بالصور: مقتنيات كثيرة في خزانة أسرة الشيخ عبد الله بن راشد الطوقي

 مسقط-أثير

تصفح مقتنياتها: د. محمد بن حمد العريمي

حرصت العديد من البيوتات والأسر العُمانية الكريمة في جناحي القطر العماني (عمان وشرقي أفريقيا) على الاهتمام بالعلم والأدب وسائر الفنون الفكرية المختلفة؛ وأولتها عنايةً فائقة تمثلت مظاهرها في جلب المعلمين لتنشئة أبنائهم منذ الصغر في مجالات العلوم الأساسية مثل الدين واللغة والحساب، ونسخ الكتب المختلفة وشرائها، ودعم طباعة الكتب، ووقف الأموال على رعاية طلبة العلم وشراء الكتب وتجليدها، وتأسيس المكتبات الخاصة، وغيرها من الأعمال والجهود التي تدل على مدى الاهتمام الكبير بالعلم وما يتعلق به فنون.

ومن الأسر العمانية التي حرصت على اقتناء الكتب ومصادر المعرفة وقتها أسرة الشيخ عبد الله بن راشد بن خلفان الطوقي التي تعود أصولها إلى قرية “السباخ” الواقعة في السفالة من ولاية إبراء، وبرز منها عدد من الشخصيات أبرزهم الشيخ عبدالله بن راشد الطوقي، وابنه الشيخ حميد بن عبد الله بن راشد اللذان برزا في المجالين الاقتصادي والاجتماعي.

 وكان الشيخ عبدالله من المراجع الدينية المهمة في قريته السباخ، وحرص على توفير البيئة العلمية المناسبة لتنشئة ابنه حميد سواء من خلال التعليم المنزلي، أو من خلال إلحاقه بعد ذلك بمدرسة الشيخ عبدالله بن غابش النوفلي، والشيخ ناصر بن سعيد النعماني.

 ثم عملا بالتجارة في مناطق عديدة من شرق أفريقيا مثل أوغندا، ورواندا التي استقر الشيخ حميد بن عبد الله بعاصمتها كيجالي، وعمل في تجارة المواد الغذائية والأقمشة، وكان منزله مفتوحًا للعديد من العمانيين الذين كانوا يزورون المنطقة، ومكانًا يتجمعون به في الأعياد والمناسبات، كما امتلكا العديد من الأموال والضواحي في عمان.

الشيخ حميد بن عبد الله الطوقي

وقد خلف الشيخان إرثًا فكريًا كبيرًا يتمثل في الكثير من المراسلات الشاهدة على تلك الحقبة من الزمن سواء في فنون العلم والمسائل بينهم وبين العديد من الشخصيات العلمية في عمان مثل الإمام محمد بن عبدالله الخليلي، والشيخ عيسى بن صالح الحارثي، والشيخ ناصر بن سعيد النعماني، والشيخ خالد بن مهنا البطاشي، وغيرهم من علماء عصرهم، أو المراسلات التجارية المختلفة، والبيوعات، والوصايا، والتركات، والتدوينات الأدبية، ويحتفظ الشيخ محمد بن حميد بن عبد الله الطوقي بأرشيف مهم يضم العديد من تلك المراسلات والكتب والمطبوعات المختلفة، وقد تكرم ابنه الباحث سليمان بن محمد الطوقي مشكورًا بإطلاعي على جزء مهم من ذلك الأرشيف.

محتويات الخزانة

تضم الخزانة التي اطلعت عليها “أثير” العديد من الكتب والمواد الفكرية ذات الطبعات المختلفة والمتباينة في تواريخ طبعها، وموضوعاتها، وأنواعها،  فهناك كتب تعود فترة اقتنائها إلى نهاية القرن التاسع عشر، وتحديدًا بعد إنشاء المطبعة السلطانية في زنجبار زمن السلطان برغش بن سعيد، وهناك كتب تعود إلى النصف الأول من القرن العشرين وكثير منها خرجت من المطابع المصرية التي كانت مزدهرة في تلك الفترة، وكتب أخرى تُعدّ حديثة نسبيًا وبالأخص تلك التي تعود إلى مطبوعات وزارة التراث القومي والثقافة ( وقتها)، وغيرها من الإصدارات المتنوعة.

كما يلاحظ أن الخزانة ارتبطت بالأجيال الثلاثة الأخيرة من الأسرة، فقد بدأ في جمع مقتنياتها الشيخ عبد الله بن راشد بن خلفان الطوقي وخاصةً في فترات وجوده بشرق أفريقيا، تلاه ابنه الشيخ حميد بن عبد الله الذي كان كوالده مهتمًا بجمع الكتب واقتنائها، وأضاف لها أبناؤه من بعده العديد من الإصدارات المختلفة.

كما يلاحظ كذلك غلبة الكتب المهتمة بالجوانب الدينية والفقهية تليها الكتب الأدبية، وذلك بحكم اهتمام المجتمع في تلك الفترة، ولا تخلو من كتب وإصدارات أخرى في مجالات مختلفة.

كتب المطبعة السلطانية

حرص الشيخ عبد الله بن راشد الطوقي خلال وجوده في شرق أفريقيا نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين على اقتناء العديد من أمهات الكتب التي طبعتها المطبعة السلطانية، ومن بين تلك الكتب: أجزاء مختلفة من كتاب ” قاموس الشريعة” للشيخ جميل بن خميس السعدي، ويلاحظ اختلاف سنوات الطبع، فهناك نسخة من الجزء الأول تعود لعام 1297 هـ، ونسخ أخرى تعود إلى عام 1301 هـ وما تلاها.

كما اقتنى الشيخ عبد الله بعض مطبوعات المكتبة من كتب الشيخ محمد بن يوسف أطفيش، مثل تفسير “هيمان الزاد إلى دار المعاد”، ونسخة من كتاب ” النيل وشفاء العليل” الذي اقتنى الشيخ بعد ذلك نسخة أخرى منه، وتحديدًا الجزء العاشر تعود إلى المطبعة السلفية بمصر عام 1343.

إصدارات متنوعة

حرصت الأسرة ممثلة في الشيخين عبد الله بن راشد وابنه حميد بن عبد الله على اقتناء كتب ومطبوعات أخرى عديدة من إصدار عدد من مطابع ودور النشر في مصر وبلاد الشام والهند، ومن بين تلك الإصدارات كتاب ” شرح طلعة الشمس على الألفية” للإمام نور الدين السالمي، من إصدار مطبعة الموسوعات بدار الخلق بمصر يعود إلى العقد الثاني من القرن العشرين، وكتاب” السيرة الجامعة من المعجزات اللامعة” للشيخ محمد بن يوسف أطفيش، من مطبوعات المكتبة السلفية بمصر عام 1344.

ومن الكتب التي حوتها الخزانة كذلك كتاب ” جامع ابن عقيل” من إصدارات مطبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر عام 1344 هـ، وكتاب ” جوهر الكلام في الرد على فصل الكلام” لمؤلفه جلال الدين شمس أحمدي، وهو من إصدارات المكتبة الهندية عام 1350 هـ.

ومن الكتب كذلك الجزء الأول من كتاب ” شامل الأصل والفروع” للشيخ محمد بن يوسف أطفيش، وهو من إصدار المطبعة السلفية بالقاهرة عام 1384 هـ، وكتاب ” تحفة الأحباب وطرفة الأصحاب” من تأليف العالم الحضرمي محمد محمد بن عمر بحرق، وهو من طباعة دار إحياء الكتب العربية بالحسين، والجزء الثالث من شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب، لمؤلفه الإمام نور الدين السالمي، وهو من إصدارات المطبعة العمومية بدمشق عام 1963 هـ.

ومن الملاحظ أن عددًا من هذه الكتب اعتنى بطبعها أو تحقيقها بعض الشخصيات العمانية المحبّة للفكر والثقافة، فقد طبع كتاب شرح الجامع الصحيح كل من سليمان وأحمد ابنا محمد السالمي، كما تكفل الشيخ سالم بن سلطان بن قاسم الريامي بطباعة كتاب السيرة الجامعة من المعجزات اللامعة، كما اعتنى الشيخ سالم بن محمد بن سالم الرواحي بطباعة عدد من الكتب من بينها: كتاب النيل وشفاء العليل، وشرح طلعة الشمس على الألفية

تدوينات أدبية

ولأن هناك ارتباطا كبيرًا بين العُمانيين وفنون الأدب والشعر، فلم تخلُ الخزانة من كتب الأدب ودواوين الشعر المختلفة، سواءً كانت كتبًا مطبوعة، أم كتبًا مكتوبة بخط اليد تحوي تدوينات وتجميعات متنوعة من فنون الأدب العربي، في دلالة على مدى حب العمانيين لهذا الباب الفكري المهم، لذا تحوي المكتبة العمانية كثيرًا من تلك الكتب المكتوبة بخط اليد لعدد من المهتمين والعاشقين للأدب حتى لو لم يكونوا من الأدباء وقارضي الشعر.

ومن بين الكتب التي تحويها الخزانة كتاب بخط يد الشيخ محمد بن حميد بن عبد الله الطوقي بدأ في كتابته عام 1384هـ، وانتهى منه في الثاني عشر من ربيع الأول عام 1387هـ، ويحتوي على العديد من القصائد والنفائس الأدبية.

 

كتب سياسية

كما احتوت الخزانة على مجموعة من الكتب السياسية التي تدل على مدى اهتمام أصحابها بالقضايا السياسية العربية والعالمية، ومتابعتهم لها، ولعل من أبرز الشخصيات السياسية التي كانت حديث المجتمعات العربية والإسلامية في حقبتي الخمسينات والستينات من القرن العشرين، الزعيم جمال عبد الناصر لأفكاره القومية المثيرة وقتها، لذا احتوت الخزانة على كتاب بعنوان “عبد الناصر والعالم” للكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل، ومن الملاحظ أن الشيخ حميد بن عبد الله قام بتصميم غلاف للكتاب بعد تمزق الغلاف الأصلي.

مجلات

كما احتوت الخزانة على مجموعة من المجلات والدوريات القديمة والحديثة، والملاحظ هنا تنوع عناوين وموضوعات هذه الدوريات، وتباين أماكن إصدارها، فهناك دوريات تتناول الجانب الديني، وأخرى أدبية، ومن بين أقدم الدوريات التي احتوتها الخزانة، الجزء الثالث من المجلد 117 من مجلة “المقتطف” الصادرة بتاريخ أول أغسطس 1950.

 

تدوينات وتقييدات

كما احتوى عدد من الكتب الموجودة في الخزانة على تدوينات وتقييدات علمية لبعض الموضوعات الواردة في تلك الكتب مما يعطي دلالة على مدى اهتمام أبناء ذلك الجيل بالاستفادة مما يرد في تلك الكتب، وهي ملاحظة موجودة في عديد من الخزانات الخاصة.

كما توجد تقييدات شخصية تحمل أخبارًا ومعلومات شخصية أو عامة كتدوين بعض الأحداث التي جرت لصاحب ذلك الكتاب كسفر، أو ولادة أحد الأبناء، أو وفاة قريب، أو غيرها، أو تدوين بعض الأحداث السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية في المحيط الذي يعيش فيه، ومثل هذه التقييدات كانت سمة موجودة كذلك في تلك الفترة، وقد عرفنا العديد من الأحداث والتواريخ من خلال مثل تلك التدوينات.

وقد احتوت بعض كتب خزانة آل الطوقي على بعض التقييدات الشخصية من مثل تقييد تاريخ سفر عدد من أفراد الأسرة إلى شرق أفريقيا بتاريخ 26 رجب 1384 هـ، وأسماء الأشخاص المسافرين، وتقييد آخر بتاريخ 25 رجب 1384هـ يتناول تاريخ السفر إلى كيجالي، وتقييد آخر على ذات الغلاف يتناول تاريخ رجوع الشيخ حميد بن عبد الله إلى بلده إبراء في 15 مايو 1973، ويبدو من هذا التاريخ أنه تاريخ العودة النهائية للشيخ من شرق أفريقيا.

عرب مسقط

كان الشيخ عبد الله بن راشد الطوقي يمتلك  ختمًا خاصًا للتوقيع على معاملاته وبيوعه ومراسلاته سواء فيما يتعلق بعمان أو المتعلق بزنجبار والشرق الإفريقي بمسمى ” عبدالله بن راشد الطوقي – عرب مسقط ” باللغة العربية والإنجليزية، وهذا دليل على مدى ارتباط الشيخ، وكثير من العمانيين بموطنهم الأصلي مهما طالت مدّة الغياب، ومهما بعدت المسافات.

المطبعة السلطانية

هي مطبعة أنشأها السلطان برغش بن سعيد في زنجبار في عام 1882 تقريبًا، وتعد من أقدم المطابع في شرق أفريقيا، واستمرت في طباعة الكتب حتى أحداث يناير 1964 وانتهاء الحكم العماني العربي في زنجبار.

وتشير الدراسات التي تناولت أسباب وتاريخ نشأة المطبعة إلى أن السلطان برغش تأثر في بعض جولاته الخارجية بما رآه من حركة الطباعة وتداول الكتب في الشام ومصر وغيرها، فعزم على إدخال المطابع إلى زنجبار، فابتاع في عام 1882 مطبعة مجهّزة بكل اللوازم من مطبعة الآباء اليسوعيين في بيروت، واستقدم لها عمالًا لبنانيين لإدارتها وتشغيلها، وتدريب الموظفين على استخدامها، وأشرف بنفسه على مباشرة الطبع.

كما كلّف السلطان برغش بعض العلماء العمانيين المعتنين بالتراث بالإشراف على طباعة الكتب، ومراجعة الكتب وتصحيحها، ومنهم الشيخ يحيى بن خلفان الخروصي، وسيف بن ناصر الخروصي، وأبو مسلم البهلاني.

وقد قامت المطبعة بطباعة العديد من أمهات الكتب والصحف وغيرها، ولعل من بين أولها وأبرزها، كتاب “النيل” للعالم المغربي محمد بن أطفيش، و” قاموس الشريعة” للشيخ جميل بن خميس السعدي.

ويعد إنشاء المطبعة السلطانية في زنجبار من الأمور التي ساعدت على تطور ونهوض الحركة العلمية والثقافية ليس في زنجبار وحدها، بل تعداها إلى شرق أفريقيا كلها وإلى عمان البلد الأم .

المراجع

  • الغيثي، عبد الله بن حمد. مقال بعنوان “أول محطة وقود في ولاية إبراء 1969 م ورؤية الشيخ حميد بن عبدالله بن راشد الطوقي”، الجمعة 19ذو القعدة 1438هـ الموافق 11اغسطس 2017م.
  • الموسوعة العمانية. المجلد التاسع ، حرف الميم، وزارة التراث والثقافة، 2013.

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى