د.رجب العويسي: ماذا سنكتب عن قابوس بن سعيد في دفاتر أجيال عمان القادمة؟

د. رجب بن علي العويسي- خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية مجلس الدولة

الثامن عشر من نوفمبر، مولد باني نهضة عمان الحديثة، ومؤسس دولتها العصرية السلطان الراحل قابوس بن سعيد طيب الله ثراه،  ومنذ خمسة عقود مضت لم يكن هذا اليوم المجيد في حياة الأمة العمانية يوما عاديا ولن يكون كذلك، فقد شكل علامة فارقة في مولد الأمل وانبلاج الفجر وانطلاقة حياة الأمة العمانية، يوم اختصر مساحات الزمن ، لينتج  لعمان الخير والسلام والوئام ، ما تقر به أعين أبناء هذا الوطن الغالي، فقد قيظ الله بمولده من يرعى مصالحها ويحفظ مبادئها ويقدس أرضها ويبني دولتها ويعظم إنسانها وينهج بها إلى مسارات القوة والعدل والأمانة والمصداقية، وهو اليوم نفسه الذي ارتضاه أبناء عمان يوما وطنيا لنهضتهم  المتجددة ليشكل حلقة وصل ونقطة تحول تستمد من النور القابوسي الوضاء  قبس لمسيرتها المتواصلة لبناء عمان المستقبل في ظل القيادة الحكيمة لمجدد عهد النهضة هيثم العهد السعيد، وفاء لقابوس وإيمانا بما صنعه من أجل الوطن والإنسان ، لتستلهم منه الأجيال محطات العطاء بلا حدود والعمل بلا توقف والإنجاز المخلص لعمان، فإن الذي تحقق على الأرض العمانية أقوى وأعلي صوتا من أي أقوال، وإن الذي أُنجز أروع وأصدق من أي كلام.

وإذا كان من نحتفل بمولده  اليوم غير حاضر بجسده  بيننا؛ فإن مآثره الخالدة وطن لا تغيب شمسه خالد في ذاكرتنا،  حي في قلوبنا، نهر يتجدد في دماؤنا، روح تتغنى به آمالنا وأحلامنا  إنه الخالد فينا  الذي لن  تنسينا السنون ذكره، ولن تشغلنا الأيام عن وصفة ولا تثنينا الحياة عن  رسمه، ولن تكفينا الأوراق ومداد الأقلام عن حبه والاحتفاء به والكتابة عنه أو البوح فيه  أو الدعاء له، إنه المتجدد في أرواح العمانيين وأذواقهم، والنابض حياة في قلوبهم وأجسادهم،  وسيظل أبناء عمان  يذكرون صنيع قائدهم  الذي أفنى حياته من أجل عمان فكانت له الصحة والعافية والسلام والأمان والسهر والإنجاز والتضحية والفداء والمسار الذي صنع اسم عمان عاليا فأعاد لها القوة وصنع لها الهيبة وأعاد لها أمجادها الغابرة النهضة وحقق لها النصر وعمرها وسقاها من عصارة حياته ورحيق فكره وفيض عطائه ودرر حبه وسمو فعاله لتبقى ماجدة في العالمين  عالية في الشامخين نهضة أمة لن يأفل بريقها أو يبهت ضوؤها أو يخفت نورها، وستظل  ذكراه باقية في أرواح العمانيين وبوحهم ، لن تبهت الأيام  صفائها ولن يسكت الطفولة  أحد عن ترديد اسمه والتغني  بكلامه والحديث عن وصفه والحنين إليه ، ليكن نظرنا إلى ما تركه السلطان الراحل من  وصيته الخالدة في هيثم العهد السعيد نافذة أمل تبعث فينا روح التجديد بما يجسده من سيرته العطرة  في سره وسريرته وشخصيه ومواقفه وملامحه ووصفه وحكمته وقيادته.

لقد عشنا نحن أبناء النهضة هذا العطاء وتجلياته ولحظاته وأفراحه وفرصه ومواقفه وأدركنا ما حمله السلطان الراحل على عاتقه من مسؤوليات جسيمة ومهام عظيمة في  بناء الدولة ، عشنا لحظة العمل الوطني منذ الثالث والعشرين من يوليو خطوة خطوة وهو يرسم ملامح بنائها ويدير حركتها بحكمة بالغة وبصيرة نافذة مواصلا ليله بنهاره، ساهرا على أمن الوطن والمواطن، واقفا بنفسه على كل خطوات التنفيذ والإنجاز، وراسما خطة التحول ومسيرة العمل، حاملا  مسؤولية  تحقيق العيش الكريم لبلده وأبناء عمان متنقلا بين السيوح والصحاري والجبال  ليمتد عطاء النهضة في كل رقعة من أرض عمان ، متحملا في سبيل ذلك قسوة الزمان وصعوبة المكان وتعقد الظروف في وقت  لم تكن  فيه الدولة تمتلك من الموارد والإمكانات؛ جاعلا من الإيمان بالله والثقة بنصره، وانتصار إرادة العمانيين الذين عاشوا حياة البؤس والفقر وشظف العيش وافتقار البلاد لكل مقومات الحياة  طريقة لبناء الدولة ونهضة الأمة حتى أصبحت  عمان دولة عصرية بكل المقاييس يشهد بها القاصي قبل الداني، ليودع سلطاننا الراحل الحياة ونحن نعيش القوة والأمل والعطاء والإنجاز والإبهار  في مختلف المجالات في صورة معجزات وسعت كل شيء وأعطت كل شيء حقه ومستحقه، محافظة على  أصالة العمانيين وقيمهم وأخلاقهم، واقع عشناه وحياة كانت لنا خيرا لأولنا وآخرنا، وأملا ظل يسايرنا بإيجابيته وعطائه، فحقق الله لعمان من الخير العظيم والفضل الكبير ما تقر به أعين أبنائها.

أخيرا ماذا عسانا أن نكتب في دفاتر أجيال عمان المستقبل عن قابوس، وماذا يمكن أن يقرأون عنه، من أين نبدأ وكيف ننتهي،  فإن ما تركه من مآثر خالدة  لن تحويها الكتب والمجلدات، ولن تختصرها الأيام والسنوات، ولن  يستطيع أحد أن  يمر عليها مرور الكرام بدون الوقوف على تفاصيلها ، تلك التفاصيل التي انتجت لعمان  القوة ورسمت لها استحقاقات النجاح، وحققت الوعد، وأوفت بالعهد  وحفظت عمان الأمانة، فعزاؤنا  اليوم للأجيال القادمة التي لم ترَ قابوس بأعينها او تشاهد ابتسامته في صفائها ونقائها، أو تحيا برؤيته،  أو تستمع لحديثه، أو تنظر لشموخه وحكمته وعظمة عطائه وصفو إنجازه وسمو أخلاقه، تلك المدرسة القابوسية التي رسمت معالم الحياة لإنسان هذا الوطن،  نُهج عطاء خالدة ومسيرة إنجاز متجددة، فإن خير ما نكتبه في دفاتر الأجيال القادمة وما نسطره في صفحاتها هو ما رسمه لنا مجدد النهضة وحافظ الأمانة حضرة صاحب الجلالة  السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه-  بالسير على النهج الذي رسمه السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه-  لبناء عمان والحفاظ على الأمانة وصون الوطن ، والثبات على المبدأ ووحدة الصف ، ومصداقية السياسة التي انتهجها مع الجميع  في الداخل والخارج، ومع القريب والبعيد، والشقيق والصديق، لعالم يسوده السلام العادل، وترفرف على شطآنه رايات الأمن والأمان، والوئام والاستقرار،  وطن يعيش الوحدة والتعاون والتكامل والتعايش والتسامح ، فقد ترك لنا النهج، وبنى لنا أدوات العمل، وحدد لنا المسار، وعزز فينا الثقة والأمل والقوة والعزيمة والإرادة والعطاء والصبر والطموح ، التي هي أدوات أصيلة لبناء الوطن والاستمرار في مسيرة التطوير، لنحقق أمنيته في أن يرى عمان دوما في استقرار وسلام وتقدم ووئام، فلا يجب أن ينسينا الفقد مسؤوليتنا، ولن نترك الحزن يتغلب على سعادتنا وفخرنا بسلطاننا المجدد ووطنا العظيم،  لنصنع من حبنا لقابوس نهجا للاستمرار في بناء عمان المستقبل والولاء لسلطانها المفدى، لنبني في أنفسنا عزيمة الإرادة وفضيلة التفاؤل، ونغرس في حياة أبنائنا حب عمان، لنكن نماذج مضيئة تنقل هذا الإرث العظيم الخالد للأجيال المتعاقبة في صفائه ونقائه وشموخه وسموقه، بثبات على المبدأ، وإخلاص في المسؤولية، والتزام بالنهج،  لتجد الأجيال في صنيعنا، نهضة متجددة ومسيرة عطاء متواصلة،  وبصمة إنجاز سيكتبها التاريخ  بعظمة ما أنتجته المدرسية القابوسية من دروس متعلمة في إرادة العمانيين وأخلاقهم وسلوكهم وإخلاصهم وسيرتهم ومواقفهم المشهودة، خيوط ممتدة تربط الأجيال بهذا الإرث الخالد والنهج القابوسي الماجد.

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى