قصة النادي الوطني الثقافي في مطرح وأسباب إغلاقه في عام 1979

أثير- تاريخ عمان

إعداد: د. محمد بن حمد العريمي

 

خلال سنوات ما قبل النهضة المباركة، وما بعدها، وقبل بروز الدور الحكومي بشكل واضح في تأسيس الكيانات الثقافية والرياضية والاجتماعية كان لعدد من الشباب العماني، وبعض الكيانات الرياضية وقتها دور واجتهاد واضح في تأسيس مشاريع ثقافية مثل “النادي الأهلي العماني” الذي أسسه موسى بن جعفر عام 1965 في مطرح، و”الجمعية التاريخية العمانية”، و” النادي الوطني الثقافي”، بالإضافة إلى جهود بعض الأندية مثل نادي عمان (مقبول سابقًا) شكلت باجتهاداتها تلك إضافات مهمة لحركة الثقافة في السلطنة.

 

“أثير” تعرض في هذا التقرير مشروعًا ثقافيًا وطنيًا رائدًا أسسه في عام 1974 مجموعة من الشباب الذي تبوأوا فيما بعد مناصب حكومية عالية، كما كان عدد منهم من أبرز الأدباء وأرباب الثقافة وقت تأسيس المشروع وما بعده، ونقصد به تأسيس ” النادي الوطني الثقافي” الذي تأسس في حلّة العرين بمطرح عام 1974 واستمر يزاول أنشطته حتى عام 1979 عندما أغلق أبوابه لأسباب مختلفة، وسوف نعتمد في كتابة التقرير على كتابين يشكلان سيرة ذاتية لمؤلفيهما اللذين كانا من أبرز المؤسسين، بل ومن أصحاب فكرة التأسيس ذاتها وهما معالي يحيى بن سعود السليمي، ومعالي حمد بن محمد الراشدي.

بداية فكرة التأسيس

تناول معالي يحيى بن سعود السليمي أحد مؤسسي النادي إرهاصات تأسيس النادي في كتابه “من وحي المكان وذاكرة الزمان” حيث كتب أنه “بدأت الفكرة في صباحات أحد أيام شتاء عام 1974 عندما كنت والأخ حمد بن محمد الراشدي في مجلس الشيخ سالم بن حمود الفارسي في فنجاء مع الآباء وأبناء العم وغيرهم، حيث دار بيني والأخ حمد الراشدي حديث بشأن كيفية استغلال وقت الفراغ لعمل شيء يخدم الجانب الثقافي؛ إذ إن النشاط الرياضي، لا سيما كرة القدم، هو الغالب فيما بين الشباب باستثناء النشاط الذي يقوم به النادي الأهلي في مطرح خلال فترة الصيف عند عودة بعض الدارسين من خارج السلطنة، فاقترحت إقامة نادٍ ثقافي، وهكذا تلقفنا الفكرة وبدأنا الترويج لها على الفور بين الإخوة والزملاء في الحارة باختلاف مستوياتهم العلمية وكان منهم نجيب بن عبدالله الخنجي، ومحمود بن سيف الحارثي، ومحمد بن كمال الكمالي، وسعيد بن عبد الله الراشدي، ويحيى بن عبدالله الراشدي”.

 

ويضيف أحد المؤسسين الأوائل للنادي وهو معالي حمد بن محمد الراشدي في سيرته الذاتية “بين بلاغين” أنه “في هذه المدينة العريقة (مطرح) انطلقنا وبدأنا بالمقربين من الزملاء في الدراسة الذين كما توقعنا صفّوا صفّنا، ثم شرعنا في الاتصال بالمؤسسة المسؤولة عن إشهار الأندية، وهي كما كانت تسمى حينئذ دائرة رعاية الشباب بوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وقابلنا لهذا الغرض ونحن كنا لا نزال طلبة، الدكتور إسماعيل طه، وهو خبير من مصر كان مديرًا لرعاية الشباب، ومساعده السيد يحيى بن عبد الله البوسعيدي، ولم نجد أي اعتراض من الدكتور إسماعيل على الفكرة لكنه لم يتخذ أية خطوات تنفيذية، فسعينا لمقابلة الوزير الذي كان حينذاك الأستاذ المثقف خلفان بن ناصر الوهيبي، وقد قابلنا الوزير بمجمع الوزارات في روي بدون إذن مسبق، وعرضنا على الوزير مشروعنا، وكان مستمعًا منصتًا لكل كلمة نقولها، ولاحظنا أن الوزير كان مهتمًا ليعرف من نحن وما هو مستوانا المعرفي لكي نؤسس ناديًا ثقافيًا، لم يتحدث كثيرًا لكنه قال إنه سيبحث الموضوع مع المختصين..”.

 

ويعود معالي يحيى السليمي ليضيف أنه “وبعد أن طال سعينا اتجهنا إلى الشيخ عبد الله بن صخر العامري مدير الإذاعة لإبلاغه بهذا المسعى حيث قام بالاتصال بالمذكور لتسهيل عملية إشهار النادي الذي اخترنا اسمه ليكون ” النادي الوطني الثقافي” ومقره مطرح، وقد أسهم في تأسيسه أبناء حارة العرين، كل حسب استطاعته”.

أسماء مساهمة بارزة

كان هناك عدد من المساهمين ممن قدموا الدعم المادي والمعنوي للنادي عند تأسيسه من بينهم الشيخ عبد الله بن صخر العامري وكان الداعم الأكثر تأثيرًا في تأسيس النادي، والشاعر محمود بن محمد الخصيبي، والأديب الشيخ أحمد بن عبد الله الفلاحي، وكان وقتها كبير المحررين بدائرة الأخبار، والإعلامي الأردني محمد ناجي عمايرة وكان مديرًا لتحرير جريدة عمان، وخميس بن حارب الحوسني أحد أبناء حارة العرين، وكانت بعض الاجتماعات التحضيرية تعقد في بيت الشيخ محمد بن زهران الهنائي.

 

إشهار النادي

تم استئجار منزل شيّد حديثًا في حلّة العرين المجاورة للسوق ومكتب الوالي أو ما يسمى سابقًا ببيت البرزة، وعقد أول اجتماع للجمعية العامة للنادي بحضور جميع المؤسسين حيث تم انتخاب الهيئة الإدارية للنادي، وقد طلب المساهمون من الشاعر محمود بن محمد الخصيبي ترؤس النادي عند بداية تأسيسه فأبدى موافقته وكان من البداية مشجعًا للفكرة ومؤيدًا لها.

 

وفي حفل الإشهار ألقى معالي حمد بن محمد الراشدي كلمة الافتتاح، وكان من بين الحضور زملاء العمل في دائرة تحرير الأخبار في الإذاعة، وكان الحفل تحت رعاية الشيخ عبد الله بن صخر العامري رحمه الله.

الحصول على الدعم

يشير معالي يحيى بن سعود السليمي أحد مؤسسي النادي إلى أنه لم يتم الحصول على أي دعم من الحكومة أو الوزارات المعنية سواء كانت الشؤون الاجتماعية أو شؤون الشباب أو الإعلام والثقافة كما كانت تسمى يومئذ، كما لم يسع أعضاء النادي إلى الحصول على الدعم من التجار، وإنما كان الاعتماد الوحيد على اشتراكات الأعضاء في تسيير مناشط النادي.

 

لجان النادي

تم تشكيل عدّة لجان لخدمة أهداف النادي الثقافية والاجتماعية، فكانت هناك إذاعة داخلية، وتم إنشاء مقصف غذائي لجذب الأعضاء وتنشيط الحركة، كما تم إصدار مجلة ” الثقافة الجديدة” على أوراق النسخ السائدة في ذلك الوقت (الاستانسل) بتصميم جيّد متميز، ثم على أوراق مصقولة بحجم 55*5 سم.

أبرز أنشطة النادي

انصبّت نشاطات النادي في المرحلة الأولى في المحاضرات والمسابقات الثقافية، وشكّل النادي نقطة اجتماع والتقاء للمهتمين بالشأن الثقافي والتوّاقين إلى وجود مكان يجمعهم، للالتقاء والاطلاع وقراءة الإصدارات الثقافية من مطبوعات وكتب كان النادي يوفّرها لأعضائه.

كما كان للنادي الوطني الثقافي مشاركة في احتفالات العيد الوطني الخامس، وقد حمل المشاركون من أعضائه مجموعتين من اللوحات التشكيلية تعبر عن ماضي البلاد وحاضرها، كما كانت للنادي مشاركة متميزة بهذه المناسبة بإصدار عدد خاص من مجلة الثقافة الجديدة في نوفمبر 1975.

وقد تم طباعة ذلك العدد على نفقة مطبعة جريدة عمان بأوامر من معالي عبد العزيز بن محمد الرواس الذي كان وقتها وكيل وزارة الإعلام للشؤون الإعلامية.

مجلة الثقافة الجديدة

تم إصدار المجلة في البداية بالطباعة على أوراق الحرير (استانسل) وبمساعدة ودعم من الكتّاب والمحررين الأوائل في جريدة عمان وفي مقدمتهم الشيخ الأديب هلال بن سالم السيابي والصحفي محمد ناجي عمايرة.

وتمثلت هوية المجلة – كما يشير معالي يحيى السليمي – في الكلمات التالية التي كانت تتصدر صفحتها الأولى (العمل هو الأصل كلمة.. والفن والعلوم والفلسفة. بل والعقائد والمذاهب، لا تجد صيغة أنسب من كلمة تحملها إلى الناس.. والذين يقللون من شأن الكلمة يقللون في الواقع من شأن الإنسان…… وهذه النشرة مجموعة من الكلمات في العلوم الإنسانية على اتساعها..).

ويشير معالي حمد الراشدي إلى أنه كان أعضاء النادي يقومون بتوصيل أعداد المجلة إلى المكاتب فور صدورها، أملًا أن يتعودها الكل ويبحث عنها، وأملًا أن تستمر وتتطور، وقد تطورت المجلة، فمن الطباعة على أوراق أستانسل تحولت المجلة إلى الطباعة العادية كما تطبع المجلات الأخرى، ولو كانت بلونين وصفحات أقل.

وكان من كتّاب المجلة وهيئة التحرير أسماء ثقافية بارزة منها يحيى بن سعود السليمي، وأحمد بن عبد الله الفلاحي، وحمود بن سالم السيابي، ومحمد ناجي عمايره، وأحمد بن سليمان الكندي، وحمد بن محمد الراشدي الذي تولى رئاسة تحريرها منذ العدد الرابع عشر.

ولكون طبع المجلة كان يستنزف إمكانيات النادي الذي كانت موارده تعتمد على رسوم العضوية التي انتابها الضمور بسبب قلة حماسة بعض المؤسسين، فقد شكل ذلك ضغطًا كبيرًا على قدرة النادي على تمويل متطلبات طبع المجلة فتراجعت دورية إصدارها من شهرية إلى كل ثلاثة أشهر أو حسبما تتوافر الإمكانات، وظلت هكذا حتى إغلاق النادي أبوابه في عام 1979.

إغلاق النادي

تم غلق النادي بصفة نهائية في عام 1979 تقريبًا بسبب عدم توفر الميزانية اللازمة للصرف على مناشطه، بالإضافة لتضاؤل التمويل المحصّل من اشتراكات الأعضاء، وانحسار عددهم نتيجة الانشغال بالوظيفة، ولم يتمكن النادي من تسديد الإيجار الشهري لمقرّه، فنقلت ملفاته وبعض موجوداته إلى مخزن بمنزل مجاور لمنزل العضو يحيى بن سعود في حارة العرين، لتأتي النيران وتقضي على تلك الملفات والموجودات في حريقٍ شبّ فيما بعد في ذلك المنزل.

المراجع

  • الراشدي، حمد بن محمد. بين بلاغين، مؤسسة الانتشار العربي،بيروت، 2018.
  • السليمي، يحيى بن سعود. من وحي المكان وذاكرة الزمان، ط1، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، 2018.
  • الصور من مراجع التقرير

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock