5 مفاتيح ذهبيَّة في تربيةِ الأبناء

أحمد الشبيبي- اختصاصي استشارات أسرية

كثيرةٌ هي النَّصائِحُ والتوجيهاتُ التي يُمكنُ أن نَسمَعَها ونَتلقَّاها فيما يَتعلَّقُ بتربيَّةِ الأبناء، وقد تَستمِعُ إلى محاضراتٍ مُطوَّلَة، وتُسجِّلُ في دَوراتٍ مُتخصِّصةٍ في مَجالِ التَّربيةِ النَّاجِحةِ والوالِديَّةِ المثالِيَّة، وهذا أمرٌ مهمٌ ومطْلوب، لكنني سأُقدِّمُ لك فيما يَلي خمسةَ مَفاتِيحَ ذهبية، تَفتحُ لك أبْوابَ التَّربيةِ المثْلَى والتَّعامُلَ الأفضلَ مع الأبناء، فأرْجو أن تَكونَ منتَبِها لهذه المفاتيحِ الذَّهبيَّةِ وأن تَعمَلَ بها.

المفتاحُ الأول: اللُّجوءُ إلى اللهِ تعالى
فأوَّلُ وأهمُّ مفتاحٍ في هذه المجموعةِ هو مِفتاحُ الدُّعاءِ واللُّجوءِ إلى اللهِ عز وجل، راجِيًا منه سبحانُه أن يُوفِّقَك في تربيَّةِ أبْنائِك، وأن يُلهِمَهُم الرُّشْدَ والسَّداد، وأن يُحبِّبَ إليهم الخَيْرَ ويُصلحَ أحوالَهم، ويَجعلَهم قرَّةَ عين لك، ومصدَرَ فخْرِك وابْتِهاجِك، ولقد وجَّهَنَا اللهُ عز وجل إلى هذا المبدأِ العظيم، حيثُ ذكرَ أن مِن دُعاءِ عبادِ الرَّحمن قولُهم: {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} [الفرقان: 74].

فلا تَغْفَلْ عن هذا الدعاء، ولا تَعتَمدْ على جُهدِك وخبرتِك في التربيَّةِ وحدَها، بل وظِّفْ ما تعرِفُه وما تُتقِنُه في تَربيَةِ الأبناءِ مُتوكِّلًا على الله تعالى، ومُفوِّضًا إليه أمرَ صلاحِ أبنائِك، لأنه سبحانَه هو القادِرُ على ذلك، ودليلُ توكُّلِك عليه كثرُ تردِيدِك لهذا الدُّعاء، وخاصةً عندما تكون بعيدًا عنهم بسببِ ظُروفِ العملِ، أو انتقالِهم للدراسةِ في أماكِنَ بعيدة، ولن يَخِيبَ ظنُّك باللهِ تعالى.

المفتاحُ الثاني: القراءةُ والتَّعلم
يَعتقِدُ الكثيرُ من الآباءِ والأمَّهات، بأن مَعهُم من المعْرِفةِ والخِبرةِ في مَجالِ تَربيَّةِ الأبناء، ما يَجعَلُهم في غِنى عن مُطالَعةِ أي كتابٍ في الموضوع، أو مُتابَعةِ دَوْرةٍ أو بَرنامَجٍ يَهتمُّ بتوجِيهِ الآباءِ نحو الطُّرُقِ الأفضلِ في التعامُلِ مع الأبناءِ ومُتطلَّباتِهم، وهذا اعتقادٌ خاطئ؛ فنحن كُلَّما قَرأنا حولَ موضوعٍ ما، وتَعرَّفْنا على آراءِ المختصين فيه، كنا أكثرَ درايةً بذلك الموضوع، وأقدرَ على النجاحِ في التعاملِ معه.

ومن هنا تُعدّ القراءةُ في موضوعِ تربيةِ الأبناء، مِفتاحًا ذهبيا تَطَّلِعُ من خلالِه على معارِفَ ودراساتٍ ومعلوماتٍ تُساعِدُك على تربيَّةِ أبْنائِك تربيَّةً حسَنَة، وإقامةِ علاقةٍ جيِّدَةٍ معهم، وتُمِدُّك بالآلياتِ التي تَستطيعُ من خِلالِها التعاملَ مع المشاكلِ والإكراهاتِ التي تَعْترِضُ الوالديْنِ في العصْرِ الرَّاهِن.

المفتاحُ الثالث: معرفةُ الفرْقِ بين التَّربيةِ والرِّعايَة
يُعدّ الخلْطُ بين الرِّعايةِ والتربيةِ سبَبًا من أسبابِ عَدمِ نجاحِ كثيرٍ من الآباءِ في تربيةِ أبنائِهم، وشُعورِهم بالصَّمدةِ عندَما يَكتشِفُونَ انحِرافَ أحدِ أبْنائِهم بعد سنواتٍ من الجُهْدِ والتَّعبِ في تلبيَّةِ رغباتِ الأبناءَ وتوْفيرِ حاجِيَاتِهم، ويَعتقِدُون أنهم بذلك كانوا يُربُّون ويُنشِّؤُون أبناءَهم تَنشِئَةً حسَنة، لكنَّهم كانوا في الحقيقةِ مُقتَصرين على دوْرِ الرِّعايَة.

لذلك يُعدُّ التَّفْريقُ بين دوْرِ الرِّعايةِ والتَّربيةِ أمرًا في غايةِ الأهمية، ومبدأً أساسيًّا في التربيةِ الجيِّدَةِ الناجِحَة؛ فالرِّعايَةُ تَتعلَّقُ فقط بالجَوانِبِ الماديَّةِ الملْمُوسَة، من قَبِيلِ تَوفِيرِ المأكلِ والملبَس، وتَهيِئة المسكَنِ المناسِب، وما شابَه ذلك، وأما التَّربيَّةُ فإنها مفهومٌ أعمَقُ وأكثرُ تأثيرًا، وتَتجلَّى التَّربيةُ في دِفْءِ الأُبُوَّةِ وأُلْفَةِ البيتِ وتَراحُمِ الأسرة، وسَكِينةِ العيْشِ وطُمأنِينةِ الحياة، وتَتجلَّى كذلك في اقتِطاعِ جزْءٍ من وقتِكَ للجُلوسِ مع أولادِك والحديثِ معهم، ومُشارَكتِهم في اهتماماتِهم ومشاغِلِهم، وبذلك تَكتَشفُ الجوانِبَ الإيجابيَّةَ والسَّلبيَّةَ في شخصيَّاتِهم، وتستطيعُ عندَها اتِّباعَ الأسلوبِ الأمْثلِ في التَّعاملِ معهم وتوْجيهِ سلوكِياتِهم.

المفتاحُ الرَّابِع: التَّربيَّةُ بالحُب

من الملاحظِ أنَّ مُجتمَعاتِنا العربِيَّةَ تَميلُ إلى تَفضِيلِ أسلوبِ التَّرهيبِ والتَّهديدِ في تَربيَّةِ الأبناء، وتُركِّزُ على ضَرورةِ حُضورِ الوالدَيْن، وخاصةً الأبَ، بصورةٍ تَفْرضُ المهابَةَ والإجْلال، لكنَّ هذا المبْدأَ يَتعارُضُ ومُنطَلقاتِ التَّربيَّةِ السَّليمَة، ومن هنا نَجعلُ المفْتاحَ الرابعَ من مفاتِيحِ التربيةِ الناجِحةِ: التَّربيةَ بالحُبِّ والحَنان، وجَعْلَ العلاقَةِ بيْن الآباءِ والأبْناءِ علاقةَ مودَّةٍ وطُمأنِينَةٍ وسَلام.
لا تَخْجلْ من التَّعبيرِ عن حُبِّك لأبنْائِك بالقوْلِ والاحْتِضان، وتَقبِيلِ الصِّغارِ مِنهم، والمسْحِ على رأْسِهم ومَسْكِ الأيْدي، واستِعْمالِ عباراتٍ ودُودةٍ لطِيفَة، ونَظراتٍ حنُونَةٍ دافِئة، وجعْلِهم يَشعُرون بسَلامٍ واطمِئْنانٍ في حُضورِك.
وعن طريقِ هذه المحبَّةِ والمودَّةِ، ستَكُونُ تَوجِيهاتُك التَّربَويَّةُ أكثرَ عُمقًا وتأثِيرًا، وسيكون الأبناءُ أكثرَ إصْغاءً وسعْيًا لإرْضاءِ الوالديْن، وتَعيشُ الأسرةُ في بهْجةٍ وسَعادَة.

المفتاحُ الخامس: نَجاحُ العلاقَةِ الزوجيَّة

تُؤثِّرُ العلاقةُ بين الزوْجيْن على تربيَّةِ الأبناءِ إيجابًا وسلْبا؛ فإن كانتْ علاقَتُكما أيُّها الزوْجانِ الكريمانِ طيِّبةً ناجحة، فسَيَنْعَكِسُ ذلك على الأبناءِ إِيجابًا، ويَجعلُ تربيَّتَهم أسْهلَ وأكثرَ إرْضاء، وأمَّا في حالةِ وجود خلافاتٍ زوْجيَّةٍ كثيرَة، وتَفاقُمِ المشاكِل داخلَ البيْت، فإن ذلك سيُؤَثِّرُ على الأبناءِ سلْبًا، ويَجعلُ تَربيَّتَهم أصْعَب، ويَجرُّهم إلى العديدِ من المشاكِلِ النفسِيَّةِ والانْحرافاتِ الخُلُقِيَّة.

فعلى الزوجيْنِ أن يَبْذُلا كلَّ ما في وُسْعِهما لجعْلِ علاقَتِهما ناجِحة، والاتِّفاقِ على أهَمِّ النقاطِ في تَربيَّةِ الأبْناء، وتوْحيدِ أهدافِهما في الحياة، وتَقريبِ وِجْهاتِ النَّظرِ بيْنهما، مع ضَرورَةِ التَّصالُحِ مع الذَّاتِ أوَّلا، ثم مُصارَحَةِ الطَّرفِ الآخرِ والاعْتذارِ له عن أخْطائِك، والتَّجاوُزِ عن تَقصِيرِه وعُيوبِه، من أجلِ بدْءِ مرْحلةٍ جديدةٍ تكونُ أكثرَ سعادةً ومودَّة، وسَيكُون لهذا الأمْرِ آثارٌ كبيرَةٌ على تربيةِ الأبْناء؛ لأن نجاحَ الزوجيْنِ في علاقَتِهما، يُعتَبَرُ مِفتاحًا رئيسِيًّا في تربيةِ الأبناءِ تربيةً ناجحةً ومتميِّزَة.

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى