما هذه الشخصية النسائية الباحثة والمهتمة بالموروث الشعبي، والبارزة في مجال العمل التطوعي، وحفيدة الأسرة التي سكنت هذا البيت يومًا ما وشهدت جنباته كثيرًا من الأحداث والمنجزات العلمية والدينية، وكان مدرسةً، ومكتبةً، وساحة قضاء، وبرزةً تتناول الشأن السياسي والاجتماعي العام، والتي استطاعت أن تعيد الحياة لهذا الصرح التاريخي الذي كاد أن يتلاشى كما تلاشت في غمضة عين الكثير من البيوت التي كانت تشبهه ومارست ذات الدور الحضاري أو قريبًا منه.

عن حكاية (الإحياء)، وعن تحديات التأسيس، وأبرز المرافق والمقتنيات، وعن الآمال والتطلعات لهذا المتحف، تقترب “أثير” منه ومن صاحبته لتنقل لقرائها بعضا مما يحيط به.

بداية التأسيس

كانت البداية قبل حوالي خمس سنوات من الآن، عندما فكّرت زكيّة بنت ناصر اللمكيّة في إعادة الحياة للبيت الذي يتجاوز عمره القرنين من الزمان، والذي نشأ وعاش فيه أحد أكبر علماء عمان في القرن التاسع عشر، الشيخ والقاضي والشاعر وصاحب المدرسة التي خرّجت أجيالا من علماء عمان البارزين أشهرهم الشيخ نور الدين السالمي، وصاحب كتاب (المسالك في علم المناسك)، والذي قال عنه الإمام سالم بن راشد الخروصي عندما سئل عن سبب عدم قدومه للرستاق (ما دام يوجد فلان فهناك قوام العدل موجود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مشهود)، ألا وهو الشيخ راشد بن سيف اللمكي.

كانت بعض أركان البيت قد تهدمت، وسقطت بعض أسقف الغرف، وتكدست الأتربة في جميع مرافقه، غير أن كل هذا لم يفتّ من عزم زكيّة اللمكية في أن تحول منزل أسرتها القديم إلى معلم من معالم الولاية يستقطب زوار الرستاق من داخل السلطنة وخارجها، وكان الهدف الأوّلي المشروع هو تجميع الأهل والجيران وإقامة بعض الفعاليات الثقافية كالمحاضرات الدينية، وبرامج تعليم القرآن، وكانت البداية بغرفتين وبعض مرافق الجلوس ، إلا أن الأمر تطور بعد ذلك عندما لمست إعجاب الناس في المجتمع المحيط، وتناقلهم لأخباره عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فتم التفكير في تحويله إلى مزار تاريخي وسياحي.

بدأ المتحف يستقبل زوّاره في عام  2015 بشكل يومي، وشهد إقامة فعاليات مجتمعية عديدة كالمسابقات المجتمعية، وتنظيم الأسواق الخيرية وغيرها.

مرافق ومحتويات متنوعة

يعد المتحف نموذجًا مهمًا للبيت العماني القديم بمرافقه المتعددة، ويحتوي على ١٤ غرفة ومرفقًا مختلفًا، أبرزها مجلس العلم، ومجلسان أحدهما أرضي للقضاء ومناقشة الأمور العامة، وآخر علوي للقراءة والدراسة، ومكتبة الشيخ راشد بن سيف اللمكي الخاصّة بالطابق الثالث، ومكان انتظار الزوار ويسمى الدكّانة أو البرزة، وبه حمامات قديمة تحتوي على أحواض استحمام تعكس النمط المتبع قديمًا، وبئر قديمة يعود تاريخها إلى سنينٍ قديمةٍ خلت، وغرفة لتخزين التمور واستخراج الدبس منها، وعدد من المطابخ الكبيرة والصغيرة متعددة الاستخدام، ومرافق أخرى تتوزع ما بين غرف النوم  والمعيشة والخدمات وأماكن العبادة وقراءة القرآن.

تجميع القطع والأدوات

كانت عملية تجميع القطع والأدوات من التحديات الكبيرة التي واجهت صاحبة المتحف في وقتٍ تم التخلص فيه من كثيرٍ من هذه القطع، وأصبح العثور على بعضها أمرًا يحتاج إلى جهدٍ كبير وإمكانات مالية لشرائها، وقد تم تجميع القطع المعروضة في المتحف من عدّة مصادر منها ما تم تجميعه من بعض البيوت التي هجرها أصحابها بعد أخذ الموافقة منهم، وبعضها تم شراؤها من مصادر مختلفة، والبعض تم الحصول عليه كهدايا وتبرعات من قبل الداعمين لمثل هذا المشروع الوطني المهم.

تحف ومعروضات متنوعة

يضم المتحف العديد من التحف والأدوات والمعروضات الأثرية المهمة التي بذلت صاحبته جهدا كبيرا في تجميعها، ومن بين هذه المعروضات: عملات معدنية تم الحصول عليها من قِبَل أهالي القرية ، وأدوات الطبخ والأواني القديمة كمقلاة تحميس القهوة بكل مراحلها، وأواني وضعت لتقديم القهوة والطعام، إلى جانب المشغولات اليدوية بكل أنواعها، وأدوات تتعلق بزينة المرأة كالعطور والبخور والمقتنيات الأخرى كالفضيات والأسورة والمفارش القديمة والفخاريات والأواني النحاسية والمعدنية القديمة، إضافة إلى بعض المناديس العمانية والسحاحير والحقائب القديمة.

ومن بين المعروضات كذلك: لوح الكتابة قديما، كور الميسم، والستيمة القديمة التي يتم إشعالها بالفحم، والسعن وقرِب الماء، والموازين بأنواعها وغيرها.

وهناك سحّارة (صندوق خشبي)، وسجادة، ومصحف، وزوليه (بساط) صغيرة، ومسباح، وهي قطع لها دلالة معنويّة مهمة عند صاحبة المعرض كونها تم تقديمها لها كهدية من قبل والدها ليلة زفافها.

وجهة سياحية وثقافية

أصبح المتحف وجهةً سياحيةً وثقافيةً في الوقت نفسه ، يستقطب العشرات من الزوّار المحليين أو القادمين من خارج السلطنة في أوقات الزيارة، وضيفاً دائما في المحافل السياحية والوطنية على مستوى المحافظة وخارجها، يمارس رسالته النبيلة في التعريف بجزءٍ مهم من تاريخ البلد وحضارته، ويقدم خدماته بالمجّان لزوّاره وفق مواعيد زياراتٍ يمكن التعرف عليها من خلال صفحة المتحف في موقع التواصل الاجتماعي “تويتر”، أو من خلال بعض المواقع المتعلقة بالمزارات السياحية بالمحافظة في شبكة المعلومات العالمية.

آمال وتمنيات

تأمل زكية اللمكية صاحبة المتحف إيجاد الدعم سواء من قبل الجهات الحكومية المختصّة أو من قبل القطاع الخاص كي تتمكن من ترميم ما تبقى من مرافق، ومن توفير قطع ومقتنيات أخرى، وتجهيز دعم لوجستي خاص به بحيث يضمن استمراريته كمشروع وطني يسهم في خدمة التراث الحضاري العماني وحفظه.

وما نأمله هو تقديم الدعم لمثل هذه المشروعات الذاتية الوطنية المهمة، والأخذ بيد أصحابها، وتقديم يد العون لهم، وتمكينهم من مواصلة العمل في تطوير هذه المشاريع والأفكار بحيث نضمن ديمومتها واستمراريتها، ويمكن تبني مثل هذه المشاريع من قبل بعض الجهات الحكومية المختصة أو من قبل القطاع الخاص الذي يمكن له الاستثمار في مشاريع كهذه مقابل عوائد مالية معينة يمكن أن تأتي في حالة التوسع في دعم المشروع، وتقديم التسهيلات اللوجستية المناسبة له حاله كحال العديد من المرافق المشابهة في الدول المختلفة.

  • الصور من أرشيف الباحثة زكية بنت ناصر اللمكية صاحبة المتحف.   

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock