عام 1909م: حكاية المستشفى الذي تبّرع لبنائه أكثر من 50 شخصًا بينهم السلطان وأسرته 

أثير- تاريخ عمان 

إعداد: د. محمد بن حمد العريمي

ظل العمانيون لسنوات طويلة يلجأون للعلاج الشعبي عند إحساسهم بالمرض، سواءً كان عن طريق العطارة والأعشاب والكي، أو اللجوء لبعض رجال الدين أو المشايخ الذين يعالجون بالقرآن أو بوسائل بعضها أقرب إلى الشعوذة والدجل.

ومع بداية القرن العشرين كانت هناك محاولات جادة للقيام ببعض الجهود في مجال الطب وصحة المجتمع والأفراد، حيث تم فرض الحجر الصحي على القادمين إلى موانئ السلطنة خاصة خلال فترات تفشي الأمراض، كما حدثت نقلة نوعية في مجال الخدمات الطبية مع بداية دخول المبشرين الذين استغلوا حاجة الناس للرعاية الطبية الحديثة، فبدأوا في تأسيس بعض المراكز والمستوصفات، كما قاموا بجولات داخل السلطنة لتقديم العلاج للمرضى، كما أنشأت حكومة الهند البريطانية مستشفى داخل حرم القنصلية البريطانية في مسقط لعلاج الجنود والضباط والرعايا البريطانيين.

كما ظهرت بعض الأسماء التي مارست الطب في السلطنة، وإن كان أغلبهم قد مارسه لهدف تبشيري من أمثال شارون توماس، وبول هاريسون، وهارولد ستورم، وغيرهم.

وأظهر عدد من السلاطين من أمثال السلطان فيصل بن تركي وابنه السلطان تيمور اهتمامًا بالرعاية الصحية في السلطنة، وشجعوا ودعموا قيام مستوصفات ومستشفيات تقدم خدماتها للمواطنين، ويعد مستشفى مسقط الخيري أول مستشفى بُني على النمط الحديث في عمان، ويعود ذلك إلى عام 1909، أي خلال حكم السلطان فيصل بن تركي، وذلك حينما بنى المستشفى الذي سمي كذلك بمستشفى الوكالة أو القنصلية، أمام بوابة القنصلية العامة البريطانية في مسقط مباشرة، وبمجهود جماعي من قبل أعيان وتجار مسقط ومطرح وغيرهم، وكذلك مساهمة بعض الجهات الحكومية والتجارية.

بداية المقترح

بدأت الفكرة في إنشاء مستشفى حديث مجهز بإمكانات وأدوات أكثر تطورًا من سابقتها إلى الاقتراح المقدم من كلٍ من النقيب نورمان سكوت، جرّاح الوكالة في مسقط، وروبرت إرسكاين هولاند، الوكيل السياسي مبعوث مدني رسمي من الامبراطورية البريطانية والقنصل في مسقط، لإقامة مستشفى جديد في مسقط؛ حيث عُدّ أن المستشفى الحالي في ذلك الوقت لم يكن يفي بالحاجة وأن موقعه لم يكن مناسبًا.

لقي الاقتراح دعم الضابط البحري الأول في الخليج العربي (فريدريك جودفري بيرد) والأميرالية، حيث عرضا تبرعًا لإنشائه، كما عرض مجلس الهند التبرع بمبلغ كبير لتمويل إقامة المستشفى وربما تكاليفه الجارية أيضًا.

أبرز المخاطبات والجهود

كانت الرغبة في إنشاء مستشفى بمسقط سابقة لهذا التاريخ بسنوات (1909)؛ ففي رسالة موجهة من هولاند إسكر الوكيل البريطاني بمسقط إلى المعتمد السياسي ببوشهر بتاريخ 15 أبريل 1909 هناك إشارة إلى وجود طلب سابق يعود لعام 1905 تم تقديمه لحكومة الهند من أجل المساعدة في إنشاء مستشفى جديد بمسقط، وأنها تشترط موافقة السلطان ووجود رغبة من قبل المجتمع المحلي في مسقط، وأكد الوكيل السياسي أن السلطان فيصل يرغب في بناء المستشفى، وأنه تولى زمام المبادرة في هذا الصدد من خلال الدعوة لاجتماع عام وطلب من الحضور المساهمة في التبرع لهذا المستشفى، كما أنه قدّم تبرعًا يقدر بحوالي 11500 روبية نيابة عن نفسه وشقيقه وعائلته، وتبرع المجتمع المحلي بحوالي 26 ألف روبية، بالإضافة إلى جزء من الأرض المطلوبة لإقامة المشروع.

وفي رسالة من الكابتن نورمان سكوت جراح الوكالة البريطانية في مسقط إلى هولاند إسك الوكيل السياسي بتاريخ 28 ديسمبر 1908 نجد أن هذا المسؤول الطبي يشير إلى الحاجة الملحّة لمبنى مستشفى جديد لممارسة العلاج الحديث في ظل ظروف صحية مناسبة، وأنه من المهم إقناع أهل مسقط بأساليب الجراحة والأدوية الحديثة، كما أشار إلى أنه كان يعمل منذ ديسمبر 1906 بعد توليه مسؤولية مستوصف مسقط، في منزل عربي قديم تم إقراضه للحكومة من قبل السلطان فيصل، وكان المنزل في حالة سيئة وغير صحية، وكانت حالته المتداعية تشكل خطرًا عامًا على المرضى والعاملين فيه، كما أن الغرفة التي تستخدم كمستوصف قد سقطت في أبريل 1907.

كما تناولت رسالة الكابتن نورمان سكوت العديد من الأمثلة التي تشير إلى أهمية وجود مبنى حديث متسع للأعداد الكبيرة التي ترغب في الحصول على العلاج بعد أن ضاق المستوصف الحالي حتى بعد نقله إلى بيت آخر بأعداد المرضى، إضافة إلى المناخ السيئ في مسقط.

كما أشار تعميم صادر في 21 يناير 1909 عن الوكيل السياسي للرعايا البريطانيين بمسقط إلى أنه أصبح من الضروري بناء مبنى خاص للمستشفى بعد أن أصبح المبنى السابق غير صالح، وأن السلطان متحمس للبدء في إنشاء المبنى الجديد، وأنه أقنع أصحاب الأرض بتقديمها مجانًا لصالح المشروع، وهناك نية للحصول على قطعتين أخريين، وأن المبنى سيكلف حوالي 40 ألف روبية وفقًا للتقدير التقريبي، وقد أمر صاحب الجلالة السلطان بفتح قائمة الاشتراكات تحت رعايته الخاصة، كما أن السلطان يعتزم عقد جلسة عامة بغرض مناقشة موضوع إنشاء المبنى الجديد، وذلك في السادس من فبراير 1909 بقصر سموه.

ودعا الوكيل السياسي الرعايا البريطانيين إلى الاشتراك بسخاء في القائمة التي ستتبرع لإنشاء المستشفى كلٌ وفق إمكاناته من منطلق العمل الخيري، ولتخفيف المعاناة وعلاج المرض، الذي هو أعلى وأفضل أشكال الصدقة.

وفي ترجمة لكلمة جلالة السلطان التي ألقاها في الاجتماع الذي عقده بتاريخ 6 فبراير 1909 بحضور عدد من أعيان البلاد لحثهم على الاشتراك في مبادرة إنشاء المبنى الجديد للمستشفى فإن السلطان أوضح بدايةً الأسباب التي دعت إلى إنشاء هذا المبنى الجديد وهي أن المبنى السابق قد تهدم نتيجة قدَمه ولم يعد آمنًا، ونقل إلى مكان آخر لا يستوعب الأعداد الكبيرة من المرضى، ولا يتضمن تجهيزات مناسبة، كما أوضح كذلك رغبته مشاركتهم له في التبرع لبناء المستشفى الجديد الذي تقدر تكلفته بحوالي 40 ألف روبية، وأن هذا العمل الخيري سيعود بنفعه على الجميع، وسيستفيد منه الأغنياء والفقراء.

التبرعات

وقد توالت التبرعات التي قدمتها عدد من الجهات الأهلية والأفراد لبناء المستشفى كما يشير إلى ذلك عدد من الوثائق الخاصة بالمستشفى؛ فتكفل السلطان فيصل بدفع مبلغ سنوي قدره 1200 روبية لتغطية نفقات التشغيل، بينما تبرعت حكومة الهند البريطانية بمبلغ عشرين ألف روبية وبدفع رواتب العاملين وتوفير الدواء، كما تبرع (بهاتيا مهاجان) مسقط ومطرح بمبلغ 10000 روبية، كما تبرع الآغاخانية في مسقط ومطرح بمبلغ 500 روبية، وقدّم ميمون عبد اللطيف ممثل جماعة ميمون في مسقط ومطرح 400 روبية.

كما تبرع جلالة السلطان وأسرته وعدد من أصحاب أفراد الأسرة الحاكمة، وأعيان وتجار مسقط ومطرح بحوالي 38 ألف روبية، فتبرع السلطان بمبلغ 5000 روبية عن نفسه، و1500 روبية عن أسرته، وتبرع أخوه السيد محمد بن تركي وأبناؤه بمبلغ 5000 روبية، وتبرع الوكيل السياسي هولاند اسك بمبلغ 500 روبية، والسيد محمد بن هلال بمبلغ 3000 روبية، والسيد يوسف بن أحمد الزواوي بمبلغ 1000 روبية، وعرب الخوجا بمطرح بمبلغ 4000 روبية، ووصلت قائمة المتبرعين إلى 53 فردًا وأسرة وجهة من كافة أطياف المجتمع.

كما تبرع السادة خالد وفاطمة وعلياء أبناء السيد محمد بن سعيد (كتب في الوثيقة سايس)، والسيدة زمزم بنت محمد بن سالم بمنزلهم الواقع على ميناء مسقط لبناء المستشفى الخيري الجديد، وشهد على ذلك السيد علي بن حمود.

كما تشير رسالة بتاريخ الأول من مارس 1909 موجهة للوكيل السياسي بمسقط إلى تبرع شركة (تاول) بمبلغ 500 روبية لصالح المشروع، وبها توقيع التاجر محمد فاضل.

تكاليف إنشاء المستشفى

قدرت تكاليف إنشاء المستشفى بحوالي ستين ألفًا وسبعمائة روبية، تم تقديم حوالي 38 ألف روبية منها عن طريق التبرعات الأهلية، وتبقى حوالي 22 ألف تكفلت بهن حكومة الهند البريطانية. 

المراجع

  1. البلوشي، صالح. صفحات من حياة السلطان تيمور بن فيصل، ط1، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2018.
  2. مكتبة قطر الرقمية. “جزء ٦. رقم ٧٣٣ لسنة ١٩٠٤. مسقط: – المستشفى.”، IOR/L/PS/10/27/4.
  3. الأرشيف الرقمي للخليج العربي. Muscat Hospital (includes copies of correspondence dated 1909)، FO 1016/103

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: