د.رجب العويسي يكتب: دوام طلبة المدارس، أيهما نحتاج: صناعة الإشاعة أم إنتاج حلول مقنعة؟

د. رجب بن علي العويسي – خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية في مجلس الدولة

فترة عصيبة لا تحتمل التأخير لكنها تفرض الانتظار، فهو فضيلة ذات قيمة عندما يمتثل الأمر في النفس، وتزداد عقدته في الفكر، وتتعقد خيوطه في واقع حياة المجتمع، وما بين ضغوطات تفوق التوقعات، وهواجس متتالية يعيشها التعليم ومؤسساته كما يعيشها المواطن وكل القاطنين على هذه الأرض المباركة في انتظار دوام الطلبة، وبدء العد التنازلي المؤذن باقتراب دوام الطلبة للعام الدراسي 2020/ 2021 الذي حددته اللجنة العليا المكلفة ببحث آلية التعامل مع التطورات الناتجة عن انتشار فيروس كورونا (كوفيد 19) في قرارها بتاريخ 13 أغسطس 2020 والذي حدد موعد بدء العام الدراسي 2020/ 2021 لكافة الطلبة والطالبات ليكون يوم الاحد، الأول من نوفمبر 2020، تتجه الأنظار إلى ترقب ما تسفر عنه الأيام المتبقية من قرار منع التنقل والحركة الليلية ، من تحولات إيجابية في مؤشرات الحالة الوبائية لصالح انخفاض فعلي في أعداد الإصابات والوفيات الناتجة من فيروس كورونا ( كوفيد19) ، محطة منتظرة وفرصة مبتغاه يستعيد فيها المواطن أنفاسه، ويلملم فيها أوراقه، ويحكّم فيها عقله، ويضبط فيها نفسه، وينصح فيها بني وطنه، ويهدئ فيها من روعه، ويقلل من شكواه وحزنه وقلقه وخوفه من المستقبل المجهول الذي يحيط بأبنائه وفلذات أكباده في هذا العام الدراسي ودوامهم في المدارس على وجه الخصوص، واقع لا نحسد التعليم عليه بما يفرضه من ضغوطات على التعليم أن يمتلك القوة في رسم معالمه وإنتاج واقعه التعليمي، وفي الوقت نفسه قد لا يلام المواطن أيضا على استمرار هاجس الخوف والقلق الذي ما زال يصاحبه وهو يرتفع مع كل يوم يقترب فيه موعد دوام أبنائه، ورغبته في سرعة الحصول على ردود فورية وعاجلة ومقنعه في ظل استمرار الارتفاع في الحالة الوبائية للمرض سواء في أعداد الإصابات أو الوفيات، ناهيك عن ما يثار في سمع ولي الأمر من التوجه إلى العدالة في حالة تعرض أبنائهم للإصابة بالفيروس.

ودون الدخول في تفاصيل ما يطرحه المجتمع وأولياء الأمور وغيرهم من وجهات نظر متناغمة أحيانا مع التوجه الرسمي العام ومتغايرة في أحايين كثيرة، وبين من يأخذ بفكرة التعليم الالكتروني بشكلها المباشر ومن يرفضها كليا، وبين من يجد في التعليم المدمج فرصة تعلم أفضل وبين من يرفضها إطلاقا ، والتناقضات في الردود والطرح التي باتت تسيطر على قناعات البعض، فمن جهة هو يرغب أن تفتح المدارس أبوابها ويتلقى الأبناء تعليمه، وفي الوقت نفسه يرفض فكرة التعليم عن بعد ويجد بأنها غير مقنعة له ولا تحقق هدف التعلم، وهكذا يستمر الأمر في تعقده واتساع فجوته، وعدم وضوح قناعات الناس فيه وثقتهم بشأنه، ومع ما طرحته وزارة التربية والتعليم في فترات متعاقبة من بعض الارشادات والتوجهات والمعايير والاطر والاستراتيجيات والبدائل حول آليات التعليم واستراتيجيات التعلم المدمج ورغم الجهود التي تبذل على مختلف الأصعدة في هذا الشأن والتي بدأت مع بدء دوام الهيئات التدريسية والوظائف المرتبطة بها في السابع والعشرين من سبتمبر الماضي ، وتوظيف وجود المعلمين بالمدارس في تعزيز جاهزيتها لاستقبال الطلبة، وتوفير الإجراءات الاحترازية والتدابير الوقائية اللازمة التي تستهدف إيجاد بيئة مدرسية أمنه، أو ما يتعلق بالمرونة والديناميكية في استراتيجيات التعلم المتبعة والاتجاه نحو تمديد فترة تنفيذ الدروس عبر المنصات التواصلية للتقليل من تكاليف شراء ولي الأمر لأكثر من حاسوب؛ إلا أن المجتمع ما زال يعيش في حلقة مفرغة تضيف إليها الهواجس والضغوط والوساوس شحنات سلبية أخرى تقرأ في دوام الطلبة مساحة أخرى غير المتعاد ومنظر آخر غير المأمول.

ومع ما أشرنا إليه فإن التعامل مع هذه المعطيات لا يبرر اتجاه البعض إلى الاندفاع الممقوت والأحكام المتسرعة ونشر الإشاعة وتهويل الوضع وخلق صورة نمطيه للواقع وتشويه صورته في فكر الطلبة وأولياء الامور ، وغلبة المشاعر الجياشة والعواطف السلبية وثقافة الخوف، والافتقار إلى صوت العقل والحكمة في دعوات استباقية غير محمودة أقرب إلى الشهرة وزيادة رصيد المتابعين، وطرح أحسبه من وجهة نظري الشخصية غير موفق من بعض الكتّاب والمغردين والمشاهير في منصات التواصل الاجتماعي والحوارات والنقاشات التي تدور في مجموعات الواتس أب، والنظرة التشاؤمية التي تقتل التفكير، وتولّد الوصاية، وتثير الخلاف وسطحية التفكير، وتمجد الأنانية والفردانية والمصلحة الشخصية، وتنسف الجهود والثقة التي ترفع سقف توقعات المواطن فيما تتخذه الدولة من قرارات، مع ثقتنا بأن قراراتها ستكون في صالح الطلبة والطالبات آخذة في الاعتبار كل ما يطرح من أفكار أو يتداول من أخبار، فإن الوصول إلى معادلة الأمان والسلامة في العام الدراسي الجديد، تستدعي تكاتف الجهود وتقارب وجهات النظر وتعميق جسور التواصل الفكري والحوار البناء ؛ وهي بحاجة إلى فقه الانتظار، فهو لغة حالمة، وروح متجددة تبرز عين الحقيقة في صفاء، وتعبر عن فلسفة أعمق للبناء الرصين في نقاء، القائم على رصد الواقع وقراءة أحداثه، بما تتطلبه هذه الفترة من تعايش فكري، وتفاعل وطني يجسد روح المسؤولية وحرص الجميع على الاستماع للآخر أكثر من التفرد برأيه، والانطلاقة من المشتركات ونقاط الالتقاء لتفتح أسارير النفس بأمل قادم، وتعيد النظر في التباينات لتبدأ مرحلة مراجعة جديدة للتعرف على الأسباب والمسببات، والحجج والشواهد، والبدائل والحلول ، لتلتقي في ظل الفضاءات المفتوحة حاملة معها الحلول المقنعة لعودة آمنة إلى المدارس، لذلك نعتقد بأن ترك الأمر لأهلة وعدم التسرع في اصدار الأحكام، وإعطاء اللجنة العليا الفرص الكافية في تشخيص الحالة وتقييم الوضع، وتوفير الفرص الداعمة والأفكار البناءة والاطروحات الايجابية الواقعية؛ طريق الأمان ومسار السلامة للخروج من حالة التأزم وأزمة الثقة التي باتت تلقي بظلالها على دور المواطن فتنتزع منه قيمة الشكر وتقدير الجهود، لتتجه به إلى تداول الاشاعات وكثرة التأويلات، وترويج المعلبات الفكرية والمحتوى المبتذل بأشكال مختلفة وأساليب متنوعة، فقط علينا أن نثق بأن أبناءنا في ايدٍ أمينة، وجهود اللجنة العليا وقراراتها تلقى الرعاية والمتابعة الكريمة من لدن مولانا جلالة السلطان المعظم حفظه الله ورعاه، ويبقى علينا بعد الدعاء والالتزام أن نقرأ في فضيلة الانتظار حياة للوصول إلى قرار آمن يحفظ سلامة الطلبة ويحمي حقهم في التعليم .

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى