د.رجب العويسي يكتب: التنويع في المسارات التعليمية وخيار السهل الممتنع

د. رجب بن علي العويسي

استكمالا لما بدأنا به في مقالنا السابق، والتوجيهات السامية لمولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق لمجلس الوزراء بـ “ضرورة الإسراع في اتخاذ الإجراءات اللازمة لتحليل الاحتياجات والمتطلبات الضرورية لتطبيق التعليم التقني والمهني في التعليم ما بعد الأساسي”،  نشير إلى أنه مع بدء تطبيق الخطة الدراسية للتعليم ما بعد الأساسي في العام الدراسي 2004/ 2005، تبنت وزارة التربية والتعليم آنذاك، فكرة تنويع المسارات كامتداد للتطوير الحاصل في التعليم الأساسي، وعملت في سبيل ذلك على بناء إطار عمل وطني للتعليم ما بعد الأساسي (الثانوي) بشراكة مجتمعية متكاملة من القطاع الحكومي والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني وكل الفاعلين في المنظومة، تم تضمينه ضمن رؤية التعليم ما بعد الأساسي والتي كانت في أساسها قائمة على مسار المواءمة بين التعليم وسوق العمل، وإعداد مخرجات وطنية لها حضورها في سوق العمل الوطني، وتعزيز مسار التنويع  في المسارات التعليمية كمرحلة لاحقة مستفيدة من الصيغ المطروحة  عالميا في  التعليم ما بعد الأساسي.

واتجهت الوزارة في سبيل تحقيق هذا التوجه القائم على تقليل الفجوة وتقريب صورة بناء المسارات في حياة الطلبة، إلى جملة من الموجهات وخطوات العمل التنفيذية، فمن جهة عملت على تعزيز الوعي الاجتماعي، وذلك بعقد سلسلة من الندوات واللقاءات والمؤتمرات الدولية بمشاركة المؤسسات التعليمية الدولية كاليونسكو وغيرها، بهدف تسليط الضوء  على أفضل الممارسات التعليمية حول العالم في النظم التعليمية الأكثر تطورا آنذاك، بالإضافة الى جملة الدراسات الاستشارية والتقييمية التي تم تنفيذها في هذا الشأن ومنها  الدراسة التي نفذها مركز المعلمين البريطاني في عام 2002  حول تطوير التعليم  في الصفين الحادي والثاني عشر، وارتبط بتعزيز الوعي المجتمعي بالخطة الدراسية، والتنويع في المسارات، التهيئة الفكرية والنفسية للعاملين في التعليم، بتوظيف اصداراتها المتعددة في إثراء التجربة ، مثل مجلة رسالة التربية، ودورية التطوير التربوي، ونافذة تربوية، وغيرها من الملاحق والاصدارات المتسمرة التي جندت لها المتخصصين والأكاديميين وأصحاب التجارب والخبرات والمبادرات الجادة بالإضافة إلى المعلمين وادارات المدارس وغيرهم.

ومن جهة أخرى شكل الاطلاع على التجارب الدولية  في التنويع في المسارات والخطة الدراسية للتعليم ما بعد الأساسي، مرحلة متقدمة رسمت معالم الطريق للعمل المنهجي القادم، ومثلت الزيارات الميدانية الخارجية، والتجارب التنفيذية العملية والميدانية حول العالم التي اطلعت عليها الوزارة سواء من خلال المشاركة في المؤتمرات الدولية أو الزيارات الرسمية للمسؤولين بالوزارة آنذاك، مثل تجربة سنغافورة، وماليزيا، والصين، وأوزبكستان، أو كذلك اللقاءات التي تمت مع مسولين عن التعليم ما بعد الأساسي ( الثانوي)   في كوريا الجنوبية ، والزيارات والمتابعات التي تمت للتعليم في المملكة المتحدة وأسكوتلندا وألمانيا وروسيا البيضاء وفنلندا وأستراليا وغيرها، فرصة للوزارة للمقارنة وتحديد جوانب القوة وأولويات التطوير في هذه النماذج المطروحة حول التعليم ما بعد الأساسي ، بما يتناغم مع خصوصية السلطنة والبعد الثقافي الذي تتعايش معه هذه التجارب والبيئات الحاضنة لها، ومستوى تفاعلات المجتمع المحلي معها.

لقد تدرجت الوزارة  في بناء الخطة الدراسية للصفين (11، 12) والمواد التي طرحتها في تلك الفترة، فبدأت بإلغاء التشعيب  العلمي والادبي ، وإلغاء المراحل التعليمية الثلاث الابتدائي والاعدادي والثانوي  بمسمى التعليم العام للصفوف  من الأول وحتى  الثاني  عشر ، في إطار التقريب  بين مخرجات  التعليم الأساسي  والتعليم غير المطور،  واستشعرت الوزارة بهذا التوجه تأكيد مبدأ الزامية التعليم حتى الصف الثاني عشر ، حيث تم تطبيق الخطة الدراسية  للصفين الحادي عشر والثاني عشر في مرحلتها الأولى كتهيئة قبلية لاستقراء فقه المجتمع حول تعليم المسارات، من خلال طرح مواد أساسية واختيارية، راعت الإمكانات  المتوفرة  لدى المدارس، مستهدفة بذلك تغيير قناعات الطلبة واهتماماتهم وتوجهاتهم  نحو دراسة المواد العلمية- التحدي الأكبر في ظل اتجاه الطلبة إلى التخصصات ألأدبية والإنسانية- ، كما تبع ذلك اصدار جملة من المنشورات التوعوية والتثقيفية  والتوجيهية  بما يضمن كفاءة وفاعلية خيارات الطلبة، وعززت الوزارة هذا التوجه  بتقييم الخطة الدراسية  للصفين الحادي والثاني عشر من خلال بيت خبرة ماليزي  في العامين 2008 و2009 والتي جاءت خلاصتها  في أهمية تطوير المواد  الدراسية في  الصفين الحادي والثاني عشر  وفق المسارات الاكاديمية والتقنية والمهنية  اتساقا مع التوجهات العالمية الحديثة ، وبما يتوافق  وميول الطلبة ورغباتهم والاتجاهات  المهنية لديهم لضمان  توجيه مخرجات الدبلوم العام الى سوق العمل، وهو الأمر الذي جاءت دراسة البنك الدولي “الطريق إلى الجودة” في عام 2011 لتأكيده.

وتبقى الإشارة إلى أن تطوير التعليم ما بعد الأساسي، وما تضمنته  الخطة الدراسية الجديدة لهذه المرحلة من مساقات تخصصية  ومواد تعليمية  تستحضر في أولوياتها الجانب المهني والفني والتقني في حياة المتعلم ، أعطى الوزارة جدية الاهتمام  بوضع تصور مبدئي  متكامل لمضامين فلسفة التنويع في المسارات التعليمية  وأهدافها  العامة، وخارطة  طريق قادمة لتطبيق برامجها  ومناهجها، حيث تم الانتهاء من صياغة إطاره العام آنذاك؛ إلا أن الثقافة المضادة والتدخلات  الأخرى قد حالت دون وضعه حيز التنفيذ ، فقد كان خيار الوزارة نحو التنويع في المسارات، السهل الممتنع لصناعة منتج تعليمي قادر على رسم ملامح المستقبل ويمتلك من المهارات والقدرات والاستعدادات ما يصنع لحضوره قوة ، وهو الامر الذي يفترض أن تتجه إليه الوزارة في السنوات العشر المنصرمة وعبر تعميق حضور التنويع في المسارات التعليمية- الأمر الذي لم يحصل-.
أخيرا فإن نجاح المسارات التعليمية يتطلب تناسق أنواع التعليم الأكاديمي والتقني والمهني والعالي  بكل برامجها  وتخصصاتها مع  متطلبات  سوق العمل المتغيرة، وتكييف  برامج المسارات  التقنية والمهنية  وفقا لواقعنا الاقتصادي  ومتطلبات رؤية عمان 2040 ، وأن يتم تحديد  البرامج التدريبية المتخصصة المطلوبة  في كل مرحلة ليسهل  بناء مسارات  التعليم التقني والمهني، منعا من الهدر والفاقد التعليمي الحاصل، والتكدس  في تخصصات لا يحتاجها سوق العمل، ويبقى صدق الاعتراف بما عملت الوزارة على استكماله والاستباقية في طرحه منذ ما يزيد عن خمسة عشر عاما، حول المسارات التعليمية، والانموذج الجاهز في وثائق الوزارة وإصداراتها الذي يتوافق مع الرؤية والخصوصية للعمانية، كمرحلة متقدمة لوضع التوجيهات السامية بشأن التعليم التقني والمهني موضع التنفيذ، محطة اختبار للمصداقية والأمانة والمسؤولية الأخلاقية التي تحملها في الإفصاح عن هذا الجهد، والفخر بالانطلاقة منه، وتعريف الراي العام به، وعدم الاستئثار به لذاته ، فهو الطريق الذي سيمنح التوجهات قوة ، والعمل إخلاصا ومهنية.

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى