تعرف على المستشار السياسي لسلطان زنجبار

مسقط-أثير 

إعداد: د.سليمان المحذوري

من خلال مراجعتي لكتاب جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار لفت انتباهي اسم الشيخ هلال بن عامر الحارثي؛ إحدى الشخصيات العُمانية التي كان لها حضور سياسي بارز في زمن سلطان زنجبار السيّد حمد بن ثويني (1896-1893). ورغم ذلك؛ وكحال كثير من رجالات عُمان الأشاوس الذين لم يُدون عنهم سوى القليل، وبإشارات عابرة ما زالت تنتظر من يفتش في بطون المخطوطات والكتب، ويقلب الوثائق، ويستجلي ما في الصدور، ويمحّص الروايات علّه يهتدي إلى مادة علمية تستحق التوثيق والنشر. لذا بدأت أبحث عن معلومات متفرقة هنا وهناك، وأسأل من له صلة قربى بالشيخ هلال علّي أضيف شيئًا ولو يسيرًا إلى سجلّ الشخصيات العُمانية الخالدة.

(1) 

ولد الشيخ هلال بن عامر بن سلطان بن عامر بن محسن بن سالم بن رجب بن الحارث بن كعب الخنجري الحارثي في حارة الدغشة بسفالة إبرا خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر؛ ولم أتوصل إلى سنة ميلاده لندرة التوثيق. استقر مع والده وأخيه محسن في بلدة عزّ، وأمهما سعادة بنت خميس بن جمعة البروانية. ثم هاجر إلى زنجبار من أجل التجارة، وطلب العلم حيث تلقى علومه الشرعية. تزوج الشيخ هلال بن عامر ثلاث زوجات إحداهما شريفة بنت الشيخ محمد بن سالم بن محسن الحارثي، والثانية خديجة بنت الشيخ صالح بن علي الحارثي. والثالثة جوخة كريمة الشيخ سليمان بن عبدالله المرهوبية التي أنجبت له أشهر أبنائه سيف الذي كان شاعرًا معروفًا. وكان والده الشيخ عامر بن سلطان الحارثي من أهل الحلّ والعقد والمشورة، ومن وجهاء القوم في عُمان، وكذلك في منطقة تابورة في داخلية إفريقيا التي استقرّ فيها، كما ارتبط بعلاقات حسنة مع السيّد برغش بن سعيد سلطان زنجبار.

(2)

ارتبط الشيخ هلال بن عامر بسلطان زنجبار حمد بن ثويني الذي اتخذه وزيرًا ومستشارًا؛ بل إنّه أصبح عمليًا رئيسًا للوزراء كما يذكر Hollingworth في كتابه  Zanzibar under the Foreign Office. والمغيري في جهينته يُشير إلى ذلك بوضوح بقوله:  “أخبرني من عرف سر السيد حمد عرف جميع أوامر القصر يومئذ أن الحلّ والعقد والعطاء والمنع والرضا والسخط كان بيد الشيخ هلال بن عامر”.

كان السلطان حمد يعتمد كثيرًا على مستشاره المفضّل هلال بن عامر بدلًا من المستشار البريطاني ماثيوز Mathews الذي يعتقد أنّ سلطان زنجبار لديه طموحات لإعادة الوحدة بين مسقط وزنجبار بحكم أنّ والده السيد ثويني كان حاكمًا لعُمان. كما أنّ السلطان حمد بن ثويني ولد في عُمان، وبالتالي كان لديه علاقات وثيقة مع شيوخ القبائل العُمانية.  هذا الطموح أكدّه المغيري بقوله: “لما استوى على عرشها – أي السلطان حمد – تفرّس بثاقب رأيه وعقله إلى ما في هذه المملكة من تدخل الأجانب فيها، ورأى خزانة زنجبار المالية الطائلة لاحت على عقله فكرة وهي ضم مملكة عُمان التي تربع على عرشها يومئذ ابن عمه فيصل بن تركي إلى مملكة زنجبار”. 

وفي أواخر عام 1894م سافر وفد من عُمان إلى زنجبار برئاسة الشيخ عبدالله بن صالح الحارثي، وبصحبة الشيخ محسن بن عامر الحارثي، وحمود بن سعيد الجحّافي لأجل طلب مساعدة سلطان زنجبار بخصوص إعادة توحيد عُمان وزنجبار تحت حكمه. وبحكم أنّ الشيخ هلال بن عامر هو المستشار المُقرب للسلطان حمد، إضافة إلى ارتباطه بعلاقات وثيقة بأعضاء الوفد العُماني؛ فقد كان هو الوسيط لتوصيلهم إلى السلطان حمد بن ثويني. 

وبناءً على الروايات المتداولة قابل السلطان حمد الوفد الزائر وزودهم بسخاء بأموال وهدايا، ومن المتوقع كذلك أنّه زودهم بأسلحة وذخيرة مما أدى إلى اعتراض سلطان عُمان السيد فيصل بن تركي لدى حكومة الهند البريطانية إزاء تصرف ابن عمه سلطان زنجبار، وتحريضه لرعاياه العُمانيين ضده، كما أنّ هذا الأمر أزعج بريطانيا التي حذرته من خطورة التدخل في شؤون مسقط. بيد أنّ السلطان حمد رفض هذه الاتهامات، وأنكر علاقته بالعرب القادمين إلى زنجبار.  وأوضح أنّ الهدايا التي زودهم بها لم تكن سوى نوع من المجاملة تُمنح عادةً للزائرين ذوي الحظوة من عُمان كما اعتاد على ذلك السلاطين من قبله، ومن ثم تعهد بعدم منح الهدايا لمثل هؤلاء الزوار. وفي بداية عام 1895 بعد عودة الوفد من زنجبار تمّت مهاجمة مسقط؛ إلا أنّ السلطان فيصل تمكّن من صد الهجوم وكان النصر حليفه. وبالتالي فشلت فكرة إعادة الوحدة بين عُمان وزنجبار.

وفي هذا السياق يبرّر Hollingworth – مؤلف كتاب Zanzibar under the Foreign Office – التقارب بين السلطان حمد ومستشاره الخاص الشيخ هلال بسبب الصلف والغطرسة البريطانية في التعامل مع سلطان زنجبار الذي أصبح كالعصفور بين مخلبي نسر على حد تعبيره؛ وبالتالي” لا وجود لمرهم يمكنه مداواة جرح كبرياء السلطان سوى القرب أكثر من مستشاره المؤثر وغيره من المستشارين الذين يكرهون الهيمنة الأجنبية على زنجبار”. وهنا يشترك الشيخ هلال بن عامر مع سلطان زنجبار في معارضته الشديدة للسياسية البريطانية في زنجبار. كما أكّد هاردينج  Hardinge- القنصل البريطاني في زنجبار- أنّ بعض مستشاري السلطان ومنهم الشيخ هلال بن عامر كان لديهم توجّه نحو توحيد حكم عُمان وزنجبار تحت راية السلطان حمد، ووفقًا لذلك تمّ تحذير السلطان من حجم تأثير هذا المستشار الذي لا زال يستقبل الزوار من عُمان؛ فيما أكدّ السلطان في حال تأكيد تورط الشيخ هلال في المؤامرة ضد ابن عمه سلطان مسقط سينال جزاءه. وفي خطاب من السيد هاردنج إلى السيد كيمبرلاي Kimberley وزير الخارجية البريطاني مؤرخ في 8 ابريل 1895م يذكر”…من ناحية أخرى فإنني أعتقد بأن هلال بن عامر والذي يمثل حاليًا المستشار الأهلي للسلطان، أي الذي يمثل حلقة وصل بين السلطان والأهالي، والذي يقوم بدور الوساطة بين سموه وزواره القادمين من عُمان ..” أكدّ على أن هلال بن عامر هو المحرّض والداعم لكل الطامعين بمسقط لتحقيق مآربهم. 

حريّ بالذكر أنّ الشيخ هلال بذل جهودًا في اقناع السلطان حمد بضرورة زيادة حرسه الخاص لمواجهة القوات البريطانية في زنجبار. وبالفعل تمّ توظيف ألف جندي لهذا الغرض. وهذا الأمر لم يعجب القنصل البريطاني هاردنج الذي سعى إلى تقويض هذه الفكرة، والحدّ من نفوذ الشيخ هلال، وبالفعل ضغط على السلطان من أجل تقليل حرسه الخاص، والتخلص من مستشاره الشيخ هلال بن عامر الذي فقد مكانته، وحلّ محله رئيس المضيفين في القصر يُدعى Pera Dewji. وتاليًا تم القبض على الشيخ هلال وترحيله إلى عدن. وفي هذا الصدد يذكر نورمان بينيت أنّ إدارة المحمية البريطانية هي من اعتقلت الشيخ هلال بن عامر، ورحلته إلى عدن في منتصف عام 1896م.

وفي عهد السلطان حمود بن محمد الذي خلف السلطان حمد بن ثويني سُمح للشيخ هلال بالعودة إلى شرق إفريقيا بسبب تدهور وضعه الصحي، وتمّ تخييره بين ممباسا وكسمايو كمكان لإقامته مع تعهده بعدم مغادرة المكان فاختار ممباسا التي وصل إليها في شهر نوفمبر 1896م، وتمّ تزويده بمقر اقامة مُناسب خاضع للرقابة، وتُشير الوثائق البريطانية إلى أنّ نشاطه السياسي توقف تمامًا بعد عودته. 

إلا أنّ الشيخ هلال من عامر خرج من شرق إفريقيا دون أخذ الإذن من السلطات البريطانية. وفي شهر مايو عام 1900م وصل إلى صور على متن قارب شراعي محملًا بكمية من المال والبضائع. والتقى هنالك مع أوتافي Ottavi نائب القنصل الفرنسي في مسقط الذي كانت تربطه به علاقات صداقة في زنجبار. وحثّ حاملي التصاريح الفرنسية من أهالي صور على التمسك برفع الأعلام الفرنسية على سفنهم؛ بيد أنّ السلطان فيصل زار صور في تلك الأثناء واحتوى الموقف، وقطع الطريق ضد أية اضطرابات محتملة قد يقوم بها الشيخ هلال بمساندة بعض القبائل.  تجدر الإشارة إلى أنّ الشيخ هلال منح الحماية الفرنسية عام 1895 بتوصية من سلطان زنجبار لدى القنصلية الفرنسية، وعلى إثر ذلك استطاع تقديم بعض الخدمات للفرنسيين.    

كان الإنجليز غير مرحبين بعودة الشيخ هلال بن عامر إلى عُمان ففي رسالة من النقيب كيمبل Kemball القائم بمهام المعتمد السياسي بمنطقة الخليج إلى سكرتير حكومة الهند ذكر أنّ عودة هلال بن عامر إلى عُمان “أمر يُؤسف له ولا يُحمد عقباه”. كما وُصف بأنه السجين السياسي العُماني في زنجبار، وبالتالي فإن عودته يعني عودة الاضطرابات والقلاقل في عُمان مجددًا.

ورغم ذلك؛ فإن صحة الشيخ هلال كانت في تدهور مستمر فظل إلى جانب أخيه محسن في القابل بدون نشاط سياسي حتى وفاته ليلة الخامس من جمادى الآخر سنة 1341هـ الموافق 1923م، ودفن في المضيرب بحسب روايات أقاربه.     

(3)

إلى جانب الدور السياسي للشيخ هلال بن عامر كان له إسهامات واضحة في الجوانب الاجتماعية في عُمان، حيث أقام مصالح عامة متفرقة في كل من إبراء والقابل وجعلان بني بوحسن لا تزال آثار بعض منها قائم حتى اليوم. ومن أمثلة ذلك أنّه قام بتشييد عدة مساجد، ومجالس عامة، ومدارس لتعليم القرآن الكريم، كما حفر العديد من الآبار ليستفيد منها من شاء.

وتفصيل ذلك؛ أنّ الشيخ هلال عمّر منطقة أثرية في إبرا، وبنى فيها حصنًا يسمى حصن النطالة في منطقة السفالة ما زال قائمًا، ومسجد جامع. وفي بلدة المضيرب شيّد الشيخ هلال بن عامر سبلة أو بيت الجبل وهو بيت عسكري سكني. كما بنى الشيخ محسن لأخيه هلال بيتًا من طابقين في بلدة عزّ من الأموال التي كان يرسلها من زنجبار يُسمى بيت العود أو البيت الكبير يتكون هذا البيت من طابقين من الجصّ والحجارة على النمط السكني الحربي ما زال قائمًا حتى اليوم وعمره حوالي 200عام.

إضافة إلى ذلك بنى الشيخ هلال حصن في جعلان بني بوحسن، وأحاطه بسور ضخم وعليه دروازة كبيرة، وفي داخل هذا السور يوجد مسجد، وبيوت عامة وخاصة، ومحلات تجارية ومجلس عام. وشقّ فيها فلجًا سماه جبرين يسمى حاليًا فلج هلال على اسمه، وبالتوازي شقّ أخوه الشيخ محسن بن عامر فلج الفاغري. 

وكان الشيخ هلال مغرمًا بامتلاك الخيل كحال أسرته، وفي هذا الصدد يذكر زاهر بن علي الحارثي أنّ جده الشيخ هلال امتلك ما يقارب (40) فرسًا كانت معروفة باسم (الدهيم).

ختامًا؛ هذه نبذة يسيرة من خلال ما توفر من معلومات هنا وهناك عن سيرة الشيخ هلال بن عامر الحارثي. ومن خلال البحث في الوثائق التي تحتفظ بها عائلته يُمكن الخروج بمعلومات أوفر قد تساعد في كتابة ترجمة موسّعة عن هذه الشخصية العُمانية الرائدة. كما أنّ الآثار التي خلفها الشيخ هلال لا زالت باقية في إبرا والقابل وجعلان بني بوحسن تحتاج إلى الالتفات لها والاهتمام بها، وترميمها كجزء من الآثار العُمانية في محافظة شمال الشرقية لا زالت باقية إلى يومنا هذا.  

 

المراجع:

  • لقاء مع الفاضل بدر بن سعود بن محمد الحارثي، والفاضل أحمد بن عبدالله بن حمد الحارثي يوم الجمعة بتاريخ 18 سبتمبر 2020م.
  • بهية بنت سعيد العذوبية. التاريخ السياسي والحضاري لمنطقة القابل. مسقط: بيت الغشام للنشر والترجمة، 2017.
  • زاهر بن سعيدالسعدي . الشيخ عيسى بن صالح الحارثي سيرته ودوره السياسي في عُمان، بيروت: دار الانتشار العربي، 2018.
  • زاهر بن علي الحارثي. نبذه مختصرة عن بيت أولاد عامر بن سلطان الحارثي(غير منشورة).
  • سعيد بن علي المغيري. جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار، تحقيق محمد بن علي الصليبي، ط5، مسقط: وزارة التراث والثقافة، 2017.
  • لوريمر.جي.جي . تاريخ عُمان في دليل الخليج العربي ووسط الجزيرة العربية. بيروت: الدار العربية للموسوعات، 2013.
  • محمد بن عبدالله الحارثي، موسوعة عُمان الوثائق السرية، المجلد الأول، بيروت: مركزدراسات الوحدة العربية، 2007.
  • ناصر بن سعيد العتيقي، تاريخ صور وجعلان 1807-1928، دمشق: دار الفرقد،2020م.
  • Ahmed Hamoud Al-Maamiry. Omani Sultana in Zanzibar(1832-1964),New Delhi: Lancers Books,1988.
  • Hollingsworth, L.W. Zanzibar under the Foreign Office 1890-1913. USA: Greenwood Press, 1975.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى