بالصور: تاريخ الطغرائية السلطانية من الإمام أحمد حتى جلالة السلطان هيثم.

مسقط-أثير 

إعداد: د. محمد بن حمد العريمي

يستوقف المطالِع العادي لبعض المراسلات السلطانية لحكام عمان وجود علامة مزخرفة توضع عادةً أعلى الرسالة تحت البسملة تحمل مصطلحات وأسماء وتواريخ مكتوبة بخطوط عربية مزخرفة، وقد تتخذ أحيانًا طابعًا فنيًا قد يصعب على البعض قراءته، كما قد يستوقفه في بعض المراسلات القديمة وجود عبارات أو توقيعات أو أختام بأشكال مختلفة قد تكون أكثر بساطة من مثيلاتها الحديثة.

“أثير” تأخذكم في هذا التقرير للتعريف بمصطلح الطغرائية السلطانية، كما ستتبع معكم تاريخ استخدامها من خلال استعراض نماذج من مراسلات حكام الدولة البوسعيدية في شطري الإمبراطورية العمانية.

تعريف الطغرائية

بحسب كتاب (معجم المصطلحات والألقاب التاريخية) فمصطلح طغراء أصله: طورغاني، وهو بلغة التتار، وتعني العلامة المرسومة على الرسالة، والطغراء خط مقوّس يرسم في أعلى الكتب الملكية وهو بمثابة التوقيع على الكتاب، وغالبًا ما يتضمن نعوت الحاكم وألقابه، وقد دخل التركية عن طريق الفرس ليصبح فن الطغراء في العصرين المملوكي والعثماني من أبرز التقاليد السلطانية في صياغة الأوامر والفرمانات، بحيث كان لكل سلطان طغراؤه المثبت في رأس الصفحة، وقد تطور أسلوب رسمها تبعًا لتطور الأوضاع العامة لكل عصر، وكان هناك موظف خاص يعمل في ديوان الدولة يقال له: الطغرائي.

وفي تعريف الموسوعة الحرّة ( ويكيبيديا) فالطُغْرَاء وتكتب طغرة وطغرى وطغرا ويلفظها العامة طرة، أصلها طورغاني بلغة التتار وتعني العلامة المرسومة على الرسالة، وهذه المسميات تطلق على شارة تحمل اسم سلطان عثماني أو ما ينعت به، واستخداماته تعددت منها: علامة سلطانية، توقيع، ختم، وشارة ملكية، قد ترسم في أعلى البراءات والفرمنات السلطانية،و لعل أول من استعملها هو السلطان مراد الثالث.

أما بحسب موقع (معاجم) الإلكتروني فالطُّرَّة تكتبُ في أَعلى الكُتُب والرَّسَائِل غالبا، تتضمَّن نعوت الحَاكِم وأَلقابه، وأَصلها “طورغاي” وهي كَلِمَة تَتَرِيَّةٌ استعملها الروم والفُرْس ثم أَخذَها العَرَب عنهم.( الطُّغْرَى، والطَّغَرى ): الطُّغْراء.( الطُّغْرَائِيّ ): نسبة إلى الطُّغْراء السابقة، وهو صانعها أو كاتبها.

وخط الطغراء هو مزيج بين خطي الديواني والإجازة، وقد يُستخدم أيضا على النقود الإسلامية أو الطوابع البريدية، ولكل حقبة زمنية أسلوب رسم خاص به، فيتطور نظرا لتغير الأوضاع لكل زمن.

الطغرائية السلطانية

اعتمد سلاطين عمان الطغرائية كأسلوب توقيع، وقد حمل عبارات عديدة، فأحيانًا المتوكل على الله، وأحيانًا أخرى الواثق بالله، ومرةً الواثق بالله المنّان، وفي أحيانٍ ثانية الواثق بالله المجيد، كما أن الطغرائية السلطانية اتخذت أشكالًا مختلفة (شعار، أو وسام، أو توقيع رسمي).  

كما نلاحظ أن استخدام الطغرائية لم يقتصر على شطرٍ من الإمبراطورية العمانية دون غيرها، فقد انتقل هذا الفن من الشطر العربي الآسيوي إلى الشطر الأفريقي، واستخدمه السلاطين هناك حتى انقلاب 1964.

ومن خلال تتبع مراسلات أئمة وسادة وسلاطين أسرة البوسعيد نلاحظ أن أغلب أولئك السلاطين إن لم يكن كلّهم قد استخدموا توقيعات وأختامًا خاصة لكلٍ منهم، وقد نشر مركز التاريخ العربي للنشر على صفحته في موقع التواصل ” تويتر” بتاريخ 28 مارس 2020 رسالة بتوقيع الامام أحمد بن سعيد البوسعيدي بتاريخ ١١٧٣ هجري ١٧٥٩ ميلادي يستنكر فيها حادثة القرصنة على سفينة (فوز الإسلام) في ميناء مسقط، والرسالة محفوظة في أرشيف جنيف بسويسرا، وتحتوي تلك الرسالة على ختمٍ خاص بالإمام لم نتمكن من معرفة العبارة المستخدمة فيه.

كما أرسل الإمام سعيد بن أحمد رسالة إلى الملك لويس السادس عشر ملك فرنسا في 7 ذو الحجة 1204 هـ الموافق 18 أغسطس 1790م، عن طريق الموسو روسو، القنصل الفرنسي ببغداد، وقد بدأت الرسالة بعبارة ” المتوكل على الله إمام المسلمين سعيد بن الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي”.

الواثق بالله

يعود استخدام عبارة (الواثق بالله) لأول مرة بحسب الاطلاع على وثائق مراسلات السلاطين إلى عهد السلطان سعيد بن سلطان، حيث وجد ختم طغرائي للسلطان سعيد بن سلطان يعود إلى عام 1224هـ الموافق 1809، يحمل اسمه الثلاثي سعيد بن سلطان بن أحمد. 

كما نلاحظ أن هذه العبارة تأتي أحيانًا في مقدمة الرسالة، وفي بعض الأحيان تكون في نهايتها، وكانت العبارة تكتب كالتالي: (الواثق بالله عبده سعيد بن سلطان)، وقد سار على نهجه بعد ذلك من تولى مقاليد الحكم في مسقط وزنجبار من أبنائه وأحفاده.

سلاطين مسقط

بعد وفاة السلطان سعيد بن سلطان عام 1856م، انقسمت الامبراطورية العمانية بعد (تقسيم كاننج) عام 1861 إلى قسمين: مسقط، وزنجبار، وقد توالى في كل قسم حكم أبنائه ثم أحفاده من بعدهم، حيث تولى حكم عمان السلطان ثويني بن سعيد (1856-1866) الذي لم نعثر في وثائق المراسلات الخاصة به ( بحسب اطلاعنا) ختمًا أو توقيعًا طغرائيًا، لكنه حافظ على نهج والده السلطان سعيد، حيث بدأت بعض مخاطباته بعبارة ( الواثق بالله عبده ثويني بن سعيد بن سلطان)، كما ختمت بعض تلك الرسائل والمخاطبات توقيعًا داخل إطار مربّع حمل العبارة نفسها. 

واستمر هذا النهج في عهد ابنه السلطان سالم بن ثويني (1866-1868) عدا أن الختم في بعض رسائله ومخاطباته كان يأتي في أعلى الرسالة، وفي رسائل أخرى كان الختم يأتي في ذيل الرسالة، كما نلاحظ في الوثيقتين الآتيتين. 

كما استخدم الإمام عزان بن قيس ( 1868 – 1871) في بعض مراسلاته ختمًا طغرائيًا حمل اسمه وكان يأتي في نهاية تلك المراسلات.

أما السلطان تركي بن سعيد ( 1871 – 1888) فقد حملت العديد من مراسلاته ختمًا طغرائيًا حمل عبارة (الواثق بالله تركي بن سعيد بن سلطان)، وفي بعض المراسلات عبارة ( الواثق بالله المنّان تركي بن سعيد بن سلطان)، كما نلاحظ في الوثائق الآتية:

كما عرض الباحث الدكتور علي البسام في صفحته بموقع التواصل “تويتر”  وثيقة تعود لسنة 1289 هـ تحوي توقيع السلطان تركي بن سعيد ” الواثق بالله المنّان تركي بن سعيد بن سلطان”.

وفي عهد السلطان فيصل بن تركي (1888- 1913) وعلى الرغم من تنوع خطاباته، ودخول أنماط جديدة كالترويسة الرسمية (السيفين والخنجر)، والختم الرسمي، إلا أننا لم نعثر في الرسائل العديدة التي تتبعناها للسلطان فيصل على ختم أو شعار أو توقيع طغرائي يحمل اسمه في حدود بحثنا واطّلاعنا. 

وفي عهد السلطان تيمور بن فيصل (1913 – 1932) فقد تميزت كثير من مراسلات السلطان بوجود الطغرائية السلطانية في أعلى الرسالة، أسفل البسملة، وحمل أغلبها إن لم يكن كلّها عبارة ( الواثق بالله المجيد تيمور بن فيصل بن تركي بن سعيد )، ويبدو أن هذا كان بداية ظهور الطغرائية في المراسلات السلطانية العمانية بهذا الشكل، حيث سيستمر في عهد السلاطين اللاحقين.

وفي عهد السلطان سعيد بن تيمور (1932 – 1970) استمر النمط السابق المتبع في المراسلات زمن والده السلطان تيمور، بوجود العلامة الطغرائية المرسومة على الرسالة في أعلاها أسفل البسملة، حيث حملت عبارة ( الواثق بالله المجيد سعيد بن تيمور بن فيصل بن تركي)، ونلاحظ أن السلطان سعيد قد حافظ على ذات العبارة التي كان يستخدمها والده، مع إضافة التاريخ الهجري للرسالة في أعلى العلامة.

كما نلاحظ أن تلك العلامة الطغرائية قد استخدمت في المخاطبات العربية والأجنبية دون اقتصارها على المخاطبات العربية فقط، كما نرى في الوثيقة الآتية

ونلاحظ كذلك تنوع الألوان المستخدمة في كتابة تلك العلامة، فتارةً سوداء، وأحيانًا ذهبية، ومراتٍ باللون الأحمر، ومراتٍ تكتب باللون الأزرق.

 

 

 

وفي عهد السلطان قابوس بن سعيد – طيّب الله ثراه – حملت الطغرائية السلطانية عبارة (الواثق بالله جلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور بن فيصل آل سعيد)، وصممها الخطاط المعروف الشيخ هلال بن محمد بن سالم الرواحي الذي ينحدر من أسرة علمية كانت قريبة من سلاطين البوسعيد في زنجبار، وعمل آباؤه ككتّاب ومستشارين مقربين من أولئك الحكّام، كما يعد الشيخ من أبرز شخصيات الخط العربي .

وفي عهده -طيّب الله ثراه- تم استحداث وسام الطغرائية السلطانية الخاصة وذلك عام 1985، وهو ثاني أرفع وسام عسكري يتم منحه للعاملين في القطاع العسكري ، مصمم على شكل شارة سداسية منقوش عليها وسم ( الواثق بالله قابوس بن سعيد بن تيمور بن فيصل سلطان عمان )، وهو من نسختين: النسخة الذهبية تمنح للضباط العمانيين قيد الخدمة وقت منح الوسام ، ونسخة فضية تمنح للضباط الأجانب.

أما في عهد حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله- فالطغرائية السلطانية تحمل عبارة (الواثق بالله المجيد السلطان هيثم بن طارق بن تيمور) وهي بخط الفنان علي بن درويش بن محمد العجمي.

حكام زنجبار

حفلت أغلب رسائل السلطان ماجد بن سعيد (1856-1870) بوجود ختم طغرائي يحمل اسمه، وقد حافظ السلطان ماجد على عبارة (الواثق بالله عبده …) التي بدأ استخدامها والده السلطان سعيد بن سلطان، ونلاحظ من خلال تتبع العديد من الوثائق التي تحتوي مراسلات السلطان ماجد، تنوع استخدام اللقب والختم الطغرائي في رسائله، فتارةً يبدأ رسالته بعبارة (  من الواثق بالله عبده ماجد بن سعيد) ويذيلها بالختم الطغرائي الذي يحمل اسمه، وتارةً أخرى يكون الختم في بداية الرسالة، وأحيانًا يبدأها باسمه دون اللقب، وهكذا.

كما ظهر في عهد السلطان ماجد بن سعيد في سنة 1857م نيشان الكوكب الدُرِّي الذي كانت الطغرائية السلطانية تميّز قلبه، وكان الاسم يتغير بتغير السلاطين، وتواصل منحه من قبل السلاطين الذين اعتلوا عرش سلطنة زنجبار.

وفي عهد السلطان برغش بن سعيد (1870 – 1888) نجد رسالة موجهة من قبله إلى خديوي مصر، إسماعيل باشا في الثاني من صفر عام 1392 هـ، بها ختم طغرائي يحوي اسم السلطان. 

كما كان للسلطان خليفة بن سعيد (1888 – 1890) ختمه الطغرائي الخاص الذي يحمل اسم ( خليفة بن سعيد بن سلطان بن أحمد)، وقد ظهر في عدد من مراسلاته.

كما ظهرت في عهد السلطان خليفة بن حارب (1911 – 1960) علامة الطغرائية التي حملت اسمه والتاريخ الهجري، وتصدرت تلك العلامة العديد من المراسلات، والوثائق، والأوراق الرسمية لسلطنة زنجبار.

وكذلك كان لآخر سلاطين زنجبار، جمشيد بن عبد الله ختمه الخاص الذي كان مشابهًا لختم جده السلطان خليفة بن حارب في التصميم.

المراجع

  1. الخطيب، مصطفى عبد الكريم. معجم المصطلحات والالقاب التاريخية، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1996.
  2. القاسمي. سلطان بن محمد. مراسلات سلاطين زنجبار، منشورات القاسمي، 2012.
  3. موقع الموسوعة الحرة ( ويكيبيديا). صفحة طغراء، https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%B7%D8%BA%D8%B1%D8%A7%D8%A1
  4.   مركز التاريخ العربي للنشر. @arabhistoryp، ٢٨ مارس ٢٠٢٠
  5. صفحة الدكتور علي البسَّام@Dr_Ali64، 12 سبتمبر 2015.
  6. موقع (معاجم) الألكتروني. https://www.maajim.com/

الصور من مكتبة قطر الرقمية، ومكتبة وزارة الأوقاف الإلكترونية، وكتاب مراسلات سلاطين زنجبار، والشبكة العالمية (الانترنت).

 

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى