يصف فيها أحداثًا كثيرة من الخمسينيات حتى الثمانينيات: مذكرات رائد في الجيش السلطاني العماني

مسقط-أثير
لخّصها: د. محمد بن حمد العريمي

 

في إطار بحثها وتنقيبها عن المعلومات والأحداث والقضايا والشخصيات التاريخية العمانية التي لم يتم التطرق لها بشكلٍ كافٍ، والتي يمكن أن تعد المعلومات المتعلقة بها إضافةً في سجل التاريخ العماني العريق، ومعينةً للباحثين والمهتمين، تعرض لكم “أثير” في هذا التقرير جانبًا من مذكراتٍ شخصية كتبها أحد الرجال الذين خدموا في الجيش السلطاني العماني في فترةٍ عصيبةٍ من القرن العشرين، وأحد الذين أسهموا في الدفاع عن وحدة هذا الوطن وتثبيت أركانه، ألا وهو الرائد لال بخش بن مراد بخش البلوشي من مواليد جوادر عام 1937، والذي عاش وتوفي في ولاية بركاء، وخدم في الجيش العماني خلال الفترة من عام 1955 حتى تقاعده برتبة رائد في يناير من عام 1985م.

المذكرات:

تقع المذكرات في حوالي (44) صفحة من نوع الفلوسكاب، كتبها صاحبها بخط الحبر الجاف، وأعاد ابنه عدنان البلوشي كتابتها، ويمكن تقسيمها إلى خمسة فصول على النحو الآتي: الفصل الأول تناول فيه صاحب المذكرات مرحلة التحاقه بالجيش العماني وما تلاها من أحداث ومواقف كالتحاقه بكتيبة (مسقط انفانتري)، وعمله في قلعة الجلالي وبيت البرزة،  بينما ركّز الفصل الثاني على مرحلة الحرب ضد قوات الإمامة خلال الفترة من 1955 – 1959، وما صاحبها من أحداث ومواقف عديدة، وتطرّق الفصل الثالث إلى النشاط العسكري للرائد لال بخش البلوشي خلال فترة الستينيات من القرن الماضي، وأبرز التحولات والمواقف والأحداث التي عايشها ومرّ بها، بينما ركّز الفصل الرابع على فترة حرب ظفار الذي اشترك فيها صاحب المذكرات ضمن قوات الجيش السلطاني، والأحداث والمواقف  السياسية والعسكرية المهمة التي صاحبت تلك الفترة، أما الفصل الخامس فقد تناول فيه صاحب المذكرات حياته العسكرية والمحطات التي مر بها منذ انتهاء الحرب وحتى تقاعده في عام 1985.

أهمية المذكرات

تعد المذكرات التي كتبها الرائد لال بخش البلوشي مصدرًا مهمًا لفهم العديد من الأحداث العمانية السياسية والعسكرية المعاصرة التي حدثت خلال النصف الثاني من القرن العشرين، حيث إنها تطرقت لعدد من القضايا والأحداث التي عايشها صاحب المذكرات واشترك في بعض أحداثها، فهي تعد شهادة عن قرب لشخص عايش تلك الأحداث وأسهم في صناعة بعضها، كالحالة السياسية التي كانت تسود عمان وقتها، وحرب نزوى، وحرب الجبل الأخضر، والتنازل عن جوادر، وحرب ظفار، وما حدث يوم 23 يوليو 1970، وغيرها من الأحداث، بالإضافة إلى التنظيم العسكري الحكومي، ومكونات الجيش، ونوعية قادته وأفراده.

كما لم تقتصر المذكرات على المحطات العسكرية التي ارتبطت بصاحبها، بل تطرق إلى مجموعة من الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية كوصف بعض المباني والمناطق، وذكر أبرز رجال الأعمال البارزين وقتها وإسهاماتهم في الأحداث الجارية وقتها، وتناول بعض القوانين التي كانت تنظم المجتمع وقتها وبالأخص مجتمع مسقط كالتدخين، وشرب الكحول، وعدد السيارات، وحالة الطرق، وغيرها.

كما تناولت المذكرات قضايا تاريخية مهمة، حيث اقترب من سجن الجلالي الشهير الذي صاحبته العديد من الأساطير والروايات، ووصف وضع السجن وتقسيماته، وتنظيم العمل فيه، وأنواع الزنازين، ونوعية السجناء به وكيفية التعامل معهم، وكذلك قصة الهروب الكبير من السجن وتداعيات ذلك الهروب، وأبرز رموزه.

كما اقتربت تلك المذكرات من عدد من الشخصيات العمانية التي أسهمت في أحداث تلك الفترة، وذكرت لبعض المواقف أو الأحداث التي ارتبطت بهم.

ولم تخلُ المذكرات من جوانب إنسانية ومشاعر حاول صاحبها إبرازها في عدد من المواقف مثل حالات فقد عدد من أقاربه وأصدقائه بسبب الحرب، أو مشاعره بعد انتهاء حرب ظفار وما خلفته من مآسٍ وذكريات سيئة.

وستعرض لكم ” أثير” مقتطفات من تلك المذكرات علمًا بأن هناك الكثير من الأحداث التي احتوتها المذكرات والتي لن يتم التطرق إليها لأسباب سياسية واجتماعية في المقام الأول.

الالتحاق بالجيش العماني

في بداية المذكرات يتحدث الرائد لال بخش البلوشي عن بداية انضمامه إلى الجيش السلطاني العماني في شهر أغسطس من عام 1955، وهي فترة حرجة صحبتها العديد من الأحداث العسكرية مثل الصراع بين السلطنة والإمامة، وحرب نزوى، وحرب الجبل، ومشكلة البريمي، وغيرها، وفيها يتناول مدة التدريبات، ومكانها، والراتب الذي كان يعطى للجندي، حيث كتب: “انضممت إلى الجيش السلطاني العماني في أغسطس 1955 وبدأنا التدريب في معسكر بيت الفلج، … بدأنا التدریبات العسكریة في معسكر بیت الفلج لمدة شھرین ونصف ثم تخرجنا كجنود، كنا نتقاضى راتبا بمقدار 45 روبیة ھندیة فقط”.

ويضيف لال بخش البلوشي متحدثًا عن نوعية التدريبات التي كان يتلقاها الجنود، ومواعيد الأكل: ” كانت التدریبات شاقة جدا وكأن كل أیامنا متشابھة وبنفس الروتین، كنا نتناول إفطارنا في الساعة التاسعة صباحا یومیا و العشاء في الساعة الرابعة والنصف دون أن تكون ھناك وجبة غداء”.

وعن الكتائب العسكرية التي كان يتكون منها الجيش السلطاني وقتها يذكر البلوشي أنه ” بعد الانتھاء من فترة التدریب ھذه انضممت إلى المدفعیة في كتیبة مسقط انفانتري ( أو فوج مسقط )، في تلك الأیام كانت ھناك كتیبتان فقط في الجیش العماني : كتیبة مسقط انفانتري (قوة مسقط ) التي كان أفرادھا 90% من البلوش، وكتیبة فیلد فورس (قوة عمان المیدانیة) ومعظم أفرادھا من العمانیین العرب”.

ويمضي الرائد لال بخش البلوشي ليتحدث عن كتيبته قائلًا: ” كانت كتیبة مسقط انفانتري بقیادة المقدم أو الكرنال واتر فیلد وكانت موزعة كالتالي: بیت الفلج , قلعة الجلالي, بیت البرزة , بیت الحباب (قصر العلم) , ومقشن، ومقرھا في بیت الفلج، أما كتیبة فیلد فورس بقیادة المقدم أو الكرنال تشیسمان فهي موزعة في عبري والدقم، ومقرھا في عبري، ومن الضباط العمانیین الذین أتذكرھم في كتيبتنا في تلك الفترة ھما: الملازم عبدالله بن سیف الزدجالي من مسقط، والملازم إبراھیم بن سلیمان البلوشي من مطرح، وكان عدد جمیع أفراد كتیبتنا من جنود وضباط حوالي 90 فردا تقریبا، ولم یكن للشرطة دور مھم في ذلك الوقت مقارنة بالدور الذي یقوم به الجیش العماني حتى أن عددھم كان قلیلا، وكان مقرھم في قلعة المیراني، وكان قائد الشرطة ھو لشكران بن شھبیك الزدجالي، إلا أنه فیما بعد أصبحت قلعة المیراني ملكًا للجیش العماني”.

ويصف صاحب المذكرات الطريق من بيت الفلج إلى مسقط بقوله: “بعد الانتھاء من فترة التدریب ببیت الفلج وانضمامنا إلى المدفعیة اتجھنا نحو العاصمة مسقط وكان عددنا 30 شخصا وأذكر أننا ذھبنا إلى ھناك سیرًا بأقدامنا خلف شاحنةٍ قدیمةٍ جدًا تحمل أمتعتنا وتحمل الحطب والمؤونة”.

أيامه الأولى

تناول صاحب المذكرات أيامه الأولى في مسقط بعد تخرجه، ووصف السكن الذي عاش به، والأماكن التي تنقل بينها كعسكري: ” في أیامي الأولى من العمل في الجیش كنت أقیم مع مجموعة من الجنود في سكن خاص للجیش یضم مجموعة من الغرف ومطبخا، وكان مقره أمام بیت الحباب (قصر العلم)، كما كان یوجد في نفس المنطقة سوق كبیر یشبه سوق مطرح كنا نشتري منه ما نحتاجه، ونشتري أیضًا الغذاء للسجناء بقلعة الجلالي. طوال فترة الخمسینات والستینات كنت متنقلا في عملي بین بیت الحباب وقلعة الجلالي وقلعة المیراني وبیت الفلج ومطار بیت الفلج وبیت البرزة..

في قلعة الجلالي

عمل الرائد لال بخش البلوشي فترة من حياته العسكرية كمسؤول في سجن الجلالي، وقد تناول تلك الفترة وما صاحبها من أحداث في أكثر من فقرة في مذكراته، فقد قام بوصف القلعة وموقعها وبواباتها، وعدد درجات سلالمها، وسجنها الشهير: ” في مسقط عملت بالبدایة في قلعة الجلالي وھذه القلعة موقعھا ممیز فھي تقع على جبل یحیط بھا البحر من ثلاثة اتجاھات، وھذه القلعة بھا بوابتان ودرج طویل یحوي 99 درجة، وأذكر مرة أنني كنت أحمل كیس (جونیة) سكر وزنھا أكثر من 40 كیلوغراما من أسفل القلعة وصعدت السلم بكل درجاتھا التسعة وتسعين حتى وصلت إلى بوابة القلعة.. كانت قلعة الجلالي تعتبر السجن المركزي في البلاد الذي یسجن فیھا أھم السجناء مثل معارضي حكومة السلطان سعید وكبار المجرمین في الدولة.. حیث یوجد أیضًا بالقلعة غرف خاصة للمعارضین، كما كانت توجد غرفة واسعة للجنود الذین یعملون في القلعة بالإضافة إلى مجموعة من الغرف الكبیرة للسجناء الآخرین وكل منھا تضم من 10 إلى 14 سجینا..”

وتناول لال بخش البلوشي في المذكرات حياة السجناء اليومية وعلاقته بهم، والقوانين التي كانت تنظم السجن في فترة الخمسينيات الميلادية بقوله: ” وكثیرا ما كنت أرى ھؤلاء السجناء یصلون ولھم إمام یصلي بھم ویقرأون القرآن.. ولم یكن ھؤلاء السجناء یتعرضون لأي نوع من التعذیب والضرب بل أذكر أنني تعرفت على كثیر منھم وأصبحت صدیقًا لھم. ولكن بشكل عام كانت القوانین صارمة، فأحد القوانین ھو أنه بعد المغرب تغلق جمیع أبواب القلعة ولا یسمح لأي أحد بأن یدخل أو یخرج من القلعة حتى الجنود والحراس!!

ويقارن صاحب المذكرات ما بين وضع قلعة الجلالي، وقلعة الميراني، وأهمية كل منها، والجهة التي تشرف عليها: “عملت في قلعة الجلالي حتى أصبحت في أحد الأیام المسؤول للقلعة، كذلك عملت في قلعة المیراني وأصبحت فیھا المسؤول الأول، إلا أن قلعة المیراني لم تكن بتلك الأھمیة فقد كانت مركزا عادیًا للجیش وكان العمل فیھا مریحا جدًا وكان یسمح لنا بالدخول والخروج في أي وقت حتى باللیل بعكس قلعة الجلالي.. كما عملت أیضًا في الحراسة في مطار بیت الفلج وكان یوجد بالقرب منه مخازن للأسلحة كنا نقوم بحراستھا ..”

في بيت البرزة

عمل الرائد لال بخش البلوشي كذلك لفترة في بيت البرزة الذي كان يعد مقر الحكومة، ومنه تدار العديد من المؤسسات الإدارية والقضائية والاقتصادية، وهنا يتحدث في مذكراته عن عمله في ذلك البيت، وعلاقته بأبرز رموزه: ” أثناء عملي في بیت البرزة عملت لدى السید أحمد بن إبراھیم البوسعیدي ناظر شؤون الداخلیة، وھو في الأصل من الرستاق، وقد كان السید أحمد رجلا في غایة الطیبة رحمه الله..وكما ذكرت سابقا كان یعمل أیضا في بیت البرزة محمود محمد مراد كمسؤول للمالیة..وقد كان یسلمني مفاتیح مكتبه بعد الانتھاء من عمله”.

جوانب اجتماعية واقتصادية

وعلى الرغم من خلفيته العسكرية البحتة منذ نشأته، وعدم التحاقه بمؤسسات تعليم عالٍ، إلا أن ذلك لم يمنع صاحب المذكرات من أن يبتعد قليلًا عن الجانب العسكري في صفحات مذكراته، وأن يتناول جوانب عمرانية واجتماعية واقتصادية متعددة، فها هو يصف منطقة بيت الفلج الذي تدرب في قاعدتها بقوله: “وقد سمي بیت الفلج بھذا الاسم لأن كان فیھا فلج وأیضًا تمیز بوجود أشجار النبق والحناء والمانجو، كانت مسقط محاطة بأسوار من جمیع أطرافھا حتى حول جبالھا، وكانت ھناك بوابتان إحداھما باتجاه بیت الفلج والأخرى باتجاه سداب حیث كانت ھذه البوابات تغلق في اللیل وكان یمنع خروج أي مواطن في اللیل بدون أن یحمل قندیلًا ” .

كما تناول نمط الحياة في مسقط التي عاش فيها لفترة أثناء خدمته في قلعة الجلالي، وبيت البرزة، فكتب أنه: ” كان التدخین ممنوعًا أیضا، أما شرب الكحول فقد كان یسمح به داخل البیوت فقط، لكن في الخارج ممنوع، وأذكر أنه كانت ھناك مدرسة واحدة وھي المدرسة السعیدیة في مسقط ومستشفى واحد صغیر فیھ طبیب واحد وممرضتان، وكانت الحیاة صعبة جدا في عمان آنذاك فلم تكن ھناك شوارع مرصفة فقط شارع واحد ساحلي بین مسقط ومطرح ولا سیارات باستثناء سیارات الجیش، أما السیارات المدنیة فكان من النادر جدا رؤیتھا، وبعض ھذه السیارات المدنیة كانت ملكا لأكثر من شخص، فمثلا كان طارق بن تیمور ومحمود محمد مراد (مسؤول المالیة آنذاك)، ولشكران شھبیك  (قائد الشرطة)،  یملكون سیارة واحدة (صالون) یتبادلون قیادتھا في كل مرة.

كما تطرق صاحب المذكرات لذكر بعض من أشهر الشخصيات التجارية في مسقط وعمان وقتها، ومن بينهم: ” كان من أشھر التجار في عمان عائلة التاجر المعروف كیمجي رامداس التي كانت تدعم الحكومة والجیش دعما قویًا، حیث كانوا یزودون الجیش بالغذاء والملابس ووسائل النقل، أيضًا التجار العمانیین المشھورین في ذلك الوقت ممن أذكرھم عائلة نصیب خان بھادور التي كان لھا دور كبیر في تمویل الجیش وتوفیر البترول منذ أیام السلطان تیمور، وممن أذكرھم أیضًا جعفر باقر، وموسى عبدالرحمن حسن، وتاول، وحیدر درویش، والزبیر، ومحمود محمد مراد، وعبدالعزیز كلمور”.

ولم ينس الرائد لال بخش وهو في غمرة إاشغالاته العسكرية المتوالية أن يرصد لنا أهم المؤسسات والمباني التي كانت تزخر بها مسقط وقتها، ومن بينها: “وكانت من أھم الاماكن الإداریة في البلاد في مسقط العاصمة بالتحدید ھي : بیت الحباب المعروف عند البلوش باسم (واجه لوغ)، وھو قصر السلطان، وبیت البرزة المكون من طابقین : الأول كان للمالیة بإدارة محمود محمد مراد والطابق الثاني لنظارة الداخلیة بإدارة السید أحمد بن ابراھیم البوسعیدي، والسفارة البریطانیة التي كانت أمام قلعة الجلالي ، ومقر للاتصالات ، والجمارك ، وجمیع ھذه كانت تقع في نفس المنطقة التي تضم قصر العلم المعروف الیوم”.

الوضع السياسي في الخمسينات

على الرغم من كونه رجلًا عسكريًا بحتًا، إلا أن الرائد لال بخش البلوشي لم يغفل في مذكراته عن الحديث عن بعض الأحداث السياسية التي صاحبت الفترة الزمنية التي تغطيها المذكرات، فها هو مثلًا يصف الوضع السياسي العماني في منتصف الخمسينيات بقوله: “كانت عمان منقسمة في تلك الفترة فقد كانت تسمى سلطنة مسقط وعمان، وكانت المنطقة الداخلیة تحت سیطرة الإمام غالب بن علي الھنائي الذي كان یرید أن یستقل عن سلطنة مسقط وعمان، بل إن المنطقة الداخلیة كانت معروفة باسم عمان!! أما أخوه طالب بن علي الھنائي فقد كان یسیطر على ولایة الرستاق”.

وصول السلطان

وتناول لال بخش البلوشي في مذكراته أحد المواقف التي عايشها واقترب منها بعد دخول نزوى في عام 1956، وعودة السلطان من ظفار عن طريق البر للاحتفال بهذه المناسبة، وما صاحبها من وصول السلطان ليلًا، ورغبة المسؤولين والأعيان في دخوله لمسقط نهارًا:

” في تلك الأیام كان السلطان سعید مقیما في صلالة، وفي بدایة عام 1956 جاء السلطان سعید إلى مسقط عن طریق البر، ولم تكن ھناك شوارع وطرق لذلك استغرق عدة أیام حتى وصل إلى مسقط، حيث بدأ رحلته من صلالة ثم ثمریت وبعدھا إلى ھیماء ثم فھود ثم عبري ثم صحار وبعدھا اتجه إلى مسقط، وكان وصوله  في وقت اللیل وكانت مسقط مزینة لاستقباله وللنصر الذي حققته قوات السلطان، وقام شیوخ وأعیان مسقط باستقباله قبل أن یدخل العاصمة وطلبوا منه أن لا یدخلھا إلا في الصباح حتى یتمكن من رؤیة كل ما قام به الأھالي من تزیین وتجمیل لمسقط، ففي اللیل كانت الرؤیة صعبة فلم تكن ھناك إنارات كما ھو في وقتنا الحالي”.

 

السلطان يبات خارج بوابة مسقط

 ” وافق السلطان على ذلك وبات تلك اللیلة في منطقة الوطیة في خیمة أقیمت له ھناك، وفي الصباح دخل مسقط من بوابتھا التي كانت تقع في نفس منطقة جسر وادي عدي حالیا !! وبعدھا ذھب السلطان إلى بیت الحباب ( قصر العلم ) وكانت قواتنا في استقباله ھناك وقمنا بعمل عرض طابور سلامي للسلطان وكانت تلك ھي المرة الأولى التي أرى فیھا السلطان سعید بن تیمور، وبعد النصر الذي حققناه قام السلطان بتكریمنا وذلك بزیادة رواتبنا ، حیث ارتفع راتب الجندي من 45 روبیة إلى 60 روبیة أي بزیادة مقدارھا 15 روبیة”.

شجاعة السيد طارق

ولأنه عمل قريبًا من السيد طارق بن تيمور لفترةٍ من الزمن في الخمسينات أثناء حرب نزوى، وحرب الجبل، فقد لاحظ صاحب المذكرات شجاعته الكبيرة، ووصفها في أكثر من فقرةٍ في مذكراته، ومن بينها:

” وبالنسبة لتفاصیل ما حدث بین كتیبة فیلد فورس والثوار، فقد كانت الكتیبة بقیادة السید طارق بن تیمور، ولاقت قوات السید طارق مقاومةً شدیدة في منطقة تنوف التي كانت مقرا مھمًا للثوار، حتى أن السید طارق شارك بنفسه في المعارك والاشتباكات التي دارت ھناك، حیث كان یقود سیارته اللاندروفر بإحدى یدیه، والید الأخرى كانت تحمل رشاشًا یطلقه باتجاه الثوار الذین قاتلوا بشراسة، ولكن السید طارق لم یكن أقل شراسة منھم، فقد كان یعرف بقوته وعدم خوفه من أي شيء”.

التنازل عن جوادر

ومن بين الأحداث السياسية التي أشار إليها الرائد لال بخش البلوشي في مذكراته، تسليم جوادر إلى باكستان، وكان لجوادر في قلب صاحب المذكرات الكثير من الحب والذكريات، حيث كتب:  ” ومن أھم المواقف والأحداث التي حدثت لنا في أیام الحرب في العوابي حین جاءنا الضابط المیجر ھارت في عصر إحدى الأیام – فقد اعتاد أن یأتینا دائمًا في فترة العصر- من بیت الفلج إلى العوابي وطلب أن نجتمع به، فذھبنا جمیعا لرؤیته، وھناك أخبرنا المیجر ھارت مایلي: “إنه تم عقد اتفاق بین السلطان سعید وباكستان بأن تكون جوادر تابعة لباكستان بعد تنازل السلطان عنھا لتعود وتصبح ملكًا لباكستان”، وھكذا أصبحت جوادر تابعة لباكستان بموجب الاتفاق الذي عقد بین السلطان سعید و باكستان وتم ذلك لعدة أسباب”.

صورة بالأبيض و الأسود اثناء الدورة العسكرية في باكستان سنة ١٩٦٥
صورة بالأبيض و الأسود اثناء الدورة العسكرية في باكستان سنة ١٩٦٥

 

مهمة في مقشن

وتناول صاحب المذكرات بعضًا من التحديات التي واجهته أثناء عمله، ومن بينها ذهابه عام 1958 في مهمة إلى منطقة مقشن لحماية الحدود مع السعودية، بالإضافة إلى حراسة شركات النفط التي كانت تجري في تلك الفترة عمليات المسح واستكشاف النفط، وكيف أنهم عانوا كثيرًا من صعوبة المكان، وقلة الموارد والمؤن: ” كانت الأوضاع صعبة جدا أثناء إقامتنا في تلك الصحراء، كنا نعاني كثيرا من قلة المؤن والموارد ، وكنا نضطر أحيانًا لشرب واستخدام الماء المالح وكان الطعام يستغرق وقتاً طويلا حتى ينضج بسبب الماء المالح وكنا جميعا نقيم في خيمة واحدة، فكما ذكرت سابقا كان عددنا ١٢ شخصا، مما أسعفنا قليلا في ذلك المكان هو مرور الشاحنات التابعة لشركات النفط بين حين وآخر، وكانت تمدنا أحيانا بالطعام والفواكه والماء العذب وزيوت الشعر والملابس، كنا بعيدين جدًا عن مراكزنا، ووحيدين في وسط تلك الصحراء لكننا لم نستشعر أبدًا وجود خطر يهددنا، ولم نتعرض لأي نوع من الهجوم أو الاعتداء من قطاع الطرق أو غيرهم، وبقينا هناك لمدة ٨ أشهر حتى أتممنا مهمتنا في مقشن”.

 

صورة بالزي العسكري في الرستاق منتصف السبعينيات

 

 

في قلب الطوفان

وتحدث صاحب المذكرات عن موقف عصيب حلّ بهم أثناء عودتهم من ظفار في سنة 1959 على متن مركب شراعي اسمه (الهاشمي) تابع لشركة كيمجي رامداس، وقبطانه من صور، وكيف أنهم أثناء توقفهم في صور وهم في طريقهم إلى مسقط سمعوا عن قرب حدوث أنواء مناخية يستحيل معها إكمال الرحلة، وكيف أنهم توجهوا إلى منطقة ( خور جراما) للاحتماء بها حتى تنتهي الحالة الجوية: “بقينا هناك في المركب لمدة ١٥ يوما وفي تلك المدة نفد كل طعامنا لأن الرحلة الكلية كانت تفترض أن تكون في أربعة ايام فقط وكان الزاد يكفي لهذه المدة الزمنية، ولم نجد حلا سوى إرسال أحد زملائنا وهو الرقيب /عبدالرسول البلوشي إلى والي صور آنذاك وكان السيد ماجد بن تيمور، وقام بإخباره بكل ما نمر به وبحاجتنا الماسة إلى المؤونة والطعام، وتم توفيرها لنا بحمد الله.

ويضيف: ” كان الطوفان قويًا جدا، وكان يجرف بمركبنا من جميع الاتجاهات ، كانت أيامًا صعبة ومخيفة لكننا نجونا منها وتمكنا بنجاح من مغادرة صور بعد ١٥ يوما.

الأول في سباق الجري

ولا تخلو المذكرات من مواقف شخصية حدثت لصاحبها ورغب في تسجيلها كونها ترتبط بجوانب إيجابية لديه، ومن بينها محافظته على لياقته البدنية، وحرصه على الحضور المبكر لعمله مهما بعدت المسافة، فكتب مثلا:  ” في عام ١٩٦٣ وبینما كنت أدرب أحد الفصائل، قمت بأخذ ٤١ جندیًا إلى منطقة الأنصب، وقمنا بعمل تدریب عسكري وسباق للجري من ھناك إلى منطقة غلا حیث یقع مركزنا، شاركت بنفسي معھم في السباق وكان في انتظارنا بمركز التدریب المیجر شریدون الذي كان یحمل معه دوربین ( منظار) لمشاھدة القادمین من بعید ، وفجأة لمح أحد المتسابقین وھو في المقدمة وفي المركز الأول وقال: “أتوقع أن ھذا الشخص ھو لالبخش”، وبالفعل كان توقعه صحیحًا حیث كنت أنا في المقدمة.

محاولة اغتيال السلطان

ويتناول صاحب المذكرات حادث محاولة اغتيال السلطان سعيد بن تيمور والمصادر التي أبلغته بالحادثة، حيث كتب : ” في أحد الأیام في البریمي أتذكر جیدا حین أخبرنا الرائد شنون البلوشي أن السلطان سعید بن تیمور تعرض لمحاولة اغتیال في عین رزات في ظفار أثناء وجوده في طابور عسكري للحرس ھناك، وبینما كان السلطان یتفقد الطابور، كان من بینھم أحد المؤیدین للثوار الذي قام فجأة بتصویب بندقیته نحو السلطان، ورآه أحد الحراس الشخصیین للسلطان ویدعى الرائد سخي راجا وھو باكستاني الجنسیة، فما كان منه إلا أن جاء أمام السلطان وقام بإبعاده، لكنه وللأسف تعرض للطلق الناري وتوفي فورًا بعد أن فدى نفسه لحمایة السلطان”.

موقف طريف

ويشير لال بخش البلوشي إلى أحد المواقف الطريفة التي حدثت له أثناء خدمته العسكرية الطويلة: ” أثناء وجودي في البریمي, ذھبت إلى العین واشتریت لي من ھناك سلاحًا من نوع (سكتون) للصید، فقد كنت من محبي الصید، وقمت بشرائه بحوالي 600 درھم، ولكن واجھتني مشكلة في الحدود ولسوء الحظ منعوني من إدخاله إلى عمان باعتباره أمرًا غیر قانوني وكان معي حینھا الضابط الإنجلیزي الذي سألني سؤالا ظریفا قائلا: “ھل تصلي؟”. فقلت له :”بالتأكید نعم”، فقال: “إذا لماذا تقوم بمثل ھذه الأفعال غیر القانونیة ؟”. لم أكن أعلم حینھا إنه لا یسمح لي بأخذ السلاح وتجاوز منطقة الحدود وإلا لما كنت اشتریته.

موقف صعب

لم تخلُ مذكرات الرائد لال بخش البلوشي من سرد العديد من المواقف الصعبة التي مرّ بها خلال المعارك العديدة التي خاضها، ومن بين تلك المواقف ما حدث له في إحدى سنوات حرب ظفار: ” ولعل من أقوى وأصعب المواقف التي تعرضت لھا ھي تلك التي ظننت فیھا إنني سأفارق الحیاة وفقدت الأمل بالبقاء على قید الحیاة، وحدث ذلك في أحد الأیام حین كنت أنا وثمانیة عساكر آخرين، ستة منا من البلوش واثنان من الانجلیز وواحد من العرب وھو سعید بن سالم الوھیبي – الذي أصبح فیما بعد المرافق العسكري للسلطان قابوس ومن ثم وزیرا للدیوان-، حيث كنا نلعب كرة الطائرة وھي إحدى الریاضات المحببة لدي وكنا نلعبھا في العادة قبیل المغرب، وبینما نحن مستمتعون في اللعب، باغتتنا ھجمات الثوار برصاصات متتالیة مصوبة باتجاھنا ونحن عزّل بلا أسلحة.

ويضيف قائلًا: “ظننت وقتها حقا إنھا نھایتنا وإنه آخر یوم سأعیشه، وما كان منا سوى الفرار باتجاه القاعدة العسكریة والحمد لله فقد كُتِبَ لنا جمیعا النجاة ولم یصب أي أحد منا بضرر”

 

صورة من حرب ظفار في صرفيت في بداية السبعينيات ممسكُا بأحد أجهزة الاتصالات

 

اللقاء بالسلطان الجديد

ويحكي الرائد لال بخش البلوشي قصة لقائه الأول بالسلطان قابوس بن سعيد – طيّب الله ثراه – بعد تسلّمه مقاليد الحكم في 23 يوليو 1970، فكتب يقول: ” قبل مغادرته صلالة، اصطفت قوات الجیش بمطار صلالة لعمل طابور لتودیع السلطان وكنت من ضمنھم فكان السلطان قابوس یتحدث مع البعض منا، وقد جاء أمامي وتكلم وقال: ” أنتم قوات السلطان وأنتم حماة ھذا الوطن الشجعان البواسل وسوف تنتصرون، سأذھب إلى مسقط، لكنني سأعود إلیكم بكل تأكید“، وبعدھا غادر السلطان مطار صلالة إلى مسقط.

 

 

 

السيد طلال بن طارق

ويشير صاحب المذكرات كذلك إلى السيد طلال بن طارق الذي كان أحد الطيارين الذين اشتركوا في حرب ظفار:” كان من بین الطیارین الذین یقومون بنقلنا السید طلال بن طارق آل سعید، وحتى في النقل الجوي بالھلیكوبتر لم نكن في مأمنٍ تام عن الثوار، ففي إحدى المرات التي كنا نتنقل منھا، كنت جالسا بجانب الباب وقدماي خارج الھلیكوبتر، وكان الثوار یطلقون الرصاص باتجاھنا، ومن حسن حظي أنه مرت إحدى الرصاصات بین قدمي وكانت قریبة جدا لكنھا لم تصبني”.

 

“ستنتصرون بإذن الله”

” أثناء وجودنا في صرفیت، جاء إلینا السلطان قابوس عن طریق الھیكوبتر لزیارة جمیع الكتائب وقد كان مرتدیا بزّته العسكریة، وحین جاء إلینا جلس معنا وشرب الشاي وتبادلنا أطراف الحدیث وكان یسألنا أسئلة مختلفة ومن ضمنھا أنه قام بسؤالي عن الثوار، فأجبته: ” إن عدد الثوار كبیر جدًا “, فسألني:” كم عدد القذائف التي تطلقھا یومیا؟ “ , فقلت له: ” یتراوح بین 300-200 قذیفة“، فقال لي: ” ستنتصرون بإذن الله“.

انتهت الحرب ومات الأصدقاء

انتهت الحرب لكن لم يستطع أن ينسى الرائد لال بخش مرارتها ومآسيها، وهو الذي رأى عددًا من أبناء هذا الوطن يتساقطون أمام عينيه، وهو عند الموت لا يفرّق بين حليفٍ وعدو، فكلّهم بشر، وكلّهم أبناء وطنٍ واحد مهما اختلف الأفكار والقناعات أحيانًا: ” بعد سنوات طوال ملیئة بالمواقف المختلفة والمقاومات بكافة أنواعھا، راح ضحایاھا عدد كبیر من قواتنا ومن الثوار أیضا، فقدنا العدید من أحبائنا وأصدقائنا الذین لا تزال قبورھم إلى یومنا ھذا تحكي قصة شجاعتھم ونضالھم، فھناك ثلاثة مقابر تحتضن أجساد ھؤلاء الشھداء الذین حاربوا من أجل وحدة الوطن، وھذه المقابر أولھا موجود في منطقة قبر النبي عمران، وكان ممن دفن فیھا الشجاع محمود البلوشي، قریبي وأعز أصدقائي، والمقبرة الثانیة كانت صغیرة وموجودة في أم الغوارف، أما الثالثة وھي أكبر مقبرة فھي موجودة في الدھاریز بالقرب من قصر الرباط، وھي نفس المقبرة التي دفن فیھا أخي إبراھیم”.

 

الرابع من اليسار في صورة جماعية في صرفيت بداية السبعينيات ايام الحرب

 

وترجّل العسكري

بعد 30 عامًا من الخدمة في الجيش السلطاني العماني، تنقل خلالها بين عدد من المواقع، وشارك خلالها في العديد من الأحداث والمعارك، ترجّل الرائد لال بخش البلوشي، وخلع بزّته العسكرية ليقضي ما تبقى له من سنوات عمره في هدوء بعيدًا عن ضجيج الأسلحة، وطلقات المدافع، ومرارة فقدان الأحباب والأصدقاء، وها هو يصف خاتمة المشوار بقوله: ” مرت السنین حتى نھایة عام 1984م، عدنا إلى إزكي وبقیت فیھا حتى تقاعدت في 1 ینایر 1985م، وكنت آنذاك قائد بطاریة القیادة، انتھت سنوات الكفاح والبطولة والعمل الشاق بحلوھا ومرھا وأصبحت جزءًا من الماضي الجمیل الذي لن أنساه ابدًا. تقاعد معي عدد من زملائي الضباط وھم الرائد خدا بخش البلوشي، وغلام رسول البلوشي، وعبدالواحد البلوشي، وعبدالرشید البلوشي، وعلي محمد البلوشي، وأقیمت لنا حفلة وداع جمیلة في معسكر المرتفعة في مسقط برعایة السید فھر بن تیمور آل سعید”.

المرجع

  • مذكرات الرائد لال بخش البلوشي. نسخة إلكترونية غير مطبوعة من أرشيف ابنه عدنان بن لال بخش البلوشي.

الصور من إرشيف عدنان بن لال بخش البلوشي.

 

 

 

 

 

‫4 تعليقات

  1. دون نشك هناك كثير من ضباط و أفراد البواسل مثل الرائد لالبخسً البلوشي الذين خدموا و دافعوا عن الوطن بكل شجاعة رحم الله من استشهد منهم و من عايش منهم
    سىؤالي يا ترا كيف هي حالتهم المعيشية الآن!!!!!؟؟؟؟ رحم الله السلطان قابوس و طيب ثراه و اطال الله في عمر السلطان هيثم و سدد خطاه. أتمنى تكريم هولاء الأبطال خير تكريم و النظر في احوالهم و احوال عوائلهم . اسأل الله العلي العظيم أن يحفظ عمان و سلطانها المفدي و شعبها الابي من كل مكروه و شر. اشكر الكاتب الدكتور العريمي على كتابة ذكريات الرائد لالبخش و دون شك هناك كثير منهم قد يكونوا على قيد الحياة و لديهم قصص او ذكريات جميلة قد تفيد ضباط و افراد قواتنا المسلحة كدروس في الذود عن هذه الأرض الطيبة و في الضبط و الربط العسكري

    1. سؤالي عن جوادر ؟ جوادر كانت تابعه لبلوشستان ليس لباكستان لكي يتنازلوا عنها لمن يشاؤون ؟

      لماذا باعوا جوادر للاحتلال الباكستاني لماذا لم يُرَجع لبلوشستان بموجب الاتفاقية التي حدث مع خان قلات كما هيه كانت تابع له من قبل ؟

      ولماذا اتفق حكام عمان مع باكستان بشأن جوادر لتنازل عنه ويكون تابع لباكستان ؟

      لماذا العرب العمانين اليوم لا يدافعون عن البلوش وعن حرية أرضهم بلوشستان ضد احتلال الباكستاني كما يفعلون لفلسطين وايضا البلوش لهم دور كبير لتوحيد هذا البلاد والدفاع عن امنها واستقرارها لماذا لا يذكر في تاريخ العمانيين اسم الشعب البلوشي ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى