د.رجب العويسي يكتب: مخرجات العلوم الاجتماعية وسوق العمل؛ تراكمات ثقافة التعليم أم واقع اقتصادي يفرض ذاته ؟

د. رجب بن علي العويسي- خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية في مجلس الدولة

يطرح واقع مخرجات تخصصات العلوم الاجتماعية بالجامعات ومؤسسات التعليم العالي وتحديات التوظيف والتشغيل التي تواجهها في سوق العمل الوطني الكثير من النقاشات والتساؤلات، فمن جهة هل هذا الواقع نتاج ثقافة مكتسبة في بيئة التعليم والتعلم في ظل اتجاه منظومة تطوير التعليم والمناهج الدراسية نحو العلوم التطبيقية وحيازتها أولوية الاهتمام، وتكريس ثقافة العلوم التطبيقية وتوجيه اهتمام طلبة المدارس والجامعات بها وتبني المسابقات والدراسات والمشاركات الوطنية والإقليمية والدولية ، مثل: مهرجان عمان للعلوم وبرنامج التنمية المعرفية والمشاركة في الدراسة الدولية في العلوم والرياضيات وغيرها، وهو الأمر الذي انعكس على آلية التعاطي مع العلوم الاجتماعية عامة وتوفير فرص لمخرجاتها من الباحثين عن عمل على وجه الخصوص.

وعلى الرغم من أن تخصصات العلوم الاجتماعية ما زالت حاضرة بشكل وافر في التعليم المدرسي والجامعي، إلا أن هذا المفهوم ما زال وللأسف الشديد خارج المعادلة في الثقافة التعليمية بمؤسسات التعليم العالي والمدرسي على حد سواء، إذ ما زال واقع الحوار والتفاعل التعليمي الحاصل في بيئة الصف وقاعات التدريس وأجندة العمل ولغة الخطاب الموجهة للطلبة يمجد ويحفز الطلبة على الدخول في تخصصات العلوم التطبيقية كالطب والهندسة وتقنية المعلومات والابتكار وريادة الاعمال والاختراع واقتصاد المعرفة واللوجستيات، تدعمها النظرة المالية الصرفة لدى مجتمع الاقتصاديين ورجال المال والاعمال والرؤساء التنفيذيون للشركات والمستثمرين في المؤسسات الصغيرة والمتوسطة بحجة أن بيئة الاعمال بحاجة إلى مهارات نوعية تتكيف مع التغيرات الحاصلة في سوق العمل والآلة المستخدمة وتتطلب مهارات اكثر تعقيدا وعمقا وهو ما لا يتوفر في مخرجات العلوم الاجتماعية، على الرغم من اهتمام العالم باقتصاد المعرفة والسياحة والسلام والتسامح والأمن والثقافة والتراث المادي وغير المادي والاستثمار في الرأس المال البشري الاجتماعي وهي نماذج عملية لدور العلوم الاجتماعية في بناء اقتصاد متوازن وإنتاج مواطن قادر على التعايش مع مستجدات الواقع واحداثه، ولعل تدخلات أولياء الأمور في تحديد رغبات أبنائهم الدراسية في المدارس والتخصصات التي يتجهون إليها في الدراسة الجامعية والأكاديمية خير دليل لحجم هذه التراكمات وتأثيراتها على فقه التعامل مع العلوم الاجتماعية.

لقد أسهمت هذه التراكمات الفكرية والمفاهيم المغلوطة حول العلوم الاجتماعية إلى الاهتمام بالعلوم التطبيقية وتقنية المعلومات والتقنية الحديثة والذكاء الاصطناعي باعتبارها تجسد الاستعداد لمتطلبات الثورة الصناعية الرابعة، وبالتالي التعاطي السلبي مع العلوم الاجتماعية والنظرة الضيقة لها في أجندة الاقتصاد وسوق العمل ووظائف المستقبل، لتولد انطباعات غير سارة لدى مجتمع الطلبة حول الرؤية المستقبلية لتخصصات العلوم الاجتماعية ومستوى حضورها في سوق العمل ومدى الاهتمام بها من قبل الشركات، ومستوى التقدير الاجتماعي لها في ظل تمجيد العلوم التطبيقية كالعلوم والرياضيات والهندسة والطب وتقنية المعلومات وغيرها. ومن جهة ثانية هل ما يقوم به التعليم في ظل عمليات التطوير والتحسين الموجهة للمناهج الدراسية والتنويع في المسارات والتركيز على مهارات العلوم التطبيقية أمر ذاتي اختياري أم خيار استراتيجي يفرضه الواقع الاقتصادي العالمي، وله ما يبرره في ظل التحولات الحاصلة في اقتصاد المعرفة والاهتمام بالاقتصادات التقليدية والواعدة على حد سواء والتي تستدعي تخصص المخرجات المتجهة لهذه الاقتصادات والعاملة فيها واتقانها للمفاهيم والمفردات والمهارات والقدرات المرتبطة بها بما يساعدها على أداء مهامها في ظل المنافسة الاقتصادية وتعزيز الابتكار والريادة وبناء القدرات الاستراتيجية للشركات والقطاعات الإنتاجية واللوجستية والخدمات بما عزز من استيعاب سوق العمل المحلي لمخرجات العلوم التطبيقية في التخصصات الاستراتيجية والفاعلة بشكل يفوق مخرجات العلوم الاجتماعية.

وبالتالي ما يستدعيه واقع العلاقة بين مخرجات التخصصات الاجتماعية وسوق العمل من الحاجة إلى قراءة أعمق تستوعب معطيات الحالة الوطنية ومهارات الباحثين عن عمل في العلوم الاجتماعية والإنسانية والممكنات الأدائية التي يمتلكونها، والمزيد من العمق في قراءة مسببات هذه الفجوة والتشخيص الدقيق لمعطياتها والوقوف على المؤثرات والعوامل المرتبطة بهذا التحدي بما يتناغم مع الخصوصية العمانية وحجم سوق العمل وقدرته على صناعة الفارق، فمع أن احصائيات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات تشير إلى أن أهم تخصصات الطلبة الجدد المقبولين في مؤسسات التعليم العالي الحكومية والخاصة في العام الاكاديمي 2018/ 2019 بلغ 34.535 ألفا، حيث جاءت تخصصاتها كالتالي: الإدارة والمعاملات التجارية 17%، والمجتمع والثقافة 9.5%، والهندسة والتقنيات 8%، والتربية 5%، وتكنولوجيا المعلومات 4%، حيث تظهر المؤشرات حصول تخصصات العلوم الاجتماعية والإنسانية على أعلى نسبة مقارنة بالعلوم التطبيقية؛ إلا أن التحدي الذي يواجه العلوم الاجتماعية في المساحة المتاحة لتوظيف مخرجات العلوم الاجتماعية والبحث الاجتماعي بمختلف تخصصاتها وتفريعاتها في سوق العمل الوطني، والفرص الاستثمارية المتاحة لهذه المخرجات في ظل اتجاه الاهتمام بالعلوم التطبيقية وريادة الاعمال واللوجستيات والاقتصاديات التقليدية والواعدة، إضافة إلى النقص الحاصل في البيانات والاحصائيات المتعلقة بالتخصصات الاجتماعية ومستوى التوظيف لها في القطاع الخاص، واتجاه أغلب هذه المخرجات إلى القطاع الحكومي الذي يشهد اليوم تشبعا في كل قطاعاته، وفائضا في أعداد الموظفين العمانيين في ظل إعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة.

من هنا تأتي أهمية إعادة قراءة واقع تدريس العلوم الاجتماعية والمهارات التي تمتلكها في الجامعات وضمان استيعاب القطاع الخاص لهذه المخرجات وعبر البناء على المشتركات ونقاط الالتقاء التي تتفوق فيها مخرجات العلوم الاجتماعية والإنسانية ويحتاجها القطاع الخاص، ومن ذلك تعزيز ربط مخرجات تخصصات العلوم الاجتماعية بالعلوم التطبيقية والطبيعية والتقنية والتكنولوجية وإدخال مخرجات العمل الاجتماعي في تخصصات علمية ، وكمثال على ذلك ، التخصصات الطبية، فإن ضمان تقديم رعاية صحية وطبية عالية الجودة يستدعي في ظل مفهوم أنسنة الطب والعلوم حضور الممارسين النفسيين والاجتماعيين وغيرهم من ذوي المهارات الناعمة التي باتت تحتاجها هذه المؤسسات وتستجيب لمعطيات التحول في السلوك الاجتماعي وتتكيف مع بيئة العمل وظروف واحتياجات العاملين بالمؤسسات الصناعية والتجارية والشركات في صناعة الحافز وتعزيز الدوافع وبيئة العمل وهوية المؤسسة وإدارة المشاعر وتعميق منظور الولاء والانتماء، وما تقدمه من خدمات توجيهية وارشادية وقانونية وغيرها من الجوانب الاجتماعية والإنسانية التي لا غنى عنها لأي مؤسسة أو شركة تسعى إلى المنافسة وتحقيق الجودة والكفاءة الإنتاجية.

أخيرا يبقى تكاتف الجهود الوطنية التعليمية والإعلامية والمهنية في تحقيق دور متجدد ينهض بالثقافة المجتمعية الموجهة حول العلوم الاجتماعية وموقعها في منظومة الاقتصاد الوطني، ومواكبتها لمتطلبات الثورة الصناعية الرابعة وسوق العمل ووظائف المستقبل، بحاجة إلى إعادة انتاج هذه الثقافة وتصحيح المفاهيم المغلوطة وتحسين التشريعات والقوانين ذات العلاقة لضمان استيعاب القطاع الخاص لمخرجات العلوم الاجتماعية وتعظيم دورها في رسم خريطة الإنتاج والريادة والابتكار.

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى