د.رجب العويسي يكتب: الفاقد الإحصائي في تسجيل طلبة الصف الأول وتوسيع الخيارات المرنة

 

د. رجب بن علي العويسي- خبير الدراسات التعليمية والاجتماعية في مجلس الدولة

أصدرت وزارة التربية والتعليم  تعميما للمديريات العامة للتربية والتعليم بالمحافظات بتاريخ 21/ 4/ 2021 حول تكثيف  الحملة  التوعوية لتسجيل طلبة الصف الأول للعام الدراسي 2021/2022، وحث المجتمع على  ضرورة تسجيل أبنائهم  من مواليد الفترة 1/9/ 2014 إلى 31/12/2015   قبل انتهاء المدة التي حددتها الوزارة للتسجيل 28/4/2021، نظرا لما يظهر من فاقد إحصائي كبير بين  العدد المتوقع من الطلبة المسجلين في الصف الأول للعام الدراسي 2021 / 2022 وبين ما هو حاصل بالفعل  من قوائم المسجلين بالبوابة التعليمية، ووجهت  إدارات  المدارس إلى  ضرورة البث  في الطلبات الواردة  في صندوق المهام بالبوابة عبر التواصل مع أرقام  الهواتف المسجلة  بالطلب الآلي  لاستكمال إجراءات التسجيل.

ولمّا كان الأمر في الأساس مرتبطًا بضعف شبكة الإنترنت وتدني كفاءة البرنامج المعد لهذا الغرض، في ظل محاولات أولياء الأمور المتكررة التي لم تفلح بسبب ما أشرنا إليه أو غيره في تسجيل أبنائهم فور إعلان الوزارة عن بدء قبول تسجيل طلبة الصف الأول في مراحله الأولى، وعدم قدرة أولياء الأمور على التعاطي مع هذا الوضع في ظل اختفاء وجود الداعم لهم في التعامل مع الإجراءات المرتبطة بالتسجيل، فإن الأمر يستدعي اليوم توفير المزيد من الخيارات المرنة لأولياء الأمور وأفراد المجتمع المستهدفين في تسجيل أبنائهم، وعبر قوائم التسجيل العادية، وذلك بأن يتم توجيه المدارس إلى فتح ملفات للطلبة المستجدين  وقبولهم وأن يعاد النظر في عملية التسجيل الآلية في البوابة  التعليمية ومنصة المنظرة ليكون التسجيل المبدئي  يدويا في كل مدارس الحلقة الأولى بمختلف المحافظات، بحيث ترسل الكشوف بعد استكمالها للمديريات للمراجعة والمطابقة وإدخالها بواسطة تقنية المعلومات بكل مديرية عن طريق متطوعين من التعليم والمجتمع المحلي، لمحاولة تجميع العدد المتوقع من الفاقد، والتقليل من حجم الإجراءات والخطوات المعقدة التي يواجهها ولي الأمر المستهدف من الحملة في تسجيل ابنه، مع الأخذ في الاعتبار الاستفادة من أرقام  الهواتف المسجلة  بالطلب الآلي الواردة من الوزارة لاستكمال إجراءات التسجيل، هذا الأمر من شأنه أن يقلل من الفاقد الإحصائي، وفي الوقت نفسه يمنح أولياء الأمور أريحية أكبر في تسجيل أبنائهم، ومراعاة أحوالهم وظروفهم النفسية والمادي الناتجة عن وجود أسر معسرة وأخرى من ذوي الدخل المحدود،  التي قد لا تمتلك السيولة المالية التي  تستطيع من خلالها توفير اشتراكات الإنترنت لأبنائها، بل قد لا تتوفر شبكة إنترنت واتصالات في الكثير من الولايات والمناطق القريبة والبعيدة على حد سواء ، بالإضافة إلى أن هذا التوجه سوف يعزز من تكاتف المجتمع وتعاطيه الواعي مع توجهات الوزارة وقبوله بهذا التوجه ليسهم بدور في تبني مبادرات مجتمعية تطوعية قادمة لمساعدة المدارس في عملية تسجيل هذه القوائم وإدخالها في نظام البوابة التعليمة، فالأولوية اليوم  لاستيعاب كل  الطلبة المتوقع تسجيلهم في الصفوف الأول للعام 2021/2022، وعدم تحقيقه في ظل هذا الخيار سيظل الفاقد ملازما له في الفترة القادمة، وستكتشف وزارة التربية والتعليم  بعد بدء العام الدراسي  القادم كما هو ملاحظ في السنوات الماضية، بأن هناك المئات من الطلبة غير المسجلين لدى الوزارة والذين تنطبق عليهم شروط الالتحاق، ناهيك عن تردد الكثير من أولياء الأمور على المدارس لتسجيل أبنائهم.

عليه ندرك جميعا بأننا نعيش مرحلة استثنائية، تتطلب توفير البدائل وصناعة تعددية أوسع في الخيارات المطروحة، والإبقاء على خيار واحد والزام أولياء الأمور به  لن يكون في صالح التعليم ولن يوفر  للوزارة التوقعات التي تبني عليها الآمال وتضع على أثرها الخطط والاستراتيجيات والتشكيلات المدرسية، فمع قليل من التنازلات، المصحوبة بالجدية في التغيير، والاجتهاد في توليد البدائل وإعادة دراسة الواقع ، وفتح الآفاق للمجتمع في قدرته على مساعدة الوزارة في هذا الجانب، سوف يقدم صورة تكاملية قادمة تتجه إلى استشعار أهمية مبادرة أولياء الأمور في تسجيل أبنائهم وفق الإمكانات المتاحة والظروف الداعمة، لذلك لا أهمية من تنفيذ إجراءات التسجيل عبر البوابة ومنصة المنظرة، ما دامت المشكلة قائمة، والتعاطي المندفع معها، أو الزام المدارس بأن تتم الإجراءات عبر البوابة والمنصة، لن يحقق أولوية الوزارة في سد الفجوة وتسجيل الطلبة المستهدفين في المدارس، مما يعني أن على الوزارة أن تتبني نُهُج اكثر مهنية  وسلاسة في التعاطي مع هذا الوضع، وتدرك مسببات عدم استجابة النظام ذاته في البوابة ومنصة المنظرة لطلبات التسجيل، أو التعقيدات التي يواجهها ولي الأمر في دخوله للنظام، والإجراءات المتعددة التي عليه ان يتعامل معها.

أخيرًا فإن الحل في رحم المشكلة ذاتها، وهي قريبة المنال وغير مكلفة، نعم ندرك بأنها تحتاج إلى جهد قادم من الوزارة وعمل مضنٍ من مدخلي البيانات بالمدارس، ومع ذلك ندرك  أيضا أهميتها في التقليل من مخاطر بقاء الفجوة قائمة، لما لذلك من اثار سلبية على منظومة التعليم وعمل المدارس والتشكيلات القادمة وعملية التمدرس، والبرامج، وتوفير المعلمين والشعب، واعداد الطلبة في الصفوف، غير أننا ندرك أيضا حجم الصعوبات والتحديات عندما تأتي قائمة الاستدراكات والاستثناءات تباعا  بعد بدء العام الدراسي ، لذلك فإن أخف الضررين، إنما يكمن في توسيع الخيارات المرنة التي ستفتح المجال لأولياء الأمور في تعليم أبنائهم وتسجيلهم في قوائم معلومة من المدارس، إننا نثق بأن الجميع مدرك بأهمية تعليم ابنه، والمجتمع العماني  يمتلك اليوم من الوعي والإرادة وإدراك قيمة التعلم في حياة الأجيال ما يغنينا عن التبرير والتدليل، ولن يقف أيّ ولي أمر أيا كان موقعه في السهل والجبل والجزر والأودية، حجر عثره امام تعلم ابنه، لذلك تبقى المسألة بحاجة إلى معالجات تتناغم مع طبيعة الظروف ومجريات الواقع  التعليمي وتستجيب لما يعايشه ولي الأمر من ضغوطات نفسية في تعاطيه مع التعليم عن بعد والتحديات التي رافقت تطبيقه، لتشكل بدورها مدخلات لقراءة الواقع  فوق العادة بصورة أكثر ابتكارية، وتصنع من خيارات الواقع المرنة مساحة أمان لتكاتف الجهود وتقاسم المسؤوليات واستشعار أهمية الموضوع في ظل مبررات واقعية وحقائق ماثلة أصبحت شاهد اثبات على وعي المواطن العماني وحرصة على تعليم ابنه، فهل ستعيد وزارة التربية والتعليم قراءة هذا الملف من جديد وفق ظروف الواقع، أم سيظل كما كان قبل جائحة كوفيد19؟.

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى