مرفت العريمية تكتب: البقاء لمن يصنع المستقبل

 

مرفت بنت عبد العزيز العريمية- كاتبة عُمانية

يظل الحلم بوجود عالم مثالي غاية سعى إليها الإنسان عبر العصور، والأزمنة بحثًا عن واقع أجمل تتحقق فيه الأماني والغايات النبيلة؛ فأفلاطون حلم بمدينة فاضلة يحكمها الفلاسفة بأسلوب مثالي حضاري راق، ومن بعده دون كيخوته وهو واحد من الشخصيات الروائية الذين اختلط عندهم الواقع بالخيال، فأراد أن يصبح فارسا نبيلا في زمن خلا من الفرسان، فتخيل واقعا مغايرا يحقق فيه آماله، فامتطى حصانه الهزيل وحمل سلاحا مهترئا، وارتدى درعا وخوذة ليقود التغيير الذي تصوره متأثرا بقراءاته الكثيرة لقصص الفرسان الأولين، والبطولات التاريخية ، خاض معركته الخيالية، وعند كل انتصار وهمي تكبر طموحاته ويواصل مغامراته حتى صارع طواحين الهواء، فكانت أعتى منه.. فتراجع عن أحلامه إلى الواقع! دلالات الرواية عظيمة وتختلف في كل مرة أقرأ فيها الرواية، لأنها تعبر عن أزمة إنسانية يمر بها الإنسان في جميع العصور والأزمنة في تعامله مع التحولات المجتمعية والتغير. هناك من يعيش بيننا بجسده وعقله في زمن آخر ويتعامل مع واقعه وفق أدبيات عتيقة راسخة في عقله ولم تعد صالحة للتطبيق في هذا الزمن.

فكم من فارس نبيل يحاول أن يحدث التغيير ويخفق في اختيار أدواته أو التوقيت أو تشخيص المشكلة ، فبدلا من أن يحقق واقعا زاهيا يصنع كابوسا ويعمق من حجم المشكلة، أحيانا نكون نحن من يحتاج التغيير وأحيانا يكون الواقع هو الأجدر بالتغيير، وفي مرات كثيرة يجب تغيير كليهما، ويكون ذلك بأن نكون نحن التغيير الذي يجب أن يحدث لتحقيق مستقبل أفضل، يقول جورج أورويل ” إن من يتحكم في الماضي يتحكم في المستقبل ومن يتحكم بالحاضر يتحكم في الماضي”، فالماضي وهو الجذور والقاعدة التي نستند إليها ليس حاضرا موجودا كي يدير المستقبل بمفرداته المتحولة ،حتى التاريخ يمكن تغييره وصناعته وإعادة كتابته، يقول أوسكار وايلد. “أي أحمق يستطيع أن يصنع التاريخ لكن العباقرة فقط من يستطيع كتابته”

التاريخ يؤكد أن البقاء للأقوى، وأن القوة تصنع التاريخ وأن المستقبل يتكىء على حاضر قوي ، التكيف مع الواقع لا يعني أبدا أن تقلع جذورك، بل أن نبتعد عن الأحلام التي تحبطنا باستمرار، البقاء دومًا كان للأقوى الذي يستطيع أن يكيّف الظروف لصالحه ،فلا جدوى من تبني فكر كيخوته في مجابهة الواقع بسلاح الماضي ولا تأسيس مدينة فاضلة لأن ذلك عكس الطبيعة .

في عالم الأعمال تقوم الشركات الكبرى بوضع سيناريوهات لمستقبل خدماتها ومنتجاتها، هذه العملية لا تتم بشكل عشوائي بل بأسلوب مدروس ومحكم ووفق معلومات وبيانات يتم عرضها عن الواقع كإحصائيات عن النمو السكاني وشرائح المجتمع واحتياجاتهم الحالية والمستقبلية المتوقعة والتطور العلمي والتكنولوجي وتأثيرهما على حياة الإنسان، والتخطيط بمفهومه الحديث ليس خططا على ورق أو استراتيجيات أعدها خبراء من الخارج ، أو مديرون من الداخل بل هي مزيجٌ من أصحاب الخبرات العملية من عايش المشكلة ونخبة من الفلاسفة والمفكرين من مختلف التخصصات ومجموعة من المقترحات والحلول يقدمها الصغار الذين لم تلوث عقولهم الخبرات المسبقة، فهم الأقدر على التفكير بصفاء وخيال .
في أوروبا أصبح الأطفال شركاء في اتخاذ القرارات الحكومية عبر الاجتماعات المفتوحة والبرلمانات، وفق شعار لا شيء عنا بدوننا، وكذلك ذوي الاحتياجات الخاصة وذوي الإعاقة فكلٌ شريك في صناعة المستقبل وبناء حياة أفضل.
إن صناعة المستقبل تعتمد على كوادر تمتلك رؤى وتفكيرا مبدعا خارج الصندوق، تستطيع التفكير بعيدا عن الخبرات السابقة والأنماط الذهنية المسبقة والاجتماعات التقليدية فالتقنية الحديثة وفرت أدوات جديدة للبحث العلمي وجمع المعلومات، وأصبح الجمهور أكثر تفاعلا مع قضايا المجتمع والعالم أجمع.

إن النمو الحضاري ينتج عن الصراع بين الأضداد ، والمستقبل ينتمي إلى هؤلاء الذين يعدون له اليوم. “مالكوم أكس” يرى أن بعض المفكرين يؤمن أن المستقبل يمكن صناعته والاستعداد له ليس فقط من خلال استشراف المستقبل بتحليلات عن تحولات الماضي والحاضر بل من خلال بناء عقليات تركز على المستقبل واتخاذ الإجراءات التي تحقق ذلك من اليوم ، فتحكمك على حاضرك وإدارته بتخطيط سليم والتنبؤ بأحداثه بتحليل تحولات الماضي والحاضر يصنع مستقبلا .

خير مثال على ذلك تقاعد الآلة الكاتبة التي لم تستطع أن تصمد بصوتها المزعج، وأزرارها المتفرقة، بالرغم من أنها قادت عقودا من مسيرة المعرفة والتعلم وساعدت على انتشار الكتب وتطور مفاهيم الكتابة ،هزمتها التقنية الحديثة التي عالجت إخفاقاتها في عدم القدرة على حفظ المعلومات ومحدودية خيارتها في تعديل النصوص وتنسيقها وحل الحاسوب محل الآلة الكاتبة التي لن تكون الأخيرة ممن انضموا إلى مقتنيات المتاحف، فالإعلام الحديث بأدواته يسحب البساط رويدا رويدا من الإعلام التقليدي، وقد تختفي الصحافة الورقية ومحطات البث التلفزيونية والإذاعية ، مع البدائل الجديدة التي تقدم خدمات أفضل منها، فالأبحاث مستمرة لخدمة مستقبل الإنسان الكوني، ولا يمكننا منع التغيير أو إيقافه فالتحولات آتية لا محالة ،أما أن نسابق الزمن بتقبل التحولات والتعامل معها أو نحجز ركنًا في متحف الزمن!!

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock