حكاية الأديب الكبير الطيّب صالح مع الصانع العُماني

أثير- تاريخ عمان

إعداد: د. محمد بن حمد العريمي

لم يكن الصانع العمانيّ أيًّا كانت صناعته بمعزلٍ عن الحياة الأدبيّة والثقافيّة، بل كان هناك ارتباط بين كثير منهم وبين جوانب الأدب المحلّيّ والعربي المختلفة، وبرز العديد من الصنّاع في مجالات فكريةٍ عديدة، وبالأخص في مجال الشعر والأدب، فما بالكم لو كانت الحرفة أو الصناعة لها ارتباط بالفنّ والجمال كحرفة صناعة الذهب والفضّة بأشكالها وأنواعها المختلفة، أو المنسوجات أو غيرها من الصناعات التي كانت قريبةً وذات ارتباطٍ بالذائقة الأدبية والفنيّة.

 “أثير” تعرض اليوم لنموذجٍ من الصنّاع العُمانيين الذين شُهِدَ لهم بالثقافة العالية، وبمعرفته الدقيقة بتاريخ صنعته ومفردات مصنوعاته، عدا عن كونه شاعرًا بارزًا استلهم كثيرًا من مفردات الجمال والتاريخ في أبياته، ونقصد به الصانع عبد الله بن إسماعيل الفارسي، وذلك من خلال عرضِ حوارٍ أدبيّ ماتع دار بينه وبين أحد أعلام الثقافة العربية وعرّابيها وهو الأديب العربي الكبير الطيّب صالح، وأورده الباحث محمد بن عبد الله بن إسماعيل الفارسي في كتابه حول الخنجر العماني.

زار الأديب السوداني والعربي الكبير الطيّب صالح مدينة صور في منتصف السبعينات عندما كان مديرًا إقليميًا بمنظمة اليونسكو في باريس وعمل ممثلًا لهذه المنظمة في منطقة الخليج العربي، وخلال زيارته للمدينة وتجواله في سوقها ضمن برنامجٍ مُعدّ سلفًا دخل إحدى (الماحات)، والماحة يقصد بها ورشة صناعة بعض المصنوعات مثل منتجات الذهب والفضة وغيرها، وكانت الماحة التي دخلها تخص الصانع والشاعر المرحوم عبد الله بن إسماعيل الصائغ الفارسي الذي توفي سنة 1985 عن عمر يناهز 78 عامًا، وكان من الشعراء البارزين على مستوى الولاية وخاصةً في فن الميدان، ومن الشخصيات المعروفة بالسمت والحكمة وحسن الرأي والتدبير، وهو سليل أسرة عريقة في مجال صناعة الخنجر العماني وتعد من أشهر الأسر وأعرقها في مجال صناعته، وتميزت هذه الأسرة بإتقانها لفن وحرفة صناعة الخنجر وأبدعت فيه وحافظت عليه وتوارثته جيل بعد جيل.

وبعد السلام وتبادل التحيّة والضيافة العمانيّة أمسك الطيّب صالح بسيفٍ يمانيّ كان بمقربةٍ منه فسلّه من غمده ثم أنشد بيت المتنبي الذي يقول:

تَهابُ سيوفَ الهِندِ وهي حدائدٌ * * * فكيفَ إذا كانت نزاريةً عُربا

فالتفت إليه الصانع عبد الله بن إسماعيل واستلّ سيفًا هنديًّا آخر كان بمقربةٍ منه وضغط على حدّه وقال:

تَهابُ سيوفَ الهِندِ وهي حدائب * * * فكيفَ إذا كانت نزاريةً عُربا

وأردف عبد الله قائلًا إن السيوف الهنديّة حدائب (بالباء وليس بالدال) أي حدباء ذات حدٍ واحد، أما السيوف النزارية ( اليمانية ) فهي مستقيمة وذات حدّين، فاستيقن الطيب صالح هذا التفسير وأسرّه في نفسه، فكيف للطيب صالح أن يصحح له صانع السيوف العُماني على حد قوله عندما أتى على سيرة هذه الحادثة في بعض كتبه!

وقد أورد الطيّب صالح هذه القصة في كتابه (في صحبة المتنبي ورفاقه) راويًا ذلك بقوله ” ذكرت لهم ما علّمنيه صانع السيوف العماني في بلدة (صور) منذ نحو خمسة عشر عامًا، أن المتنبي لم يقل حدائد ( بالدال) لكنه قال حدائب (بالباء)، وشرح لي أن السيف الهندي أحدب أو محدودب، يقطع من جهة واحدة، في حين أن السيف العربي مستقيمٌ ذو حدّين يقطع من جهتين. فذلك موضع المدح، وقد أعجبني الشرح ورضيت به”.

والطيّب صالح أديبٌ عربيّ كبير ولد عام 1929 في قرية الدبة بشمال السودان، عمل معلمًا لفترةٍ قصيرة بعدد من مدارس السودان ثم التحقق بهيئة الإذاعة البريطانية عام 1953، ثم انتقل إلى اليونسكو ثم إلى قطر حيث قضى سبع سنوات مديرًا لوزارة الإعلام القطرية، ثم مستشارًا لوزير الإعلام القطري، وله العديد من المؤلفات من بينها: موسم الهجرة إلى الشمال، عرس الزين، نخلة على الجدول، دومة ود حامد، مريود وضو البيت، وخمس مختاراتٍ متنوعة.

المراجع

1-   صالح، الطيّب. في صحبة المتنبي ورفاقه، ط1، دار رياض الريّس، بيروت،2005

2-   الفارسي، محمد بن عبد الله. الخنجر العماني النشأة والتطوّر،2018.

  • الصور الإرشيفية من كتاب الخنجر العماني النشأة والتطور.
  • صورة الطيّب صالح من شبكة المعلومات العالمية.
  • الرسمة المرفقة للفنان ربيع عمبر العريمي نقلًا عن موقع عبد الله الصائغ https://www.alsayegh1885.com/

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock