أبو العلاء المعرّي يُوقّع كتبَه للناشئة!

أحمد الراشدي- باحث متخصص في أدب الأطفال والناشئة

لم تعد قراءة كتب تراث عربيتنا الجميلة حِكرا على أستاذة الجامعة الأكادميين أو طلبة أقسام اللغة العربية وآدابها المتخصصين، فمن السهل الآن أن تجد فتى أو فتاة في سن المراهقة قد قرأ أحد كتب أبي العلاء المعري أو كتب ابن المقفع أو أي من كتب الأدباء والمثقفين العرب القدامى، فلم يعد هذا القارئ الصغير يَحتمل أن تصفه بنوع من المبالغة بالفتى المعجزة؛ لأنه يقرأ كتبا أكبر من سنه؛ والسبب محاولة بعض الكتّاب وبعض دور النشر العربية تقريب وتبسيط كتب التراث للناشئة!

ففي عام 1974م سعى الفنان والكاتب المصري محمود أبو المجد إلى أن يُعيد صياغة عوالم الكتاب الشهير » رسالة الغفران « للشاعر أبي العلاء المعري ( 943هــ/ 1029م ) بلغة تتناسب مع مستوى الناشئة، فأصدر كتابا أسماه »عالم المعري في الغفران أو رسالة الغفران بأسلوب عصري« وقد صدر في طبعة جديدة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 2008م. ضمّنه 15 لوحة، رسم فيها وجوه شعراء العرب »أما الرسوم فقد استوحيتُ ملامحَ أصحابها من الأوصاف التي وردت في كتب التراث « .
ورغم أن كتاب رسالة الغفران قد وصفه الأديب الدكتور طه حسين بأنه »أول قصة خيالية عند العرب« إلا أنها لم تجد ذلك الشغف القرائي الذي تستحقه عند الشباب العرب فضلا عن الناشئة المراهقين، وسبب ذلك الطبعات الرديئة في خطها وغلافها وورقها التي صدر فيها هذا الكتاب وغيره من كتب التراث العربية الثمينة ، وقد زاد أن رسّخ القطيعة المزعجة والنفور الواضح من اللغة العربية الجميلة لدى أجيال من العرب هو عدم وجود مبادرات علمية مدروسة بإعادة طباعة هذه الكتب بجودة عصرية تناسب عين وطبيعة القارئ العربي خاصة في الألفية الثالثة.
أكاد أجزمُ أن رسالة الغفران ستفوق في الدهشة والإعجاب والإمتاع عوالم هاري بوتر لو توفر لها مُخرج محترف وحولها لعمل سينمائي درامي؛ فأبو العلاء المعري يصف رحلة خيالية استباقية يقوم بها ابن القارح علي بن منصور إلى عالم الآخرة، حيث يتجوّل في الجَنة ثم يزور عالم الجحيم ويلتقي فيهما بالشعراء والأدباء وعلماء النحو من العصور السابقة والذين عاصرهم؛ فقد وزعتْهم أشعارُهم وأعمالهم بين الجنة والنار مثل امرئ القيس والزير سالم المهلهل وزهير بن أبي سلمى والخنساء وغيرهم، يسامرهم ابن القارح ويحاورهم فيما قالوه في الدنيا من أشعار في جو درامي وخيالي ساحر.
وما قام به محمود أبو المجد هو التبسيط من حدة التهكم وجزالة اللغة في النص الأصلي ، كما غيّر مجرى سرد القصة الأصلية وطعّمها برسومات متخيلة.
أما الأديب ابن المقفع (106- 142هــ) فقد نال حظا من الحب والانتشار الذي يستحقه لدى أطفال العرب والناشئة بعد أن أصدرت كاتبة أدب الأطفال اللبنانية نبيهة محيدلي كتابه »كلية ودمنة «في طبعة غاية في الأناقة عن دار الحدائق عام 2011، كتبتها بلغة بديعة تصرفت فيها بقصص ابن المقفع التي رواها على ألسنة الحيوان، وانتقتها نبيهة بعناية مقصودة، وضمّنتها رسوما بريشة الفنان محمد سعيد بعلبكي.
وأتصور أن حكايات مصباح علاء الدين السحري والطائر الخرافي الرخ ، والحدائق الذهبية ومدن العجائب ذات القباب الجميلة في كتاب ألف ليلة وليلة المعروف بأجوائه الفنتازية العجائبية لم تعد حكرا على الكبار، فقد ترجمت القاصة فاطمة شرف الدين ثماني قصص عن كتاب ألف ليلة وليلة ستحمل الناشئة اليافعين على بساط السندباد السحري لمدن الحكاية الساحرة، ففي 2012 م أصدرت دار كلمات للنشر والتوزيع كتاب ألف ليلة وليلة، الذي كتبت نصوصه بالإنجليزية وفاء تارنوفسكا – كاتبة لبنانية الأصل وبولونية الجنسية- ضمن اهتمامها بنقل ونشر التراث العربي إلى اللغة الإنجليزية، وأرادت الكاتبة فاطمة شرف الدين أن تهدي حكايات شهرزاد المسلية لليافعين العرب فعملت على ترجمتها.
وإني أتطلع أكثر بأن يقرأ أبناؤنا اليافعين كتاب تحفة الأعيان لنور الدين السالمي وكتاب الأنساب أو الإبانة لأبي المنذر العوتبي أو غيرها من كتب الأسلاف المؤلفين العمانيين في طبعات مختصرة وأنيقة وجذابة تتناسب مع مستويات أعمارهم، فالطفل واليافع الأوروبي يقرأ مثلا روايات تشارلز ديكنز في طبعات تناسب مستواه كل مرحلة، وغيرها من الراويات العالمية تحت ما يسمى بالكتب المتدرجة graded books.
ومن الأخبار التي تبعث الأمل مبادرة دار الهدهد مع مشروع كلمة في إصدار سلسلة مختارة من الروايات العالمية للعربية بمستوى يتناسب مع مستوى الناشئة من سنة الحادية عشرة وحتى الثامنة عشرة وهناك محاولات عربية متفرقة أتابع جهدها وحرصها على رفد مكتبة الناشئة ، ولكن لا يوجد مشروع عربي موحد يتولى ذلك باستراتيجية لغوية علمية مهنية مدروسة.
*(تم نشر هذا المقال سابقا في مجلة أكثر من حياة الإلكترونية)

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى