محمد الوهيبي يكتب عن غافة السفارة في روي

محمد بن علي الوهيبي-كاتب مقالات عماني

يقال إن ارتفاع شجر الغاف يمكن أن يصل إلى 28 متراً، وينمو الغاف عادة في السهول والكثبان الرمليّة وعلى حواف الأودية، ويُذكر أن عروق هذه الأشجار يمكنها أن تصل في أعماق الأرض إلى 25 مترًا، ولأوراقها استخدامات طبّية.

اكتسب هذا الشجر المعمر مكانته المميزة عندما كان يوفر الظل للإنسان ومختلف الأحياء البرية وكذلك الحيوانات الأليفة خاصة في شهور الصيف الحارقة، وكان هذا النبات مصدر غذاء ودواء للإنسان، كما استخدم فيما مضى في بناء البيوت، وحظائر الماشية، واستخدمت أغصانه اليابسة كحطب للطهي والشواء. وللغاف قدرة عجيبة على التأقلم مع الأماكن التي ينبت فيها.

ما سبق كان مقدمة لا بد منها رغم علمي المسبق أن معظمكم يفترض أن يعرف شجر الغاف الذي ينمو غالبًا قريبا من كل البيوت العمانية.

وسأكتب هنا عن غافة تعرفنا ونعرفها، أتكلم تحديدًا عن غافة السفارة الألمانية، حيث كان موقع هذه السفارة في روي، وبالتحديد بعد مستشفى النهضة على يمين الشارع للمتجهين إلى دوار الحمرية، وبطبيعة الحال كانت هذه الغافة داخل السور الذي يضم السفارة، وظلت السفارة في هذا المكان لمدة زمنية تقارب 45 عاما، قبل أن تنتقل قبل حوالي عامين إلى مقرها الجديد بالخوير.

أما قبل وجود السفارة الألمانية في هذا المكان فكانت هذه الغافة تقع في نطاق ما يسمى قديمًا في روي بمنطقة طوي المتعة، وفيما مضى كانت هذه الغافة تقف في هذا المكان بدون سور يحجبها عن المارة على درب العابرين، وبجوارها تصطف النخيل، وبقية أشجار طوي المتعة ومزروعاتها، وتُعد هذه المنطقة المحطة الأولى في روي بعد عبور القادمين (بوابة المعوشري) التي كان موقعها قبل مستشفى النهضة، وبعد ما يُعرف حاليا بدوار وادي عدي.

وكان يلوذ بهذه الغافة كل من صهرتهم شموس النهارات الحارقة عبر الدروب المضنية التي سلكوها سواء على ظهور دوابهم أو مشيًا على الأقدام بعد خروجهم من قراهم البعيدة متجهين إلى مطرح.

وتحتفظ هذه الغافة بحكايات كثيرة عن المارة والتغيرات التي طرأت على المكان، فهي تتذكر بحزن كبير حكاية الفتاة الصغيرة التي لفظت أنفاسها الأخيرة تحت ظلها في رحلة استِشفاء لم تكتمل إلى الحكيم أو الطبيب (طومس) في مطرح، وكان ذلك حين قرر والداها الذهاب بها إلى هذا الطبيب الذي ذاع صيته لعلاجها من المرض الذي قاست منه الأمرين، وعجزت أمام شدته كل الأعشاب والأدوية الشعبية المعروفة في ذلك الوقت، ولكن القدر لم يُمهل جسدها المنهك بالمرض لتلقي العلاج، ويبدو أن الرحلة الشاقة فاقمت المرض وأوصلت الفتاة إلى محطتها الأخيرة في هذه الحياة الفانية تحت هذه الغافة، ويقال إن الفتاة دفنت مقابل الغافة في الجانب الثاني من الشارع داخل سور مصلى العيد لأهالي روي، والذي يضم أيضًا بين جنباته مقبرة لموتى المسلمين.

وكم جلس تحت هذه الغافة أشخاص قصدوا مطرح لعرض بضاعتهم بعد أخذ الضريبة المحسوبة عليهم من (بوابة المعوشري)، وجلسوا هناك لجرد الخسارات التي لحقت بهم بعد دفع الضريبة خصمًا من بضاعتهم الهزيلة تلك، وكانت بضاعتهم عبارة عن تمر أو سمن أو بيض وغيرها مما تيسر من منتجات مزارعهم ومراعيهم بقصد بيعها والعودة إلى قراهم بالربح اليسير لعله يكفي لاحتياجات بيوتهم من مؤونة شحيحة.

مضت على الغافة تلك السنون لكنها بقيت شامخة أمام كبرياء الريح، وكم هي باذخة هذه الغافة الآن حين تقف وحيدة بين بنايات الإسمنت العالية، وخضراء إلى ما لا نهاية، ولطيفة بانحناءاتها الودودة، تسكُب من حنانها على كل من يلوذ بها.

وكم شاركت هذه الغافة العابرين خساراتهم وأحزانهم، وسعادتهم وأفراحهم.

لكنها تقف الآن وحيدة في عزلتها على مفترق طرق الأشواق داخل الجدران العارية بلا متعة ولا مؤانسة، تتدثر بهالة الصمت لتبقى شاهدة على مفردات وكائنات الحياة بكل تقلباتها.

سلامًا أيتها الغافة المنغرسة في عروق القلب، سلامًا أيتها الصبورة سلامًا.

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى