في مثل هذا الأسبوع قبل 88 عامًا: قراءة وثيقة تنازل السلطان تيمور عن الحكم

أثير- تاريخ عمان
إعداد: د. محمد بن حمد العريمي

في مثل هذا الأسبوع من شهر فبراير عام 1932، أي قبل 88 عامًا تنازل السلطان تيمور بن فيصل عن مقاليد الحكم في السلطنة لابنه السلطان سعيد بن تيمور بعد حوالي 19 عامًا قضاها على عرش السلطنة، وبعد محاولات عديدة للتنازل بدأت منذ حوالي 13 عامًا من تنازله الفعليّ في 1932.

“أثير” تقترب من هذا الموضوع من خلال تسليط الضوء على محاولات التنازل العديدة التي قدّمها السلطان تيمور، وكذلك الاقتراب من الأسباب التي أدت بالسلطان إلى رغبته في التنازل عن الحكم، ومواقف شيوخ القبائل، وابنه السيد سعيد، والانجليز من رغبته تلك، وخطاب التنازل الأخير وأبرز ما ورد فيه، وانتقال الحكم إلى السيد سعيد بن تيمور ومبايعته في الحادي عشر من فبراير 1932.

محاولات عديدة للتنازل

دأب السلطان تيمور على قضاء أغلب وقته خارج عمان، عازفًا عن العودة إلى بلاده، وهو ما بينته عدة مراسلات مع الوكيل السياسي البريطاني كان يؤكد فيها على رغبته في التنازل عن الحكم وكانت الحكومة البريطانية تجابهها بالرفض الشديد، ففي عام 1919م أبدى السلطان رغبته في التنازل عن الحكم أمام وينجيت الوكيل السياسي البريطاني في مسقط إلا أن حكومة الهند البريطانية رفضت ذلك متذرعة بعدم وجود من يخلفه، وفي عام 1920 كرر السلطان المحاولة إلا أن الحكومة رفضت للسبب السابق نفسه، ومرة أخرى أعاد السلطان مطالبته في التنازل عن الحكم عام 1929 متذرعًا بأسباب صحية، وفي مقابلة تمت بين السلطان تيمور والكولونيل بيسكو المقيم البريطاني في الخليج عام 1930 أبدى السلطان عزمه مرة أخرى على التنازل عن الحكم، لكن المقيم البريطاني نصحه بعدم الإصرار على موضوع التنازل طالبًا منه التريث حتى يتم التوصل إلى حلول للمشاكل التي تعاني منها عمان.

وقد ترك السلطان تسيير دفة الأمور إلى مجلس وزراء عمان الذي أسسه في العام 1920، وكان ابنه سعيد يحضر اجتماعات المجلس، فاكتسب خبرةً ونبوغًا في الإدارة، لدرجة أن والده عينه في شهر أغسطس من العام 1929 رئيسًا للمجلس بدلًا من أخيه السيد نادر بن فيصل، وكان السيد سعيد مجدًّا ومجتهدًا في أدائه لمهامه حتى في أوقات المرض الشديد، وهو ما أظهرته برقية من السلطان تيمور إلى الوكيل السياسي في العام 1931.

خطاب التنازل الأخير

في 17 نوفمبر 1931 أرسل السلطان تيمور خطاب التنازل الأخير إلى المقيم البريطاني في الخليج، وفيه أوضح أن تنازله عن الحكم سيكون لابنه سعيد، وجاء في الخطاب: ” ونرجو من حضرتك أن ترفع للدولة عن تصميم قصدنا التنازل عن سلطنتنا، وإننا منذ اليوم رفعنا يدنا عن جميع حقوق السلطنة، وجعلنا خلَفنا ولدنا السيد سعيد بن تيمور سلطانًا على حكومتنا، فليس لنا اعتراض عليه في أي سياسة في شؤون حكومته وإدارتها، وأوصيناه باستشارة الوكيل السياسي في مسقط في المهام الصعبة”.

أسباب رغبة السلطان تيمور في التنازل

يرى الباحثان الدكتور سالم بن عقيل مقيبل في كتابه ” عمان بين التجزئة والوحدة” والدكتور ناصر بن سعيد العتيقي في كتابه “الأوضاع السياسية العمانية في عهد السلطان سعيد بن تيمور” أن من أهم أسباب تنازل السلطان تيمور عن الحكم هي رغبة السلطان في الهروب من الضغط البريطاني بسبب تنامي النفوذ البريطاني في عمان وتولي المستشارين البريطانيين إدارة شؤون الدولة وفق مشيئتهم، وعدم استطاعة السلطان مواجهة هذا النفوذ بسبب تنامي نفوذ المعارضة، وتدهور الأحوال الاقتصادية.

كما يشير الباحثان إلى تأثير الأزمة الاقتصادية العالمية التي شهدها العالم في مطلع الثلاثينيات من القرن العشرين وتداعياتها على الأوضاع في عمان، بالإضافة إلى الثورات والحركات الانفصالية التي اندلعت في عهد السلطان تيمور وأهمها ثورة الإمامة.

موقف شيوخ القبائل

جرت محاولات عدّة من قبل أصدقاء السلطان ووجهاء عمان من شيوخ القبائل ورجالاتها لثنيه عن عزمه على التنازل؛ فقد كتب له الشيخ عيسى بن صالح الحارثي بذلك، ومما جاء في خطابه للسلطان قوله: ” لقد ذهبت بعيدًا عن عمان فماذا تركت لنا؟”، فأجابه السلطان” ” أجل لقد تركت عمان وتركت نجلنا السيد سعيد لرعاية كل شيء”.

موقف السيد سعيد

سافر السيد سعيد إلى الهند في السابع عشر من شهر نوفمبر 1931 ليحاول إقناع والده بالعدول عن التنازل والعودة معه، غير أن أباه أجابه بالرفض القاطع عندما قال له بالحرف الواحد: ” لقد اتخذت قراري… ولا فائدة”.

انتقال الحكم

بتاريخ 9 يناير 1932 أرسل المقيم السياسي البريطاني في بوشهر المقدم تي سي فاولي، خطابًا إلى السيد سعيد يخبره فيه أن السلطان تيمور أرسل له رسالة من مقر إقامته في كراتشي يخبره فيها عن رغبته بعدم العودة إلى مسقط، وعزمه على التنازل عن الحكم، وأنه رشح سمو السيد سعيد لخلافته والقيام بسائر صلاحيات الحكم.

كما أضاف المقيم السياسي أنه أرسل نص رسالة السلطان إلى حكومة جلالة الملك التي أفادت باعترافها بسموه سلطانًا على مسقط وعمان.

المبايعة

 في 18 رمضان 1350 هـ الموافق 27 يناير 1932 تقريبًا أرسل السيد سعيد بن تيمور رسالةً إلى الوكيل البريطاني في مسقط تي سي فاولي يخطره فيه بوصول كتاب المقيم السياسي بيسكو، ويعلمه بأنه سيؤجل إعلان الجلوس على العرش إلى بعد مضي شهر رمضان المبارك.


وفي اليوم الثاني من شهر شوال لعام 1350 هـ الموافق 11 فبراير 1932 دعا السيد سعيد إلى عقد اجتماع عام حضره أفراد الأسرة الحاكمة، وشيوخ القبائل، ووجهاء عمان، وطلب خلاله من السيد أحمد الشبيلي سكرتير والده أن يقرأ على المجتمعين نص وثيقة التنازل التي حصل عليها من أبيه، والتي دعت الجميع إلى تقديم الولاء والطاعة له باعتباره السلطان الجديد لعمان.

المراجع

  • البلوشي، صالح. صفحات من حياة السلطان تيمور بن فيصل، ط1، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2018.
  • الحارثي، محمد بن عبد الله. موسوعة عمان الوثائق السرية، المجلد الثاني، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2007.
  • العتيقي، ناصر بن سعيد. الأوضاع السياسية العمانية في عهد السلطان سعيد بن تيمور، دار الفرقد، دمشق، 2015.
  • مقيبل، سالم بن عقيل. عمان بين التجزئة والوحدة، ط1، مركز الرؤية للتنمية البشرية، صلالة، 2007.
  • مكتبة قطر الرقمية. “تنازل السلطان تيمور بن فيصل عن العرش وتولي السلطان سعيد بن تيمور للعرش”، ملف IOR/R/15/1/446.

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock