بالصور: متحف عُماني في وسط الصحراء

مسقط-أثير 

زاره ووثّق أركانه: د. محمد بن حمد العريمي

عندما دعاني الصديق الشاعر والمهتم بالتراث الشعبي جمعة بن مسعود السعيدي لمرافقته في زيارته لأحد أصدقائه من المهتمين بالأدب والتراث الشعبي وهو حميد بن صالح الحميدي “أبو هزّاع” في منزله بمنطقة “حمّة السرير”، وهي منطقة صحراوية تقع على الطريق إلى الداخل قليلًا ما بين مركز ولاية جعلان بني بو علي ونيابة الأشخرة وتتميز بجمال طبيعتها وهدوئها، لم يكن ليخطر على بالي وقتها أنها ستكون زيارة استثنائية، وأنني سأقف على كنز تاريخي يضمه ذلك المنزل يتمثل في متحفٍ مصغّر يحوي أنواعًا مختلفة من المقتنيات، وأن جلسة الشعر والأدب ستتحول إلى نقاشٍ عميق في التاريخ المحلي، وفي مفردات الأدوات المختلفة، فكانت فرصة للخروج بهذا التقرير، ولتعريف قرّاء “أثير” بأركانه وأهم ما يحتويه.

يعود تاريخ اهتمام أبو هزّاع الحميدي بهواية جمع التراثيات إلى حوالي 25 سنة خلت، وأغلبها مما خلفه آباؤه وأمهاته، وكان في بداية الأمر يقوم بجمعهنّ في بيته بمركز الولاية، ثم خصّص لهنّ غرفة في استراحته بمنطقة “حمّة السرير”، وبدأ في تنظيم هذا المتحف وتقسيمه إلى أركان بحيث يتضمن كل ركن عنوانًا معينًا.

أسلحة

هناك ركن خاص في المتحف المصغّر الذي أقامه المهتم بالتراثيات حميد بن صالح الحميدي، للأسلحة التقليدية، ومن بين الأسلحة الموجودة في ذلك الركن: الكنَد وهو نوع من البنادق القديمة، ومجموعة من السيوف، وشلفا قديمة وهي أداة حرب كانت تستخدم في الحروب القبلية المختلفة.

ومن بين الأسلحة الموجودة كذلك، (المنقل) وهي أداة كانت تستخدم في حالتي السلم والحرب؛ ففي أوقات السلم تستخدم في شراطة (جلادة) النخيل، أما في حالة الحرب فتستخدم كأداة مساعدة للخنجر، حيث إنه عندما تتركز نصلة الخنجر في جسم العدو يساعدها المنقل في الخروج بانسيابية.

كتب وصحف ومصاحف

كما يحوي المتحف المصغّر الذي أقامه حميد الحميدي مجموعة من الكتب، والمصاحف، والصحف العربية، بعضها تعرض لعوامل التلف المختلفة، ومن بين تلك المقتنيات الفكرية: أعداد من جريدة (البلاد) السعودية تعود لمنتصف الخمسينات من القرن العشرين، وعدد من مجلة (الحج) يعود لعام 1955، ومجموعة من الكتب الدينية، والمجلات الخليجية التي يحوي بعضها أخبارًا عن عمان خلال فترة الخمسينات الميلادية.

كما توجد بالمتحف نسخ بعضها متمزق بفعل عوامل البيئة المختلفة، من جريدة (الشورى) لصاحبها الصحفي الفلسطيني محمد بن علي الطاهر، التي كانت تصدر من القاهرة في العقد الثالث من القرن العشرين، ويبدو أنه كان هناك اهتمام في عمان بالحصول على نسخها بسبب تغطيتها للعديد من الأخبار والقضايا العمانية وقتها، وقد حصل الحميدي على هذه النسخ ضمن مقتنيات والده.

ومن بين المصاحف الموجودة بالمتحف نسخة من المصحف الذي كان السلطان قابوس بن سعيد – طيّب الله ثراه – قد أمر بطباعته على نفقته الخاصة في السبعينيات من القرن العشرين، في إطار اهتمامه المتواصل بالدين الإسلامي الحنيف وسبل الاهتمام به.

ملابس قديمة وأدوات زينة

خصّص صاحب المتحف والمهتم بالتراثيات حميد بن صالح الحميدي ركنّا خاصًا بالملابس القديمة وما يتعلق بها والتي كانت تستخدم في بيئته قديمًا، وأغلب هذه الملابس والأدوات هي من ضمن ما تركه أفراد الأسرة القريبون منه، ومن بين هذه الملابس: (الشابوك) وكان يستخدم لزينة النساء حيث كان يلبس على الرأس من بعد وضع الياس ( مادة عطرية طبيعية كانت النساء تضعها على الرأس) عليه.

ومن بين الملابس والأدوات القديمة التي يحتويها المتحف؛ المكحل ومنه نوع من الفضة والنحاس، وأمشاط خشبية، ومراش تستخدم في رش ماء الورد، وبعض أنواع الوزار المخيطة من البريسم، وعمائم من نوع الحيدري، وهو نوع كان يلبس قديمًا.

كما توجد أدوات زينة مختلفة كالمرايا الصغيرة، والحجول، والخلاخيل الفضية، التي تدل على اهتمام المرأة العمانية القديمة بالجمال والزينة مهما اختلفت البيئة المحلية. 

الهبّان

ومن بين المقتنيات الموجودة؛ (الهبّان) وهو أداة تصنع من الجلد، ويستخدم لحفظ حاجات الرجل المختلفة، والهبّان الموجود في هذا المتحف مصنوع من جلد الغزال.

أدوات منزلية

يحوي المتحف العديد من أدوات المنزل القديمة المختلفة، وجلّها مما تركته أسرة أبو هزّاع الحميدي، ونجد تنوعًا في هذه الأدوات ما بين أدوات طبخ كالقدور المتنوعة الأحجام، والدلال بأشكالها المختلفة، أو أدوات دق سواء كانت خاصة بدق وطحن المواد الغذائية أو مواد الزينة، وأدوات الاستسقاء أو حلب الأبقار كالقراب والسعون، أو أدوات تخزين وحمل الأغراض المنزلية، والميزان ذو الكفتين، وغيرها من الأدوات المتعددة الاستخدام.

كما نلاحظ تنوع المواد المستخدمة في صناعة تلك الأدوات ومصدرها، فهناك أدوات مصنوعة من النحاس أو (الصفر)، وهناك مواد أخرى خشبية، ومواد ثالثة مصنوعة من القاشياني، كما أن بعض هذه الأدوات من إنتاج البيئة المحلية، وبعضها مستورد وبخاصة أنواع معينة من الدلال، وأطقم الصحون والفناجين والأكواب ذات الأصل الهندي الصيني، وهناك نموذج لصحن مصنوع من القاشياني يعود تاريخه إلى عام 1954م.


نقود ومسكوكات

يحوي المتحف مجموعة من النقود القديمة التي كان بعضها يستخدم في ولاية جعلان بني بو علي قديمًا، كالغازي، والمحمّدي، والشاخة، وأنواع من البيَس المختلفة.

مقراب

ومن بين ما يحتويه المتحف المصغّر من أدوات؛ دوربين ( مقراب) يعود تاريخه إلى عام 1915، وهو من مقتنيات والده، وكان لهذا الدوربين أو المنظار أو المقراب استخدامات عديدة وبالأخص في المناطق الصحراوية حيث يستخدم في اكتشاف المنطقة وتأمينها، ومتابعة المراعي، كما يتم استخدامه في الرحلات البحرية، عدا الاستخدامات الأخرى المختلفة.

دلّة القلوب

من بين الأدوات التراثية الموجودة بالمتحف، دلّة قهوة تدعى بدلّة القلوب، وبحسب حميد الحميدي فإن هذه الدلّة مرتبطة بسنن العرب القديمة عند اللجوء إلى (الحوز) للفصل في بعض القضايا القبلية، فمن يشرب من هذه الدلّة تعد الأمور منتهية، وبمثابة قبول الحكم الصادر من صاحب الحوز.

نيزك

ومن بين مقتنيات المتحف بقايا نيزك قديم عثر عليه صاحبه في بيئته المحلية، ولا يزال يحتفظ بجاذبيته المغناطيسية للأجسام الحديدية، وقد صاحب صاحب المتحف بتجربة الجذب المغناطيسي لإحدى قطع النيزك على مجموعة من المواد المصنوعة من الحديد والفولاذ.

أدوات أخرى متنوعة

عدا عن المعروضات السابقة التي استعرضناها، فالمتحف المصغّر الذي أقامه حميد بن صالح الحميدي يحتوي على أدوات أخرى عديدة متنوعة، ولعل من بينها نماذج لأكتاف الجمال والتي كانت تستخدم في طريقة التعليم التقليدي القديم، وساعة قديمة كانت تستخدم في فترة ما قبل النهضة، وأنواع من أجهزة الراديو وكاميرات التصوير ، ومجموعة من الخزانات الخشبية التي كانت تعد جزءًا من أثاث البيوت القديمة، وكانت تحفظ بها الملابس والأثاث والأواني وغيرها.

حسرة

يذكر حميد بن صالح الحميدي أنه كان يحتفظ بأدوات تراثية عديدة في منزله الذي يوجد به المتحف، وبسبب تعرض المنزل للسرقة فقد فقد تلك المقتنيات الثمينة على الرغم من محاولاته العديدة لاستردادها، حيث إن السارق الذي تم التعرف عليه فيما بعد لم يكن يدرك قيمتها، وقام بالتخلص منها، مما سبّب الحسرة والألم لصاحبها.

طموح وأمل

يقتصر زوار المتحف في الوقت الحالي على بعض معارف صاحبه، أو بعض الزوار من السلطنة ودول مجلس التعاون الذين عرفوا عنه عن طريق أصدقاء ومعارف آخرين، ويأمل صاحبه في أن يتم توسعة هذا المتحف بحيث تتاح الفرصة لعرض مواد وأدوات أثرية أخرى لا تسمح مساحة المتحف الحالية بعرضها، كما أن هذا الأمر من شأنه أن يتيح الفرصة لأكبر قدر من المهتمين والزوار في التعرف على مقتنيات المتحف والتجول في أركانه المختلفة، وبالتالي يسهم في التعريف بحضارة البلد وتاريخه الضارب في الأعماق.

ويمكن للمجلس البلدي في ولاية جعلان بني بو علي تبني فكرة توسيع المتحف وإعادة تأهيله، من خلال اختيار المكان المناسب لذلك، ودعم عملية الإنشاء، وتزويده بمقتنيات أخرى خاصة بتراث الولاية بشكلٍ خاص، أو تراث السلطنة بشكلٍ عام، وتنظيم مواعيد زيارته، وذلك بالتنسيق مع الجهات الحكومية والخاصة والأهلية ذات العلاقة، الأمر الذي يسهم في التعريف بتاريخ الولاية العريق، ونمط الحياة القديم بها.

زر الذهاب إلى الأعلى