محمد الوهيبي يكتب: مسقط الرأس مسقط القلب

 

محمد بن علي الوهيبي- كاتب عماني

برموش العين يا مسقط نقشتُ اسمكِ في دفاتري القديمة مدينة للأحلام والعمر الجميل.
تدخل إليك مسقط وعليك من كل الأبواب دون استئذان.

جبالها وبحارها منحتنا الأنفة والشموخ، وعلى مدى الزمان ظلت مسقط كالحصن المنيع تحمي أهلها ومن يلوذ بها، وتعيش كريمة لا تخضع لأي مُستعمِر مهما طال مكوثه فيها.

ويُعرف عن بلادنا عُمان أنها لا تضحي بأبنائها ولا تفرط في أي شبر من أرضها .

وعَبر التاريخ عاشت العاصمة مسقط بامتدادها الجغرافي أحداثًا مهمة للغاية، وتفاصيل كثيرة يصعب حصرها في مساحة كهذه، لكن لا تصعب على الشغوف معرفتها، وفي هذه العجالة لا بد من الإشارة إلى أن احتلال البرتغاليين لمسقط استمر 144عامًا من 1506 إلى 1650م .

ووفقا للرواية التاريخية” فإن مساعدات معلوماتية مهمة كان يتلقاها الإمام سلطان بن سيف اليعربي من داخل مدينة مسقط وعلى نحو منتظم، حسب ما ورد في كتاب “الفتح المبين” لابن رزيق، فقد كان واحدٌ من الجالية الهندية، يعمل تاجرًا يُساعد بالأخبار التي يبلغ بها الجيش العماني المتمركز في منطقة طوي الرولة بروي .

وكان لها أكبر الأثر في قرار الهجوم على المدينة في التوقيت المناسب بعد أن توافرت معلومات تقضي بأن الحامية لاهية في احتفالات أعياد الميلاد عن متابعة حراسة الأسوار والممرات، فأمر الإمام جيشه بالهجوم على مدينة مسقط، وتمكن من اقتحام الأبواب والدخول إلى المدينة، وفرض حصارا شديدا على البرتغاليين فترة من الزمن إلى حين نفاذ مؤنهم، الأمر الذي أدى في النهاية إلى هزيمتهم، وعقب تحرير مسقط ومطرح جرى تطهير البلاد من بقايا الوجود البرتغالي على امتداد الساحل العماني، ليس ذلك فحسب بل أخذ الأسطول البحري العماني يتتبع فلولهم إلى خارج الحدود العُمانية.
ومنذ القدم تفرَّدت مسقط بطريقة اللبس ولغتها العربية الأصيلة بالإضافة إلى اللهجة العامية أو المحكية، لتنوع أعراق من سكنها، ويظهر هذا التنوع جليا في عادات شهر رمضان والأعياد وطبائع الناس وألعاب الأطفال، واختلاف بنية مسقط وتوسعها والنمط المعماري لها.

وأهم ما يميز مسقط عبر الأزمنة المختلفة طبيعة علاقة الناس، والتعايش بين مكونات سكانها رغم تنوع مشاربهم، واختلاف أعراقهم، وتباين دياناتهم ومذاهبهم، والتي لم تشكل عائقًا لسكان مسقط بل صنعت منهم مزيجا بشريا مختلفا ومؤتلفا في آن واحد.

وتزخر مسقط بالجبال المختلفة الأشكال والألوان والتنوع المذهل للتكوينات الطبيعية، وبأوديتها ومنحوتاتها وسهولها، بالإضافة إلى كثبانها الرملية التي نتجت بفعل تأثير الرياح والعواصف المطرية التي تكونت في الأزمنة القديمة.

واذا قُدِّر لك الوقوف مساءً على عقبة ريام، ومن ذلك المنظر المطل الساحر ستشعر أنك معلق بين الأرض والنجوم، في مشهدية تملؤكَ فتنة وروعة، وتغويك بالرؤى الشاهقة.


هنا وفي المكان نفسه وقف عبدالله الطائي بعد عودته إلى بلاده من المهجر، وقال أبياته الرائعة التي تفيض عذوبة وشاعرية:
‘يا بلادي ما اغتربنا ما نأيْنا
طالما أنّا رجعنا فالتقَينا
قد نسِينا أمسِ مذ لحتِ لنا
ومن البهجة بالعَوْد بكينا
أمس في ظلمائه اندسَّ فلا
ظلَماً خضْنا ولا ذلاً رأينا….”

إن الزائر لمسقط لابد وأن يقع من النظرة الأولى في عشقها بعد أن تسحره هندسة وجمال مبانيها ورحابتها، ونظافة شوارعها، ورقي أهلها، لتسيطر عليه الدهشة طوال فترة وجوده بين أفيائِها، فهي حقا من المدن النادرة التي تضفي على من يألفها الهدوء والسكينة.

وتُعدُّ مسقط واحدة من مدن التاريخ القديم، حيث تم بناؤها مع تدفق الهجرات العربية التي سبقت وأعقبت انهيار سد مأرب، وبذلك يعود تاريخها إلى ما قبل ظهور الإسلام بعدة قرون.

وفي وصف سُكّان مسقط قال الرحالة البريطاني جون أوفينجتون الذي زارها عام 1693: “هؤلاء العرب مهذبون جدا في تصرفاتهم، وفي غاية اللطف مع كل الغرباء، فلا أذى ولا إهانة يمكن أن تصدر منهم لأي أحد، ومع أنهم معجبون بدينهم ومتمسكون بمبادئهم فإنهم لا يفرضونها على أحد”.

 

إن الإنسان العماني هو من أضاف كل هذا الجمال وهذا البهاء لعاصمة بلاده لتكون عنوانه الخالد، ويتباهى بها كونها إحدى أجمل عواصم الدنيا.

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى