د.رجب العويسي يكتب: العودة إلى المدارس والقرار الآمن

د. رجب بن علي العويسي- خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية
في مجلس الدولة

أيام قليلة تفصلنا عن الموعد المعتاد لبدء دوام الهيئتين الإدارية والتدريسية بالمدارس ودوام الطلبة، في حين مازالت أحداث جائحة كورونا ( كوفيد19) تلقي بظلالها على المشهد الوطني في ارتفاع مقلق لأعداد الوفيات؛ ومازالت المدارس في طلبتها وهيئاتها الإدارية والتدريسية والوظائف الأخرى العاملة بها تعيش حالة الترقب بعد تعليق الدراسة بها مع بداية الفصل الدراسي الثاني من عام 2020، وشغف العودة الآمنة إلى المدارس، كل ذلك وغيره يضع التعليم أمام مرحلة حاسمة في تقرير المصير والبحث عن سيناريوهات العودة إلى المدارس عبر زيادة مسارات التنويع في البدائل الممكنة التحقق، والتي تتوافق مع الخصوصية العمانية والظروف المرتبطة بالواقع التعليم.

وفي هذا الشأن قامت وزارة التربية والتعليم مشكورة بإعداد استطلاع رأي حول تعزيز مستوى الجاهزية للعام الدراسي 2020/ 2021 عبر استعراض جملة من البدائل لتوفير التعليم خلال العام الدراسي 2020/ 2021 وذلك من خلال دراسة الواقع الوطني والاستفادة من بعض التجارب ذات العلاقة بالتعليم المدمج، والتشاور الحاصل مع المديريات التعليمية بالمحافظات، آخذة في الاعتبار ما يطرحه الواقع المجتمعي من سيناريوهات وبدائل؛ تحقيقًا للشراكة المجتمعية متخذة من توظيف الحوار المجتمعي الهادف أحد الخيارات الاستراتيجية التي ستقدم نواتج نوعية للوصول إلى قرار وطني آمن حول التعليم، بحيث تشارك في صياغة مدخلاته مؤسسات المجتمع المدني والأسرة، كما يشارك فيه الطلبة والمعلمين والكادر التدريسي والإداري وأولياء الأمور وملاك المدارس الخاصة والشركاء الآخرين في التعليم والفاعلين فيه وأصحاب الأقلام والمهتمين بالشأن التعليمي، إذ من شأن هذا التوجه أن يقدم فرص نجاح قادمة في انتقاء البديل المناسب للحالة العمانية، فمن جهة يعمل على تهيئة المجتمع لقراءة أعمق للوضع الحالي والتعامل مع التوقعات القادمة في العودة للمدارس بوعي أكبر وحرص أدوم واستشعار للمسؤولية، وشعور بأهمية العمل معًا؛ لتدارك أي سلبيات قد تترتب على الخيارات المطروحة والسيناريوهات المتوقعة للعمل بها، ويؤسس لمساحة أوسع من التبادل المعرفي المجتمعي والتناصح الأسري في آلية التعاطي مع المرحلة المقبلة خاصة لدى الأسر التي لديها أكثر من طالب في صفوف دراسية متعددة أو مراحل دراسية مختلفة أو تعددية في المدارس، ومن جهة أخرى توليد بدائل متعددة، إذ يتيح هذا الرصد توليد خيارات وبدائل متعددة وإثراء نوعي للسيناريوهات المطروحة؛ لتتضح صورة العمل، وتتفاعل شرائح المجتمع بدون استثناء مع البديل المطروح وتداوله عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بمزيد من الاهتمام في الطرح والعمق في الرأي والحكمة والتوازن في الأفكار والمقترحات والنقاشات الموجهة حول السيناريوهات والبدائل المطروحة.

ومع التأكيد على أهمية هذا الاستطلاع في رسم ملامح ومؤشرات أولية تستفيد منها الوزارة في تحديد البديل التعليمي المناسب في ظل ما تناوله الاستبيان من نقاط وتفاصيل دقيقة حول البديل التعليمي المناسب، والتي توزعت على نحو 24 فقرة، بالإضافة إلى البيانات الأولية الشخصية للمستجيب من حيث عدد الأبناء ونوع التعليم والمرحلة التعليمية التي يدرسون بها في حالة تعددهم ووجودهم في أكثر من مرحلة، والسؤال المفتوح بوضع البديل الذي يرون أهميته من غير البدائل المشار إليها، كونها محطة مهمه في تحقيق التكامل المجتمعي واستشعار مؤسسي بأهمية وضع المجتمع في صورة العمل القادم؛ نظرًا لحساسية التعليم والفئات التي يرتبط بها، وما يعنيه ذلك من الحاجة إلى أن يلامس هذا الاستطلاع توقعات المواطن والمقيم ويقدم فيه عصارة ما لديه من أفكار وقناعات في ظل حوار أسري هادف يقدم أنموذجًا عمليًا في الشراكة من أجل التعليم، خاصة في ظل ما قد يرتبط بمسألة دوام الطلبة من مخاطرات، إن لم تستمر مؤشرات الرصد الوبائي في الانخفاض الفعلي.

من هنا نعتقد بأن دور المواطن هو الحلقة الأقوى في رسم خريطة التوجه القادم، ويلقى عليه مسؤولية اختيار البديل المناسب القادر على تحقيق قاعدة اجتماعية متينة ويتناغم مع طبيعة الجهود الوطنية، وأن يتجه عمل وزارة التربية والتعليم في التعاطي مع نواتج الاستبيان إلى الاستفادة من كل التحليلات والقراءات والأفكار والأطروحات والتفاعلات التي تطرح حول هذه البدائل في منصات التواصل الاجتماعي مثل الواتس اب وغيرها، مما يعني الحاجة إلى إعطاء أهمية أكبر لعمليات التحليل والرصد والتشخيص لما يدور في هذه المنصات، وإعادة صياغته بطريقة تخدم عملية التقييم، بحيث لا يقرأ الاستبيان كمجرد رقم أو نسبة استجابات عامة من مجتمع السلطنة الكلي، بقدر ما تتطلب المسألة مراجعة نوعية تأخذ في الاعتبار مؤشرات الرصد الوبائي للفيروس ومستوى تطور الحالة مستفيدة من المسح الوطني الاستقصائي لجائحة كورونا ( كوفيد19)، الذي تقوم به وزارة الصحة بالتعاون مع المركز الوطني للإحصاء والمعلومات، وأن تراعي عملية التحليل والرصد والتشخيص لبنود الاستبيان كل المعطيات المتعلقة بالحالة الوبائي بالسلطنة ونسبة الأمان المرتبطة بالبديل التعليمي الذي يتم اختياره، وأن يُقرأ البديل المختار في ظل ارتباطه بمعايير الأمان والسلامة وتحقيقه لاستراتيجيات التعامل مع كورونا، والإجراءات الوقائية والتدابير الاحترازية والاشتراطات التي أقرتها منظمة الصحة العالمية وعملت السلطنة على تحقيقها من خلال اللجنة العليا المكلفة ببحث آلية التعامل مع التطورات الناتجة عن انتشار فيروس كورونا (كوفيد 19)، والتفكير في اشتراطات أخرى تتناسب مع طبيعة المدارس، وتراعي خصوصية العمل فيها، بحيث تسلط الضوء على كثافة الطلبة في الصف الدراسي وحافلات المدرسة، والمقصف وساحات المدرسة والأنشطة الجماعية والرياضية، واستخدام المرافق المدرسية مثل دورات المياة ومبردات مياه الشرب وغيرها، كذلك ضمان قدرة الطلبة على التعامل مع الإجراءات والتدابير الصحية الاحترازية مثل: لبس الكمامات، وتحقيق التباعد الجسدي بكل أريحية ويسر وبدون أي منغصات، ومستوى الوعي والثقافة التي يمتلكها الطلبة في التعامل مع مفهوم خصوصية الأدوات الشخصية ومنع تبادلها بين بعضهم البعض، إلى غيرها من الأمور التي تستدعي مزيد من المتابعة والتوجيه خاصة في ظل توقع حصول نقص في الكادر التدريسي والإداري والعاملين بالوظائف الأخرى المساندة بالمدارس، مما قد يسبب المزيد من الضغط على الكادر المعتمد في الخطة الدراسية، أو كذلك السيناريو المتعلق بتفعيل سياسات التعليم عن بعد وإيجاد الآليات الكفيلة بالقبول الفطري المجتمعي لهذه الثقافة في التعليم وقدرته على التعامل معها بوعي ومهنية وتقليل فاقد التكرار في العمليات التعليمية التي قد تنتج عن ضعف الجاهزية المتحققة لدى الوزارة في توفير محتوى رقمي جاذب ومؤثر ويستحق أن يحضره الطلبة، أو الاستعداد الذاتي للطلبة أنفسهم، وما يلقيه ذلك من عبء على الأسرة وأولياء الأمور، وما يعنيه الأمر في كلا الحالات من أهمية إعادة النظر في كثافة المناهج الدراسية في هذا العام وتحديد الوحدات أو الموضوعات التي يتم تدريسها في هذه الفترة والاقتصار على بعضها، خاصة تلك التي تعزز من مسارات التكاملية في المعرفة، وتقلل من حالة الاجترار المعرفي وكثافة المعلومات، والتركيز على البرامج المتعلقة بالتعلم الذاتي والتعليم في الظروف الصعبة ومنح الطلبة المزيد من الثقة في اختيار أساليب تعلمهم.

ويبقى الوصول إلى قرار استراتيجي آمن بعيدًا عن العاطفة، قريبًا من الحكمة، يتسم بالمصداقية والموضوعية والثبات، يراعي كل الظروف المرتبطة بالحالة العمانية، متجنبًا سلوك المقارنة بالآخرين، واضعًا النهج الإنساني الذي التزمته السلطنة في التعامل مع هذه الجائحة في أولوية الاهتمام، وهو قرار يعبر عن الخصوصية العمانية والهوية التعليمية لعمان، مرهونًا بمستوى وعي المواطن للمهمة عبر ما يسطره من مرئيات حكيمة، وأفكار ناضجة، واستجابات تتسم بالشفافية والموضوعية والصدق، تحمل الأمل وتبني القوة وتؤطر المسار وتتجه بأبنائنا إلى بر الأمان، ويصبح الاعتدال والتوازن في صياغة الأفكار وإبداء الرأي والتعقل والحكمة في ما يصدر من أطروحات ووجهات نظر هو الطريق الأمثل لمعالجة مقنعة تضمن وضوح خريطة السير التي من شأنها دعم جهود اللجنة العليا المكلفة في اتخاذ القرار بالبديل المناسب أو إعادة هندسته بما يتوافق مع متطلبات المرحلة المقبلة، فإن قدرة المجتمع على سبر أعماق هذا التوجه وتعزيز التقارب في وجهات النظر، والعمق في دراسة هذه البدائل والتفكير داخل الصندوق الوطني المعزز بأرضيات الواقع والمصان بالتشريعات، والمؤطر بروح المسؤولية، والمطرز بمنظومة جودة الحياة والأمان لأبنائنا الطلبة، مدخلًا استراتيجيا يضع النقاط على الحروف للوصول إلى قناعات وطنية ترسم موجهات العودة الآمنة إلى المدارس في أفضل صورها وأدق تفاصيلها سلامًا وأمانًا.

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock