د.محمد المشيخي يكتب عن كيفية إدارة الأزمات الاقتصادية

د. محمد بن عوض المشيخي- أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري

تفصلنا أسابيع قليلة على انطلاق رؤية عمان 2040 التي ستبدأ في يناير 2021 بعون الله، هذه الاستراتيجية الوطنية الطموحة التي تتجه إليها الأنظار ويترقبها المجتمع العماني بفارغ الصبر؛ لإصلاح ما عجزت عنه الخطط الخمسية و(رؤية 2020) خاصة في مجالي تنويع مصادر الدخل وإيجاد فرص عمل للشباب.

فإذا كنا قد عشنا حلما لم يكتب له النجاح في رؤية 2020، وهي تلملم أوراقها الأخيرة وتودعنا بلا رجعة، فعلينا الوقوف أولا على التحديات التي واجهت المشرفين على تلك الخطة، وذلك لنتعلم من الدروس والعبر، فالمرحلة القادمة لا تحتمل الإخفاقات والفشل.

فقد تابعنا في الأسابيع الماضية، ولمدة شهر كامل، حملة إعلامية ودعائية ممنهجه عن الأزمة الاقتصادية في السلطنة، خاصة في مجال العجز التراكمي الذي وصل إلى أكثر من عشرين مليار ريال عماني، وكذلك الدين العام للدولة الذي قفز إلى 17 مليارا وثمانمائة مليون ريال، مشكلا بذلك 61% من إجمالي الناتج المحلي للسلطنة.

وعلى الرغم من ذلك لم تكن السلطنة الأسوأ بين دول مجلس التعاون الخليجي في العجز السنوي للميزانية، بل إن ترتيبها الثالث بين هذه الدول.

لا شك أن هذه الأرقام تشكل قلقا بالغا لصناع القرار والمواطنين على حد سواء في أي بلد. من هنا تأتي توجيهات جلالة السلطان هيثم بن طارق آل سعيد -حفظه الله- نحو استغلال الموارد الاقتصادية والمالية بالأسلوب الأمثل، وذلك من خلال وضع خطة واضحة المعالم لتحقيق التوازن المالي، تبدأ من أعلى سلم أولويات الحكومة بهدف إرساء قواعد الاستدامة المالية للسلطنة، وتحسين الدخل من الاستثمارات والأصول الحكومية التي حققت العام الفائت أكثر من 9% من رأس المال كعائد مالي. كما تهدف خطة التوازن المالي إلى تنويع مصادر الدخل من القطاعات غير النفطية، وكذلك خفض الدين العام للدولة.

لقد أضرت الأخبار السلبية التي تتسابق وسائل الإعلام العالمية والعربية إلى نشرها عن مكانة السلطنة المالية، وإن كانت تعبر عن واقع حقيقي ومر للاقتصاد الوطني، إذ أفردت قناة خليجية مشهورة على موقعها في الانترنت باللغة الإنجليزية تقريرا عن الأزمة الاقتصادية في السلطنة، مضخمة في ذلك الأرقام التي وردت في تقريرها؛ فالهدف من ذلك هو تحذير المستثمرين الأجانب من التوجه للبلد، وتصوير عمان وكأنها وقعت في هاوية لا خروج منها على الاطلاق.

أما وسائل الإعلام المحلية الحكومية منها والخاصة، لم تكن بعيدة عن هذا التهويل، وربما يكون الهدف من ذلك تبرير تطبيق الضرائب التي تنوي الحكومة فرضها في السنوات القادمة، خاصة القيمة المضافة التي أعلن عن تطبيقها في أبريل 2021.

يغيب عن هؤلاء جميعا حقيقة الأزمة الاقتصادية العالمية التي تعصف بالجميع، من الصين شرقا إلى أميركا غربا؛ بسبب جائحة كورونا، وتذبذب أسعار النفط، مما أدى إلى كساد عالمي شبيه بالأزمة الاقتصادية التي وقعت 1929م . فقد وصلت الديون العالمية إلى مستوى قياسي لأول مرة في التاريخ، إذ سجلت 331% من الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأول من هذا العام 2020، ليصل إلى أكثر من 258 تريليون دولار أميركي، بينما سجل الدين العام الأمريكي الذي يمثل الاقتصاد الأول في العالم 27 تريليون دولار أميركي. فقد أصبحت الولايات المتحدة تنفق أكثر مما تنتج إلى الحد الذي تجاوز فيه الدين الوطني مائة بالمئة من النتاج المحلي الإجمالي، إذ بلغ العجز السنوي للميزانية أكثر من 3700 مليار دولار أميركي.

إن ضريبة القيمة المضافة التي أقرتها دول مجلس التعاون الخليجي في 2016، وشجع على تنفيذها صندوق النقد الدولي، لا يمكن لها بأي حال من الأحوال حل مشكلة الإيرادات أو عجز الموازنات في دول الخليج. صحيح هناك 166 دولة في العالم تطبق ضريبة القيمة المضافة، ولكن سلبيات هذه الضريبة أكثر من إيجابياتها، خاصة في ظل جائحة كورونا وانخفاض أسعار النفط، فقد قامت بعض الدول بتخفيض القيمة المضافة هذه السنة، خاصة بريطانيا؛ بهدف تحفيز الاقتصاد المحلي الراكد. ويمكن تلخيص أهم السلبيات على النحو الآتي:
1. تأثيرها على سوق العمل، إذ إن في العادة تقوم الشركات والمؤسسات التجارية بالعمل على تخفيض المصروفات؛ وذلك للحد من تأثير ضريبة القيمة المضافة على الأرباح السنوية؛ والوسيلة الأسهل للقطاع الخاص لذلك هي تسريح الموظفين أو تقليل اجورهم.
2. تأثير الضريبة على الاستثمار، فيمكن أن ينتج عن تطبيقها هروب المستثمرين المحليين والأجانب في سبيل البحث عن عوائد مجزية في بلدان لا تطبق القيمة المضافة كالولايات المتحدة الأمريكية مثلا.
3. زيادة التكاليف على الصناعات الوطنية في مختلف مراحل الإنتاج، من المصنع إلى وصولها للمستهلك، يترتب على ذلك ضعف الإنتاج، وتراجع الاستهلاك المحلي؛ بسبب قلة السيولة.
4. تشجع التهرب الضريبي؛ جرت العادة أن يشتري بعض الزبائن البضائع بشكل عاجل دون توقيع الفواتير المتعلقة بتلك البضائع؛ بهدف التهرب من دفع 5% من قيمة الصفقات، كما أن بعض المؤسسات لا تكشف بعض المبيعات؛ لكي لا تدفع للحكومة مبالغ الضرائب غير المسجلة.

لقد نهضت أمم من حولنا في الشرق والغرب من ماليزيا إلى البرازيل واحتلت الصدارة في اقتصاديات العالم، وكان ذلك بظهور قيادات فذة صنعت المستحيل من أجل الخروج من عنق الزجاجة بهذه الأوطان، وسجلت لنفسها تاريخا يكتب بماء الذهب، من هؤلاء (مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا السابق، لويس دا سيلفا رئيس البرازيل الأسبق) وقد خرجت هذه الدول تباعا وبلا تردد من وصاية صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، اللذين كانا يتآمران على اقتصاديات الشعوب الفقيرة ويرهقها بالديون، إذ إن الأموال التي تقترضها الدول المحتاجة تذهب للنخب الحاكمة في تلك الدول وليس للقطاعات التنموية. ولعل ما كشفته الدكتورة (بينيلوبي جولدبيرج) بعد استقالتها من منصبها الرفيع في البنك الدولي بداية هذا العام 2020، خير دليل على فساد هذه المنظمات الدولية التي تحتضن الدول التي تعاني من مشاكل اقتصادية، وتقدم لها القروض والمشورة والتي تكون نهايتها الإفلاس الدائم.

إن ما تحتاج إليه السلطنة في هذه المرحلة الصعبة هو حسن اختيار قيادات اقتصادية مخلصة، تتمتع بخبرات ومهارات وتجارب وإمكانيات عالية، وتكون على اطلاع عن كثب على ما يدور في العالم من تجارب اقتصادية ناجحة، وقبل ذلك كله يجب على ذلك الفريق الذي يقود دفة الاقتصاد الوطني أن يكون من المشهود لهم بالأمانة والأيادي النظيفة. على أن يتم تقييم أداء هؤلاء بشكل دوري؛ فمن أحسن يستمر ويكافأ، ومن أخفق، فيحاسب ويستبدل بالأفضل. ولعل ما يخشاه البعض هو اتباع الطريق الأسهل لجمع المال، لزيادة الإيرادات الحكومية من جيوب المواطنين الذين أرهقتهم الأزمات، ولم يكونوا في يوم من الأيام شركاء مع الحكومة في صناعة القرارات الاقتصادية المصيرية المتعلقة بمستقبل الوطن، فإذا حصل ذلك؛ فإن طموحات المجتمع في تحقيق الرخاء الاقتصادي والعدالة الاجتماعية في توزيع الثروة، ستكون بعيدة المنال في السنوات القادمة.

في الختام، يجب تذكير الجميع بأن الوضع الحالي للمجتمع لا يحتمل جباية مزيد من الضرائب؛ وعلى المخططين الاقتصاديين في هذا البلد الذي حباه الله بخيرات كثيرة كالثروة السمكية والزراعية، والشواطئ الواسعة، والرمال الذهبية والطبيعة الخلابة، وكذلك المعادن، بأن يتركز عملهم على استغلال وتنمية هذه الثروات والكنوز.

‫2 تعليقات

  1. مقال رائع جدا..
    أتمنى أن يتمعن من له القرار في شأن الضرائب التي ستؤثر على الاقتصاد الوطني بشكل عام والاستفادة من تجارب الدول التي عانت من تطبيق تلك الضرائب وأثرها في الناتج المحلي مدركين أن استخدام أو اللجوء إليها هو ضعف اقتصادي وليس وسيلة لرفع الاقتصاد الوطني كما ورد بالمقال من سلبيات فهي حتمية تعاني منها أغلب الدول التي مارست هذه السياسة.

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى