ورقة علمية تكشف جوانب من التأثير العُماني في المجتمع الصيني

أثير- د. محمد بن حمد العريمي

كان لعمان وأهلها علاقات حضارية متميزة مع العديد من الحضارات والشعوب القريبة والبعيدة؛ فعدا عن علاقاتها مع الحضارات المجاورة كحضارات بلاد الرافدين، ودلمون، واليمن، والحبشة، وحضارة مصر القديمة، فقد كان للعمانيين امتداد شرقي طويل تجاوز الهند وسرنديب والمالديف ليصل إلى جنوب الصين مرورًا بملقا وما حولها، وكانت لهم بصماتهم الخالدة فكريًا، واقتصاديًا، واجتماعيًا في كل بقعةٍ تصلها سفنهم.

“أثير” تستعرض في هذا التقرير جانبًا من التواصل الحضاري العماني مع بلاد الصين من خلال تلخيص ورقة بعنوان (التأثير الثقافي العماني في الصين خلال العصور الوسطى) للدكتور سليّم بن محمد الهنائي المشرف التربوي بوزارة التربية والتعليم، والتي سلّطت الضوء على التأثير الثقافي العماني في الصين من نواحٍ مختلفة مثل اللغة والعادات والملابس والفنون وكذلك طلب العلم وتعلم الإسلام، وذلك من خلال محاور ثلاثة هي: بدايات التواصل العربي العماني مع الصين، والعوامل التي أسهمت في ذلك الامتزاج والتداخل الحضاري، ونشر العُمانيين الإسلام في الصين، وأثر ذلك في دخول الصينيين الإسلام وما تبع ذلك من تغيير أسمائهم وطرق حياتهم ومأكلهم وملبسهم وبعض عاداتهم، بينما ركّز المحور الثالث على تأثير لغة وفنون العمانيين على الصينيين.

بدايات التواصل العربي العماني مع الصين

أشارت الورقة إلى أن التواصل بين العرب والصين بدأ منذ العصور القديمة، وقد أسهمت المعرفة البحرية في ذلك التواصل منذ حوالي قبل الميلاد من خلال المراكب العربية المتجهة إلى الصين وكذلك المراكب الصينية التي تأتي إلى جزيرة العرب، كما كانت القوافل التجارية تنتقل بين الصين والمناطق الواقعة إلى الغرب من آسيا، فكان العرب والرومان يحصلون عل الحرير والملابس والتحف النادرة من المصنوعات الصينية والتي ترد إلى أسواق الشا ، ومن جانب آخر فإن حركة التجارة البحرية كانت مزدهرة مع موانئ عمان التي أطلق عليها الصينيون اسم “ونجلي” والجزيرة العربية، مما أسهم في إيجاد نوع من التواصل الحضاري منذ القدم بين العرب والصين.

 

ويمكن عدّ التجار العمانيين الذين سافروا إلى الصين مثل النضر بن ميمون وأبو عبيدة عبد الله بن القاسم منذ فترات مبكرة قبل الإسلام وأثنائه بأنهم السبب في تمهيد تلك الطرق للعرب للقيام برحلات نحو الصين، بل إن الجغرافيين المسلمين قد استفادوا منهما أيضا مثل سليمان التاجر والسيرافي وغيرهم ممن سافر نحو الصين، وهذا ما أكد عليه أيضا كراتشكوفسكي.

 

نشر العمانيين الإسلام في الصين

ناقشت الورقة جهود العمانيين في نشر الإسلام بالصين؛ حيث أكّدت إجماع الجغرافيين المسلمين حول قِدَم العلاقات بين العرب والصين منذ قبل الإسلام، وتأكيدهم على دور المراكب العمانية والتي تقوم برحلات منتظمة نحو موانئ الصين مما أسهم في تعزيز العلاقات التجارية بين الصين وبلاد العرب، ومما يجب التأكيد عليه أن العلاقة مع الصين عند ظهور الإسلام كانت في البداية تجارية ولم يكن القصد نشر الإسلام أو تحقيق شيء من المكاسب على الصعيد الديني فهذا الدور ظهر تلقائيا بسبب سماحة وأخلاق هؤلاء التجار وعدم انغماسهم في المادة والتعامل بالحسنى والصدق في المعاملة مع الآخر مما جعل التجار الصينيين يعجبون بأخلاق العمانيين وأمانتهم في التعامل مما كان له بالغ الأثر في تأثرهم بالدين الإسلامي واعتناقهم له فكان هذا العمل بداية نشر الإسلام في الجزء الشرقي من الصين عن طريق هؤلاء التجار.

 

كما أشارت إلى إسهام العمانيين بما يمتلكون من خبرات ملاحية وأساطيل في نقل التجارة والمواد بين موانئ الجزيرة العربية مع كل من شرق أفريقيا وموانئ الصين، مما انعكس في أن تتوفر السلع الصينية وأن تزدهر تجارة الصين مع الشرق وأسواقه التي فتحت للبضاعة الصينية بسبب جودتها ورخص سعرها، هذه البداية التجارية كانت عاملا لبدايات أخرى في جوانب مختلفة والتي من أهمها الجوانب الحضارية.

 

وأشارت الورقة أيضًا إلى أن القائد “كانينج” وهو مبعوث امبراطور الصين والذي زار منطقة الرافدين كزيارة رسمية قد عاد إلى بلاده بمعلومات قيمة عن تلك الأنحاء التي مر عليها، فقد جاء في كتاب أسرة هان قوله:”إذا اتجهت غربا من فارس وقطعت حوالي 3400 لي) نصف كيلو متر (فإنك سوف تصل إلى بلاد عمان“، وهذه أول إشارة في المدونات الصينية القديمة تشير إلى اسم عمان صراحة وذلك في عام 97م، وإن كانت ذكرت بين عام 50 – 60 م في كتاب الطواف حول البحر الأريتيري.

وأوضحت الورقة أن الصلات التجارية لعبت دورًا في تعميق الصلات في الجوانب الثقافية والحضارية بين عمان والصين، فقد أثبتت القطع الخزفية التي اكتشفت في صحار عن عمق الصلات الملاحية المباشرة التي كان يقوم بها العمانيون نحو الصين منذ فترات مبكرة تعود للقرن الرابع أو الخامس الميلادي بل وربما أقدم من ذلك نحو قبل الميلاد.

 

وتأكيدًا لقدم العلاقة بين عمان والصين هو ما قام به ملك الصين “مووانج” من زيارة لجزيرة العرب ولقائه لملكة سبأ التي أطلق عليها اسم “س وانج مو” ” إذ وكما تذكر المصادر الصينية فقد استقبلت ملك الصين في ترحيب رسمي ، لكن ما نخرج به من هذه الزيارة من استنتاجات أن جزيرة العرب ومنها عمان كانت معروفة لدى الصينيين بفضل التجار العُمانيين والعرب الآخرين، مما أسهم في أن تتعزز رغبة ملك الصين على القيام بتلك الرحلة بعد أن جمع كافة المعلومات عن الرحلة وما يتعلق بها من تفاصيل، وإلا فلا يمكن لملك أن يقوم برحلة إلى أرض مجهولة وهو لا يعرف عنها شيئًا.

وأشار الباحث إلى أنه مما يؤخذ بالاعتبار أن العمانيين كانوا ينشئون الموانئ التي تسهل لهم التواصل مع الصين سواء كانت على ساحل عمان أم في المناطق التي تأخذ مسلك السفن التي تتجه نحو الصين، ومن ذلك ميناء أكيلا الواقع بالقرب من رأس الخيمة أسفل رأس مسندم والذي أشار له “بلينيوس” فكان هذا الميناء نقطة انطلاق السفن نحو الصين إضافة طبعا إلى موانئ صحار ودبا.

وأشارت الورقة إلى نقطة غاية في الأهمية عند الحديث عن الدور العماني في نشر الإسلام في الصين، والتي تتمثل في الوضع السياسي السائد في جنوب الجزيرة العربية، فقد جرت العادة أن تظهر ممالك لها مسميات مشهورة ومتعارف عليها، أما سكان المناطق المجاورة فيتم نسبتهم إلى الممالك المشهورة المجاورة وهذا ما حدث للعمانيين الذين يتجارون مع موانئ الصين فقد أطلق عليهم السبئيون كخلط بينهم وبين تجار سبأ، وهذا حدث كثيرا في أثناء الحديث عن تجار عمان.

 

لكن ما يجب أن يشار إليه- بحسب الباحث- أن الإسلام دخل الصين بداية عن طريق المراكب التجارية العمانية التي تصل إلى موانئ الصين حاملة معها التجارة والإسلام جنبا إلى جنب، ثم كانت الفتوحات الإسلامية التي أوصلت الإسلام إلى الصين من جهة الغرب.

 

وأكد الباحث من خلال ورقته أن رحلات العُمانيين نحو الصين كانت العامل الأساسي في وصول الإسلام إلى الصين خاصة وأن إسلام أهل عمان كان في فترة مبكرة، كذلك لم ينقطع تواصل العمانيين مع الصين بحرًا مما يعني أنهم كانوا أول من حمل الرسالة المحمدية إلى الصين، هذا إذا علمنا أن بعثة تخرج من المدينة المنورة إلى الصين تحتاج إلى الكثير من الترتيبات والتجهيزات ، كما أن الخليفة عمر يحرص على سلامة المسلمين وبالتالي فلن يرضى برحلة طويلة مثل هذه والتي تخرج من جزيرة العرب نحو الصين وفي عرض البحر ما يقارب السنة، وبالتالي فمن المؤكد أن العمانيين كان لهم السبق في وصول الإسلام للصين.

 

وتتبعت الورقة خريطة انتشار الإسلام في الصين، حيث بدأ انتشار الإسلام في موانئ الصين في المناطق الجنوبية ثم نحو الوسط باتجاه الشمال وكذلك نحو مصب نهر اليانجستي، ولذلك فإنه بسبب ازدياد وصول العُمانيين نحو موانئ الصين الجنوبية والوسطى فإن عدد المسلمين بها ازداد مقارنة بعدد المسلمين في الموانئ والمناطق الساحلية الشمالية، ومن ناحية أخرى احتفظ هؤلاء المسلمون بطابعهم الإسلامي وثقافتهم العربية، كما قد تحصلوا على الحماية من أباطرة الصين لدورهم في النشاط التجاري البحري، فكان المسلمون يقيمون في أحياء خاصة بهم ولهم قاض يفصل بينهم وهو ما أشار إليه أيضا ابن بطوطة  عندما زار الصين.

 

كما أوضح الباحث أن تعيين العُماني أبي عبيدة عبدالله بن القاسم الذي خرج من صحار أسهم في ازدهار التجارة والعلاقات بين عمان والصين، كما أسهم ذلك في زيادة حركة الملاحة والهجرة نحو الصين، وقد أشارت المصادر الصينية إلى عبدالله آخر عاش في عهد أسرة سونج، ولا يمكن أن يكون نفس الشخص بسبب الفارق الزمني الكبير بينها، فأبو القاسم عبدالله كان في زمن أسرة “تانج، أما عبدالله هذا فكان في زمن أسرة “سونج” الذي عمل ضابطا للهجرة بتعيين من إمبراطور الصين فقام بتسهيل استقرار العمانيين والعرب في الصين، مما أسهم في زيادة التأثير الثقافي العماني في الصين، كما كان عبد الله رئيس حي الأجانب في كانتون، وعندما أراد الخروج من الصين كان يمتلك من الأموال ما يقدر بالملايين، كما اقترح على حكومة الإمبراطور “سونج” أن يقوم بترميم سور مدينة كانتون.

تأثير لغة وفنون العُمانيين على الصينيين

أشارت الورقة إلى العديد من التأثيرات الفكرية للعمانيين على أهل الصين؛ فقد أسهمت الرحلات البحرية للعمانيين إلى الصين في نقل التأثير الثقافي إلى تلك الأصقاع، ومن جانب آخر فليس من المستبعد أن الرحلات التي وصلت عمان وباقي أنحاء الجزيرة العربية وجنوبها قد اعتمدت على وسائل ملاحية مستقاة من العُمانيين، ومما يؤكد ذلك هو رحلة “تشانغ هو” ويلقب أحيانا باسم “جهان ” لأصوله الإسلامية، إذ استعان بخرائط ملاحية مستفادة من تقنيات الملاحة التي نقلها وطورها العمانيون في رحلاتهم عبر المحيط الهندي نحو الصين، وذلك للتشابه في طرق قياس الزوايا وارتفاع الأجرام السماوية ومواقع خطوط العرض.

كما صاحب انتشار الإسلام في الصين بحسب الورقة عناية العُمانيين باللغة العربية وتلاوة القرآن الكريم، فمن يدخل الإسلام من أهل الصين عليه أن يتعلم اللغة العربية وهذا ما لاحظه السيرافي بقوله “ولا أعلم أحد من الفريقين ولا يتكلم بالعربية“، وكذلك معرفة المسائل الفقهية والمفردات التعبدية والتي هم بجاجة لها في نشاطهم التعبدي اليومي.

كما أشارت الورقة إلى أن التأثير شمل أيضا الجانب النثري والشعري، فقد أشار ابن بطوطة إلى أن فرقا موسيقية غنت أغاني عربية وفارسية وصينية، كذلك فإن بعض شواهد القبور في الصين مدون عليها قطع شعرية أو نثرية وهي عبارة عن أدعية بمنهج خاص، كذلك هناك الخطوط العربية المنقوشة على الصحون كل هذا كان من التأثير الثقافي العماني في الصين.

وأكّدت الورقة أن وجود المساجد وانتشارها في المناطق الساحلية تحديدا كان بفضل التجار العمانيين وعلاقات الصداقة التي كونها هؤلاء التجار مع امبراطور الصين أو مع عامة الناس مما أسهم في انتشار المساجد والتي بدورها أسهمت بشكل كبير في تعليم اللغة العربية والقرآن الكريم، ومن ناحية أخرى أسهم ذلك في نقل العادات والتقاليد العربية الإسلامية إليهم، بل يمكن القول “العادات والموروث العماني”، وليس من المستعبد أن يكون هؤلاء الصينيون قد مارسوا حياتهم كما هو حاصل في عمان في أمور الزواج والاحتفال بالمناسبات الدينية والوفاة وغيرها، ومن ناحية أخرى اقتبسوا من العُمانيين العلوم والفنون وخاصة المتعلقة بشؤون البحر وكذلك بعض الآداب.

كما توصلت الورقة إلى أن الكثير من الأسماء المنتشرة في الصين تعود إلى الأصول العربية، فهناك عائلات وأشخاص تحمل لقب ” p u” مما يعني أن مردها إلى كلمة أبو العربية، كما نقل العمانيون معهم النقود العربية في تداولهم في أسواق الصين، ومن المؤكد أن العمانيين الذي استقروا في الصين قد تولوا مناصب إدارية وعسكرية نظرا لما تمتعوا به من كفاءة وحسن إدارة.

وفي الجانب الطبي أشارت الورقة إلى تأثر الصينيين باستخدام الكي في العلاج الذي كان معروفًا ومنتشرًا في عمان، أما التأثير الهندسي فقد كان حاضرًا أيضًا، وذلك من خلال اشتراك مهندس عماني يُدعى اسمه بالصينية “هاي داي”  في بناء عاصمة أسرة “يوان” والتي أصبحت لاحقا أساسا لمدينة بكين، وهذا ليس بغريب فمن ينظر إلى براعة الهندسة العمانية منذ قبل الإسلام في بناء القلاع والحصون والأسوار وكذلك المعرفة الدقيقة للزوايا يدرك قدرات ذلك الإنسان مما أسهم في أن ينقل تلك المعرفة أنى ذهب وهو ما حدث في أن يستفيد منها إمبراطور الصين.

وقد شمل التأثير العماني في الصين جوانب حياة الأسرة، فالأسرة المسلمة في الصين تختلف تمامًا عن غيرها وتتميز بالصفات الإسلامية مثل عدم وجود الصور والتماثيل، ولا توجد في منازلهم رائحة التبغ والخمر ولا يقربون لحم الخنزير، ويتوضأون بالأباريق ويستحمون بالدلو المثقوب القعر المعلق في الأعلى، ويهتمون بالنظافة الشخصية أيما اهتمام، وفي كل حجرة مكان للوضوء، وينامون بعد العشاء مباشرة ويستيقظون عند الفجر، ولا تخرج المرأة من المنزل وتعمل في بيتها، وإذا خرجت غطت رأسها، ولا تصافح المسلمة الأجانب ولا تكلمهم ولا تسلم عليهم وغيرها من الصفات الإسلامية التي نقلها العمانيون إليهم.

يُذكر أن الباحث الدكتور سليّم بن محمد الهنائي حاصل على شهادة الدكتوراه في التاريخ من جامعة السلطان قابوس، وعمل كمحاضر في جامعة السلطان قابوس، وفي كلية الزهراء الجامعية، كما أن له العديد من المشاركات العلمية المتنوعة في مجال التاريخ من بينها مشاركته في مؤتمر الدور العماني في شرق أفريقيا، وندوة نزوى عاصمة الثقافة الإسلامي، ومؤتمر عمان في الصحافة العالمية، والندوة الدولية حول تاريخ الحضارة الإسلامية في شرق أفريقيا، ومؤتمر الحضارة الإسلامية بماليزيا، وعدد من ملتقيات  جمعية التاريخ والآثار لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وغيرها.

وله عدد من المؤلفات من بينها: عمان في مصادر الجغرافيا والرحلات الاسلامية في العصر الإسلامي الوسيط، ومسقط في الخمسينات والستينات من القرن العشرين، ورؤية الجاحظ في تاريخ الدولة الأموية والعباسية.

المرجع

  • الهنائي، سليّم بن محمد. التأثير الثقافي العماني في الصين خلال العصور الوسطى، ورقة عمل مقدمة إلى مؤتمر تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والصين، هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية، فندق جراند ميلينيوم، مسقط، 23-24 ديسمبر 2019.

 

الخرائط من أرشيف الباحث د. سليّم بن محمد الهنائي

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock