د.رجب العويسي يكتب: نحو تقييم تجربة التعليم عن بعد في الصفوف الأولى من التعليم الأساسي

د. رجب بن علي العويسي- خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية في مجلس الدولة

مع قرب انتهاء العام الدراسي 2020/ 2021 للصفوف الأولى من التعليم الأساسي، وتجربة نظام التعليم عن بعد الذي شكل مسار عمل هذه المرحلة في هذا العام في ظل انحسار فرص تحقق التعليم المدمج، وحجم التحديات التي ما زالت تواجه الطلبة في هذا النظام سواء من حيث العائد التعليمي المتحقق لهم، أو وقت التمدرس اليومي للطالب وما عليه من ملاحظات وإشكالات، وموقع الطالب من العملية التعليمية، ودور المعلم وتبنّيه لطرائق مختلفة تسهل فهم الطلبة ومشاركتهم فيه، وتراعي مبدأ الفروق الفرية الحاصلة بين الطلبة، ثم مستوى العدالة المتحققة للطلبة في مشاركتهم في الحصة الدراسية، وحالة عدم التنظيم والضبطية التي تواجهها بعض المدارس حتى فترة متأخرة من العام الدراسي، وإشكاليات أخرى تتعلق بالمحتوى التعليمي ذاته، والمعلومات التي يتعلمها الطلبة في ظل غياب أحداث هذه الجائحة عن المناهج الدراسية، والظروف الاقتصادية التي تعيشها الكثير من الاسر في ظل الاحتياج لشبكة الانترنت وانقطاع الشبكة المستمر، والفاقد التعليمي المتحقق والهدر الحاصل في تعلم الطلبة الناتج عن دور الطلب المتلقي في ظل تدني مستوى التفاعل بين المعلم والطلبة، ناهيك عن عقدة المشاريع والواجبات البيتية التي يتكفل في غالب الأحيان بها ولي الأمر أو الأمهات على وجه الخصوص والتوسع في الحصص غير المتزامنة، وقلة الرجع المتحقق حول إنجازات الطلبة، ، والضغوط النفسية التي يعانيها الطلبة من أسلوب التعليم وفق نظام التعليم عن بعد في ظل الافتقار إلى مساحة المرونة والمشاركة والتفاعل وخيوط التناغم الحسي والشعور الذاتي والافتقار إلى مشاعر الاحتواء ومساحة التعزيز المباشرة وحس التواصل مع المعلم التي يفتقدها طلبة التعليم الأساسي وبشكل خاص الصفوف من ( 1-4) ، والهاجس السلبي الذي أوجدته فجوة التواصل المباشر خاصة في ظل طبيعة المرحلة العمرية للطلبة، ومشاعرهم النفسية واحتياجهم إلى وجود المعلم المباشر الذي يقرا فيه الطلبة مساحة جديدة للعيش خارج الاسرة وبدء التواصل الرسمي مع المؤسسة التعليمية.


هذا الامر يأتي في ظل ارتفاع نسبة الفاقد التعليمي وما يظهره خروج الطلبة من إطار المنصة في ظل إشكاليات الهدر ومساحة التحجيم، وعدم قدرتها على سبر أعماق الطالب واحتوائه، أو مساعدته في التفكير خارج صندوق المنصة وتأصيل فقه الابتكار لديه، حتى أصبح مسار الطلبة فيه قائم على الاتكالية وسلبية التعاطي مع الموقف بل الاحجام الحاصل لدى الطلبة عن الدخول في المنصة وعدم رغبة الكثير منهم في التعلم من خلالها في ظل منحى التقليدية والسلبية وفجوة الاتصال القائم على التعلم أحادي المسار ، مما أدى إلى خروج الطلبة إلى اكتشاف عالم التقنية ومحتويات هذه الأجهزة وعبر الدخول لمنصات اليوتيوب والتيك توك والألعاب الالكترونية وغيرها، في ظل افتقار المنصة لمحتوى تعليمي مثري، وقادر على احتواء الطلبة وخلق روح التغيير لديهم، أو وجود محتوى تعليمي توعوي تثقيفي يستخدم طرائق تعليمية مختلفة، وفنون إعلامية متنوعة، ليصنع الطالب من خلالها شخصيته ويبني ذاته ويتيح له التنقل إلى المواقع الأكثر اقترابا منه أو تفاعلا معه، أو ينقل الطلبة من خلال المنصة إلى مواقع مختارة وأكثر أمانا وارتباطا بالمرحلة العمرية التي يعيشها الطلبة؛ ومع كل ما أشرنا إلى بعضه لا ننكر حجم الاستفادة التي تحققت للطلبة من هذا التعليم في بناء ثقافة الطلبة الالكترونية، والتعرف على تفاصيل التعليم عبر المنصات الرقمية، وما فتحته من آفاق أوسع في استخدام البوابة التعليمية والدخول إلى المنصة والمنظرة، إنها بحق اتجهت بالتعليم إلى خارج الأسوار المغلقة وأعطت للفضاء الوني الواسع فرص أكبر في تشكيل البناء الفكري للطالب، غير أن النجاح في هذه المخاطرات بحاجة إلى المزيد من التشخيص لما ذكرنا والوقوف على ما أشرنا إليه لتعليم أكثر جودة ونضجا.

عليه تحمل هذه المفارقات الحاصلة في نظام التعليم عن بعد – كمسار استثنائي فرضته جائحة كورونا ( كوفيد19) معطيات كثيرة، وأحداث متعددة، ومواقف متجددة، ووقفات تستجلي الواقع، بحيث تتجه جهود وزارة التربية والتعليم مشكورة في الفترة المقبلة إلى تقييم هذا المسار التعليمي، وتبني الأدوات الناضجة الفاعلة المتكاملة القادرة على تشخيصه وتوفير البيانات حوله، وإنتاج المعرفة التي توفر صورة متكاملة عن هذا التعليم بالسلطنة، ومستوى الاستفادة منه لطلبة الصفوف الأولى (1-4)، وعبر مسوحات مبتكرة، تأخذ في الاعتبار تحليل أدوات التقييم والياته المستخدمة من قبل إدارات المدارس والمشرفين والمعلمين الأوائل، ومن خلال الاطلاع على انجاز المعلم وتحليل منظومة الأداء والحافز والدافعية لديه ومستوى الاهتمام الذي يتملكه، ثم الطالب ذاته من خلال توفير الأدوات التي تشخص الحالة، وتصف المشكلة، وتقيس مستوى الناتج المتحقق، وتدخل في عمق شخصية الطالب ذاته، وتتيح له فرص التعبير عن رأيه، ثم ولي الأمر والأمهات بشكل أخص، كونه المتابع والمقيم لنظام التعليم عن بعد والمشخص له في سلوك الطالب وقناعاته، وبالتالي أن تأخذ عملية التقييم في الحسبان جملة واسعة من المتغيرات التي تشخص السلوك التعليمي وتستشرف أبعاده النفسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية والمهارية وجملة المشاعر المرتبطة بنظام التعليم عن بعد، ذلك أن من شأن هذا التقييم أن يوفر أطر تصحيحية قادمة لإعادة هيكلة التعليم عن بعد في ظل طبيعة المرحلة، والظروف التي يعيشها الطلبة، بما يستدعيه ذلك من إشراك ذوي الاختصاص بالسلوك الاجتماعي والنفسي وغيره لبناء أدوات قادرة على تحقيق الاستجابة ،وتتكيف مع طبيعة المرحلة الدراسية والعمرية للطلبة ، ويجد فيها الطلبة مساحة أمان لهم في الإفصاح عن واقعهم التعليمي، لضمان إعادة تصحيح مسار التعليم عن بعد، والوقوف على حجم التحديات والاشكاليات التي تواجه نجاحه، والممارسة غير المسؤولة أحيانا التي بات يرسمها سلوك المنظومة التعليمية في طريقة نقل هذا النظام إلى الطلبة في الصفوف الأولى، والصورة القاتمة لها على مستقبل الطلبة ودافعيتهم نحو التعلم.

من هنا وفي ظل استمرارية هذه الجائحة أو التوقعات المرتبطة بالمسار التعليمي الذي يحتاجه طلبة الصفوف الأولى(1-4) لما بعد كوفيد 19، تأتي أهمية استجلاء هذه الصورة من واقع تعلم الطلبة، ونتائج المراجعة والتقييم له، سواء بإضافة أو تعديل أو تصحيح أو تطوير أو تحسين أو الغاء الممارسات المتكلّفة حوله أو تقليص حجم المشروعات وتقنينها وإعادة هندسة عمليات التعلم الداخلية، وطرائق التدريس المعتمدة، ونظم المتابعة والتشخيص والتقييم لطلبة الصفوف (1-4).

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى