كيف يدعم التعليم المجتمع اقتصاديا؟

د. رجب بن علي العويسي- خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية
في مجلس الدولة

يلقي ارتفاع معدلات الخوف والقلق حول الحياة والمستقبل لدى أبناء المجتمع، وتزايد حجم التراكمات النفسية والفكرية والتحديات الاجتماعية والاقتصادية، في ظل ما فرضته جائحة كوفيد 19، وما نتج عنها من تأثيرات كبيرة على المنظومة الاقتصادية الوطنية، والإجراءات الاقتصادية الجديدة التي اتخذتها الحكومة في تقليل العجز المالي، والتي أضافت بدورها تعقيدات أكثر على ملف الباحثين عن عمل والمسرحين من القطاع الخاص وقطاعات التشغيل والتوظيف والهاجس المجتمعي من تقليل أعداد البعثات الخارجية في ظل ارتفاع وتيرة المخرجات التي باتت تبحث عن أمل لها بالتوظيف مع عجز المؤسسات المعنية عن اسدال الستار على هذه القضية وفتح آفاق أوسع للمخرجات للبحث في مناكب الحياة، يلقي على التعليم مسؤوليات متعاظمة في بناء اقتصاد المجتمعات ودعم المجتمع اقتصاديا، عبر تعزيز القيمة المضافة في مهارات مخرجاته، وإعادة انتاج تفاصيل المجتمع الاقتصادية الذاتية الكامنة في فقه أبنائه واستنهاضها من جديد في ظل مرحلة صعبة وظروف تتجه إلى التعقيد، وبالتالي دوره في تعزيز انتاج مبادرات المجتمع الاقتصادية كأحد حلول المواجهة والتعاطي مع نواتج الحالة الاقتصادية على حياة المواطن المعيشية، بما يضمن تنشيط حركة المجتمع الاقتصادية لبناء ثقافة اقتصاد وطني يجسد الهوية الوطنية ويؤسس لمرحلة متقدمة من الاستثمار في الرأسمال البشري الاجتماعي وتوجيهه نحو انتاج الحلول وصناعة البدائل التي تقلل من تأثيرات الحالة الاقتصادية.

وبالتالي ما يوفره التعليم من فرص انتاج سلوك اجتماعي جديد يستوعب الواقع الاقتصادي ويتفاعل معه، ويوقد شعلة الحماس ووهج العطاء وفرص المبادرة لدى أبنائه من خلال ترقية مهاراتهم، وصقل خبراتهم، وتجديد دوافعهم، وإدارة مواهبهم، وتقوية روح المسؤولية لديهم، وشغف البحث وحب التجريب والمخاطرة والاكتشاف فيؤصل فيهم نهج المبادرة الجادة، وحس المسؤولية الاجتماعية، وثقافة العمل التطوعي، لضمان إدارة كفؤة للواقع، وإنتاج الحلول وصناعة البدائل للوقوف على التحديات التي تواجهه في مختلف المجالات الاجتماعية والاقتصادية بأسلوب رصين وفكر متقد. مستفيدا من فرص الدعم المتاحة وخطة التحفيز الاقتصادي في انتاج المبادرات الاقتصادية للمواطن والتسويق لها، واستقطاب الخبرات والكفاءات الوطنية وتأسيس قاعدة اقتصادية عريضة تعزز من تنشيط حركة الاقتصاد الداخلي ودور المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وانتاجيه المناطق الصناعية وإنتاج الحلول الاقتصادية لمواجهة التحديات والظروف الاقتصادية وتداعياتها على حياة المواطن من جهة، والتثمير في الموارد الذاتية بالشكل الذي يصنع للمخرجات حضورها في عناصر الإنتاج وتحقيق الاكتفاء الذاتي في الموارد.

وعليه تصبح هذه الموجهات- إن عمل عليها التعليم بمهنية ووجه أولوياته وأهدافه وغاياته وممارساته إلى تحقيقها- واستطاع أن يسوق لهذه المبادرات والفرص ويحسن توجيهها ويستقطب اليات الدعم والمساندة لها، وتنشيط حضورها في فلسفته وأدواته ومناهجه وبرامجه وخططه واستراتيجياته؛ محطات لإنتاج قوة مجتمعية تحمل في ذاتها مسؤولية بناء اقتصاد وطني كفء، بما يحققه من فرص ونجاحات ويبنيه من آمال وطموحات تجسد أولويات الدولة وتحقيق رؤيتها ” عمان 2040″ الذي يضمن قدرة المجتمع على التعايش مع هذه الاحداث والتفاعل مع المعطيات بثقة وطمأنينة ويقين صادق بامتلاكه روح التغيير وقدرته على إعادة هندسة حياته اليومية لتتناغم مع ظروف الواقع من غير افراط أو تفريط، لذلك كانت قدرة التعليم في انتاج مبادرات المجتمع الاقتصادية مرهونة بحجم ما يكسبه من مهارات تتناغم مع الواقع وتكتسب حيويتها وأولويتها من الظروف المحيطة، فيصنع العامل الكفء الماهر، وصاحب المشروع الحذق، والمفكر والمبادر الجاد، والمتخصص والمهني وصاحب الموهبة، وهو مسؤول عن إعادة هندسة هذه الشخصيات وبناء قدراتها وتأسيس مهاراتها في سبيل انتاج مشروع حضاري يعتمد عليه المواطن في مستقبل أيامه. لذلك تجده ينظم وقته ويبذل قصارى جهده من أجل تحقيق انجاز يفخر به، ويوفر له سبل الحياة والعيش، ويعمل على إدارة هذه المبادرات وحسن توجيهها وتقنينها وضبطها وترقيتها وإعادة إنتاجها بطريقة أكثر استدامة وابتكارية تظهر في قدرتها على تحقيق المنافسة، وكلما استطاع التعليم فتح الآفاق العريضة لأبناء المجتمع وإحداث تمازج بين الخبرة والتجربة، وترقية مساحات الأمان النفسي لديهم والثقة بكفاءة ما يقدمونه من انجاز ويحتفلون به من عطاء، كلما كان ذلك منطلقا لهم للمزيد من الابتكارية والتجديد والإنتاجية.

من هنا فإن على التعليم أن يوجه بوصلة اهتمامه لدراسة هذه المعطيات والتعمق فيها، فيرتب أوضاعه، ويصحّح أدواته ، ويقف على أولوياته، ويجدد العزيمة والإرادة في مخرجاته، بقبول التغيير، واثبات بصمة حضور لهم فيه، وعبر توفير فرص التجريب والاكتشاف والبحث والتشخيص والتحليل مستفيدا من الجامعات والكليات والمدارس ومراكز البحوث العلمية المتخصصة في جامعة السلطان قابوس أو تلك المنتشرة في مؤسسات التعليم العالي على مستوى محافظات السلطنة، ونزولها للميدان واكتشافها الحلول للمشكلات والاوبئة والأمراض، والتحديات المرتبطة بالواقع الاجتماعي، وحفز الشباب وتمكينهم من إتقان تحديد مشروع المستقبل ،وامتلاك مهارات الاحترافية في إدارته، والانطلاقة الجادة إلى اكتشاف الموارد الاقتصادية والسياحية والطبيعية والبيئية المتاحة والتثمير فيها.

ويبقى خيار التعليم في دعم المجتمع اقتصاديا مرهون بقدرته على انتاج مواطن المرحلة بما يحمله من أبجديات الاقتصاد ومفاهيمه، وأدوات بناء المشروع وإدارته، وتأطير السلوك الاستهلاكي والثقافة الشرائية، وحسن إدارة موارده الذاتية وخبراته، والتسويق لمهاراته وترقية سلوك الادخار لديه، وتصحيح المفاهيم التي ما زال يبثها حول مستقبل الأجيال، خاصة ما يتعلق منها بالشهادة العلمية والمراحل الدراسية والأفكار التقليدية التي يبنيها التعليم وللأسف الشديد في المتعلم حول مفهوم التفوق الدراسي وآلية اختيار الطالب المجيد، ويعمل على هندسة الافكار والعمليات التعليمية وثقافة التعليم والتعلم داخل صفوف المدارس وقاعات الجامعات ومختبرات مراكز البحوث بالشكل الذي يضمن انتاج مواطن قادر على امتلاك القوة المهارية والفكرية، وقوة الحجة والبرهان في التعاطي مع الحركات التحريضية من جهة أو تلك التي تحاول النيل من إنسانيته ومواطنته ووطنه، ويعزز من التفاعلات الداخلية والدافع الذاتي والحماس وشغف العطاء والإرادة والعزيمة في مخرجاته عبر انتاج الحلول الرصينة، وصناعة البدائل التي تتيح له فرص التجريب والبحث والانتقاء والاختيار، لإنتاج مبادرات اقتصادية متجددة تلبي طموحاته وتعكس شغفه، وتتكيف مع احتياجات المجتمع، وتسهم في التقليل من ردود الفعل حول الواقع الاقتصادي الذي يعايشه، والإجراءات الاقتصادية التي بدأت تنال من حق المواطن في الحياة والعيش والاستمتاع بالفرص.

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى