د.رجب العويسي يكتب: عام دراسي جديد عنوانه الشراكة وضمير المسؤولية

د. رجب بن علي العويسي

بدأ العام الدراسي الجديد كاسرا حاجز الصمت وهاجس الترقب الذي طال انتظاره بعودة آمنة مطمئنة للطلبة إلى المدارس، وسط إجراءات احترازية وتدابير وقائية وإستراتيجيات تدريس مغايرة عما اعتاد عليه الطلبة في سنوات دراستهم السابقة، واقع فرض على التعليم  أن يتكيف معه ليحافظ على مكانته في نفوس المتعلمين وشوقهم إليه ورغبتهم فيه، ومرحلة تعكس انتصار التعليم وقدرته على الصمود في وجه العاصفة وقبوله للتحدي ما دام أتباعه يحملون الإرادة والعزيمة في انتصار ساحق لنظريات التعليم ومنتوج الفكر التربوي المعاصر الذي يتجسد اليوم في ظل جائحة كورونا (كوفيد19) والتفكير في تبني حلول مقنعة في تجاوز هذه المحنة، وما حملته من موجهات ومبادئ التعليم المستمر والتعلم الذاتي والتعليم مدى الحياة وتكافؤ الفرص التعليمية، للإبقاء على خيوط الترابط بين التعليم والمتعلم حاضرة مهما كانت الظروف لا تقطعها  الظواهر، ولا تغيرها الحوادث، ولا تثنيها العوارض، ولا تمنعها المؤثرات الطبيعية والأنواء المناخية والأمراض والأوبئة  عن تحقيق أهدافها والوصول إلى غاياتها.

ومع الهاجس الذي شغل فكر أولياء الأمور والطلبة أنفسهم في الأشهر السابقة منذ بداية هذه الجائحة، واستمرار الضغط الاجتماعي على مؤسسات التعليم المدرسي  بشكل خاص في إيضاح صورة التعليم القادم، وقرار اللجنة العليا المكلفة ببدء التعليم في الأول من نوفمبر، والمخاطر المتعلقة باستمرار ارتفاع حالات الإصابة بفيروس كورونا والوفيات الناتجة عنه في مجتمع السلطنة، وما يرتبط بها من تساؤلات حول قدرة المدارس وجاهزيتها على استيعاب الطلبة  في ظل هذه الظروف وإمكانية تطبيق كامل لكل الإجراءات والتدابير الاحترازية والوقائية للحد من انتشار الفيروس بين الطلبة أو تعريضهم لخطر الإصابة به، وما خلص إليه توجه وزارة التربية والتعليم في ظل مؤشرات الحالة الوبائية إلى تطبيق مسار التعليم عن بعد للطلبة من الصفوف الأول وحتى الحادي عشر، والتعليم المدمج لطلبة الصف الثاني عشر مع منح المديريات التعليمية بالمحافظات صلاحيات تحديد هذه المدارس ومرونة أكبر في اتخاذ قرارات داخلية تصب في صالح  تعلم أبناءنا الطلبة والطالبات وتحقيق أعلى درجات الامان والسلامة لهم؛ إلا أن متطلبات العام الدراسي وتحقيق إستراتيجيات التعليم عن بعد أو التعليم المدمج باتت تطرح نقاشات كثيرة وهواجس أخرى واقعية ترتبط بالبعد الاقتصادي والاجتماعي للمواطن نفسه؛ فالحديث عن  التعليم عن بعد  يواجه مخاطر أخرى مرتبطة بمستوى توفر شبكة الانترنت في محافظات عمان وولاياتها وقراها، وقدرتها على تحقيق متطلبات التعلم عن بعد،  وهو أمر من الصعوبة التكهن بجاهزيته في ظل مؤشرات الواقع وبطء الجهود المبذولة أو تأخرها من قبل الجهات ذات الاختصاص أو شركات الاتصالات بشكل أدق مما أفقدها ثقة المواطن فيها ، بالإضافة  إلى مستوى توفر فقه الثقافة الالكترونية وأهمية استخدام التقنية في التعليم لدى الممارسين التعليميين والطلبة وأولياء الأمور والمجتمع بشكل عام.

لم يدم الاستقرار النفسي بحسم الجدل حول دوام الطلبة بالمدارس طويلا، لتظهر على السطح هواجس أخرى فتطبيق مسار التعليم عن بعد يتطلب احتياج واسع لأجهزة الحاسب الآلي والتطبيقات المصاحبة لتنفيذ إستراتيجيات التعليم والعمل وفق البرامج  المعدة لذلك من قبل وزارة التربية والتعليم، ناهيك عن المتابعة الأبوية للأبناء في طريقة تعلمهم وكيفية التعامل مع هذه المنصات التعليمية التفاعلية الإلكترونية وكيفية توظيفها، ومن يقف مع الأبناء في حالة خروج الوالدين للعمل، والتي  قد لا تتوفر لدى الاسرة إما لارتباط الأبوين بوظائفهما وخروجهما للعمل، وما يتطلبه وجود أكثر من طالب في الأسرة الواحدة من حاجتها لأكثر من  جهاز حاسب آلي بما يعني مستوى قدرة الأسر جميعها على تحمل تكاليف شراء الأجهزة والمستلزمات الحاسوبية لأبنائها في ظل ما أشرنا إليه من حاجة الأسرة الواحدة إلى أكثر من حاسب آلي وما اتجهت إليه شركات بيع أجهزة الحاسب الآلي من رفع قيمتها في السوق المحلي نظرا لتزايد الطلب عليها من قبل الطلبة بما يضع ولي الأمر أمام التزامات مالية أكثر،
لذلك يطرح العام الدراسي واقعا جديدا في مفهوم الشراكة وضمير المسؤولية وتأكيد التعاون والتكامل والتناغم وتكاتف الجهود وقراءة معطيات الواقع وأبعاده والدخول في تفاصيله وتقييم مستمر لمستجداته لضمان مساندة عادلة  لولي الأمر والأسرة والأبناء، واستشعار الجميع لحجم الوضع والوقوف جنبا إلى جنب مع كل التوجهات الرسمية في هذا الشأن لضمان الوصول إلى رؤية عمل واضحة ومسار يصنع لبدايات هذا العام الدراسية مساحات أمان تعيد صياغة كل الأفكار المطروحة إلى وضعها الطبيعي وتوجه كل الاحتياطات المتخذة إلى تحقيق انطلاقة نوعية لتعليم المستقبل.

من هنا تقع على شركات الاتصال الوطنية جميعها بلا استثناء، مسؤولية كبيرة في رسم ملامح التعليم عن بعد في عمان ، ولن تنجح جهود التعليم في تحقيقه إلا إذ أخلصت شركات الاتصالات الوطنية المهمة وإعادة إنتاج الدور وعززت من مصداقيتها في العمل، وقدمت للوطن والمواطن مبادرات مقنعة وحلول عملية ملموسة، وأعطت مساحة أوسع للشراكة مع المدارس بما تقدمه لها من خدمة اتصال وشبكات إنترنت محققة للغرض مؤدية للمهمة، ناهيك عن الحوافز والدعم والامتيازات والبرامج والتسهيلات والعروض التي تقدمها للمواطن  في تعليم أبنائه وعبر إيصال خدمة الانترنت لبيته بجودة عالية ، أو عبر تخفيض  قيمة  الاشتراكات الشهرية والسنوية بما يتيح فرص نجاح أكبر لهذه الجهود الوطنية نحو تحقيق مسار التعليم عن بعد في المدارس، كما يتجه أيضا إلى شركات التوريد لأجهزة الحاسب الالي  بالسلطنة ومراكز البيع لها والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة العاملة في مجال بيع الحاسب الآلي ومستلزماته، في استشعارها لمسؤولياتها الأخلاقية والاجتماعية في توفير التسهيلات اللازمة للطلبة والمدارس في الحصول على هذه الأجهزة بأسعار تنافسية تتناسب مع ظروف المواطن ووضعه الاقتصادي بما يعزز فيهم رغبة التعامل مع التقنية وفقه الثقافة الحاسوبية واقتنائها والعمل على توظيفها لصالح تعلم مستمر وتحقيق منتج تعليمي  قادر على أن يترك بصمات نجاح له في المستقبل، ويبقى تحقيق التزام مسؤول في التعامل مع مستجدات هذا الوضع، وحضور  الضمير ومصداقية العمل وحس المسؤولية الوطنية ومراقبة الله في أبناء هذا الوطن وبناته واستشعار  الأخوة الوطنية ومبادئ التكافل الاجتماعي في رعاية المعوزين والمعسرين وذوي الدخل المحدود في الإبقاء على الأسعار في متناول اليد سوف يقدم أنموذجا عمليا في تجسيد الشراكة من أجل نجاح التعليم عن بعد، وبناء تكافل مجتمعي يشد فيها الجميع بيد بعضهم بعضا للإبقاء على خيط رابطة التعليم مستمرا لا ينقطع، محققا لعمان انتصار الإرادة في مواجهة كورونا، إنها مرحلة تنتظر الاخلاص في العمل والتضحية في سبيل الواجب وصحوة الضمير وحس المسؤولية نحو أبناء عمان.

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى