بندر عباس والتنافس العماني الإيراني على المنطقة

 

 

أثير – تاريخ عمان 

 

 

بندر عباس والتنافس العماني الإيراني على المنطقة :

 

لقد كانت علاقة عمان بالسواحل الإيرانية قديمة، وأصبحت الهيمنة العمانية على الجزر الإيرانية حاضرة في العصور الحديثة ، حيث تذكر المصادر التاريخية إن الإمام سلطان بن سيف اليعربي سيطر على جزيرة لارك والبحرين  في عام 1717م ، وأصبحت هذه الجزر تابعة للسيادة العمانية ، ولكن هذا الأمر لم يستمرّ طولا  بسبب الحروب الأهلية التي عصفت بعمان نتيجة الصراع على الحكم بعد وفاة الإمام سلطان، وبقي الحال على ذلك لأكثر من ثلاثين عاماً فقدت من خلالها عمان الكثير من المناطق الخاضعة لها سواء في الخليج العربي أو شرق أفريقيا.

 

وحينما آل  أمر عمان لأسرة آل سعيد عام 1749م ، سعى سلاطينها جاهدين على استعادة تلك الممتلكات المفقودة ، فكرّس السيد سلطان بن الإمام أحمد وابنه السيد سعيد كل جهودهما لإستعادة تلك الأقاليم التي انفصلت عن عمان حيث علق المؤرخ نور الدين السالمي على ذلك  قائلا: ” وكان الملك البحري أيام اليعاربة متفرقا في أيدي عمالهم مثل الهند ،وممباسة،  وزنجبار، وما بعدها، وكل عامل قد استبد برأيه وانفرد بما تحت يده وأدّعى المملكة لنفسه ، فسعى سلطان – ابن الإمام أحمد بن سعيد –  في رد ما أمكنه من ذلك، ولم يتم له الأمر، وإنما تمّ لولده سعيد بن سلطان. “.

 

 

لقد تولّى السيد سلطان  أمر عمان في عام 1792م بعد وفاة أخيه الإمام حمد بن الإمام سعيد حاكم مسقط بعد أن تم الصلح بينه وبين أخويه سعيد وقيس.

 

 

وقد برزت سياسة السيد سلطان بروزا واضحا في إدارته لدولته ، وأوجد علاقات وديّة بينه وبين بريطانيا وفرنسا ، وأخذ يخطط  لإستعادة كل السيطرة العمانية على الجزر الإيرانية ، ففي عام 1794م ،قاد السيد سلطان حملة بحرية على بني معين، واستطاع أن يفرض سيطرته على بندر عباس، وميناب، وجزيرة هنجام بمساعدة أهالي جزيرة قشم، وهرمز، ويذكر المؤرخ الإنجليزي لوريمر” إن هذه المناطق كانت تحت سيطرة بني معين، وانها كانت تدفع عوائد إلى خزينة الشاه في طهران ، وكان العائد السنوي لا يتجاوز 4000 آلاف روبية ، وظلّت هذه الجزر في قبضة العمانيين تقريبا لمدة خمسة وسبعين عاما أي منذ عام 1794م ، وحتى عام 1871م.

 

 

ولأن السيد سلطان أحكم سيطرته على تلك الجزر الإيرانية، ساءت العلاقة بينه وبين حاكم إيران آغا محمد خان ، لوقفه تلك العوائد المالية التي كان يدفعها آل معين للإيرانيين، وبالتالي أصبحت العلاقة بين البلدين متوترة للغاية إلى تلك الفترة التي قرر فيها السيد سلطان بحنكته السياسية دفع بعض المال للإيرانين كإيجار مقابل السيطرة العمانية عليها وتهدئة الأوضاع التي أخذت تتزايد.

 

 

وحينما آل الحكم إلى السيد سعيد بن سلطان رفع قيمة العطاء للإيرانيين من 4000 تومان ايراني إلى 6000 تومان لإستجار تلك الجزر لتهدئة التوتر  والمحاولات الإيرانية لإستردادها، ورغم ذلك حاولت الحكومة الإيرانية في عام 1823 م إلغاء  إيجار بندر عباس، فذهب حاكم شيراز زكي خان آنذاك إلى والي السيد سعيد بن سلطان ببندر عباس يخبره بعدم رغبة شاه إيران تجديد عقد الإيجار، فما كان من السيد سعيد إلا أن اتّجه إلى سواحل بندر عباس يستعرض فيها قوته أمام الإيرانين الذي رضخوا لتجديد عقد الإيجار بعد ذلك المشهد لعدة سنوات، لتعود العلاقات العمانية الإيرانية للتحسن وبالأخص حينما تزوّج السيد سعيد بن سلطان شقيقة حاكم شيراز تيمور ميرزا ، وذلك عام 1827م ، ولكن العلاقة ساءت مرة أخرى بين السيد سعيد وحاكم فارس الذي هجم على بندر عباس وابتز واليها العماني الشيخ سعيد بن نبهان وأخذ منه جزية كبيرة في عام 1846م.

 

 

وفي عام 1848م حكم إيران ناصر الدين شاه الذي حاول إسترجاع الجزر الإيرانية، وتخليص تلك الأقاليم كبندر عباس ولارك وهنجام من السيادة العمانية ،وبالأخص حينما فضّل أغلب أهل هذه المدن الإرتباط، والإنتماء لحكومة عمان، حيث وصل عدد القرى التي كان أهلها يفضّلون الإنتماء لعمان لأكثر من ثلاث وستين قرية ومدينة إيرانية مع تردي الأوضاع الإقتصادية لإيران ،حسبما ذكر الدكتور عقيل مصطفى في رسالته للدكتوراه التي أعدّها بعنوان “سياسة إيران“.

 

 

ولذا فقد شنّ الجيش الإيراني بقيادة ميرزا بهرام، وبالتعاون مع حاكم بلوشستان طهما سب ميرزا هجوما على بندر عباس،  والتي كانت تحت إدارة الوالي العماني الشيخ سيف بن نبهان المعولي الذي اضطر بعد أن سيطر الفرس على بعض القرى بالمنطقة أن يعقد صفقة مالية كبيرة مع بهرام ، وينجح برشوة حاكم بلوشستان لكي ينسحب من هذا التحالف ، وبالفعل نجح الوالي العماني بإغراء هذا الحاكم بالمال ، وبالتالي أخذ ماله وفضّل الإنسحاب من بندر عباس ليضطر بعدها القائد الإيراني الإنسحاب بعد أن اقتنع أيضا بالصفقة المالية التي ذكرناها أعلاه.

 

 

أما السيد ثويني الذي كان يحكم عمان بالنيابة عن والده السيد سعيد الذي كان يتواجد بزنجبار ، فقد عزل الوالي بعدما علم أنّ من أسباب الهجوم الإيراني على بندر عباس هو عدم إلتزام الوالي بدفع عقد الإيجار المتفق عليه للإيرانيين، وعيّن ابنه الشيخ سيف بن سعيد بن نبهان الخروصي على ولاية بندر عباس بديلاً عن والده.

 

 

وفي هذه الأثناء أوفدت ايران مبعوثها شاه بندر حاجي إلى السيد ثويني للتفاوض معه على الجزر الإيرانية التي تهيمن عليها عمان،  فما كان من السيد ثويني إلا أن حبس المبعوث الإيراني نتيجة  سوء الفهم الذي حلّ بين الطرفين ، فغضبت إيران لذلك، وأعدّت جيشا آخر لمهاجمة بندر عباس بقيادة والي فارس، وبالمقابل ، فإن العائد من زنجبار السيد سعيد قد أعدّ كذلك حملة عسكرية بقيادة ابنه ثويني للردّ على الهجوم الإيراني على بندر عباس في عام 1854م ، ونجح الجيش العماني في طرد وهزيمة القوات الإيرانية التي عاودت الهجوم مرة أخرى على بندر عباس، واستطاعت هذه المرة من هزيمة العمانيين مما أدى إلى أنسحاب السيد ثويني ،والرجوع إلى مسقط ، وقد قال المؤرخ العماني ابن رزيق معلّقاً على هذه الحادثة :”فما كان بعد ذلك إلا مدة يسيرة حتى هجمت العجم على بندر عباس وميناو فقاتلهم السيد ثويني قتالا شديدا ، فكان لهم النصر”.

 

 

في هذه الأثناء بادر السيد سعيد بنفسه بإرسال الوفود إلى حاكم فارس وإلى الصدر الأعظم ميرزا آغا خان نوري لإتمام الصلح، وإنهاء هذا الصراع فيما بينهم ليتمخض كل ذلك بإتفاقية عمانية إيرانية في عام 1856م، وقّعها من الجانب العماني السيد ثويني بن سعيد بن سلطان، ومحمد بن سالم بن سلطان، وعن الجانب الإيراني حاجي محمد حاكم بوشهر .

 

 

بنود الإتفاقية بالنسبة لبندر عباس وما يتبعها :

 

 أن يكون حاكم بندر عباس تابعاً لحاكم فارس فقط ،ويرفع فيها العلم الايراني .

–   أن يلتزم السيد سعيد بعدم التنازل عن بندر عباس أو الجزر الإيرانية الأخرى التي تقع تحت سيطرته لأحد سواء بالإيجار، أو الإهداء، أو البيع.   

 

 قيمة إيجار هذه المدينة للسيد سعيد ثمانية آلاف جنيه استرليني  سنويا .

 

 يمنع إضافة تحصينات عمانيّة جديدة في بندر عباس .

 

 الإيجار يسري فقط للسيد سعيد ،وأولاده لمدة عشرين سنة، ومن ثم تعود ملكية المدينة للإيرانيين .

 

 يمنع إيقاع الأذى أوسوء المعاملة على السكان العرب، أو غير العرب المقيمين في المدينة .

 

 

 يحظر على الهاربين من الحكومة الإيرانية اللجوء ،أو الإقامة في بندر عباس .

 

 الأراضي الشاملة للعقد : بندر عباس، وشميل، وميناب، وبندر خمير.

 

 لا تتجاوز الرسوم الجمركية 10% على كافة البضائع .

 

 يلتزم السيد سعيد أن يقيل حاكم بندر عباس إن أهمل في عمله،  وأساء الإدارة وأن يعيّن بديلا له .

 

 

نرى من خلال هذه الإتفاقية إنّ العمانيين، والإيرانيين قد توصلا إلى حلول جذرية للصراع الذي كان دائرا بينهم دون تدخل القوى الأجنبية، وبالأخص حينما رفض السيد سعيد أيّ تدخّل فرنسي أو انجليزي لإتمام هذه الإتفاقية.

 

 

ولا غرابة أن يتمّم السيد سعيد نجاحه الدبلوماسي بالموافقة على بنود هذه الإتفاقيات لأن تلك المناطق، وبالأخص بندر عباس،  كانت تدرّ دخلا جيدا جدا للسيد سعيد وعمان حتى وفاته، ووفاة ابنه ثويني الذي ورث حكم عمان، ومن بعده لابنه  السيد سالم الذي نجح في إستمرارية هذه الإتفاقية التي رغبت ايران بإنهائها ،بما أن السيد سالم ليس ابن للسيد سعيد كما نصّت الإتفاقية السابقة ، ولكنّ سياسة السيد سالم  نجحت في إبرام إتفاقية جديدة شبيهة بما سبقها، وذلك عام 1868م.

 

 

 

وعموما تعتبر نتائج هذه الإتفاقية السبب الرئيس إلى عودة بندر عباس وما جاورها  لإيران ،بما أن مدّة الإتفاقية عشرون عاما كمدة عقد إيجار للعمانيين على تلك الجزر الإيرانية بعدما كانت تحت هيمنتهم قرابة خمسة وسبعين عاما.

 

 

 

 

 

 

المرجع : مجلة الدراسات الدبلوماسية – العدد 17 – 2002 – معهد الدراسات الدبلوماسية – ادارة البحوث – المملكة العربية السعودية – دراسة تحليلة لـ اتفاقية عام 1856 بين عمان وإيران – أسبابها ونتائجها – للدكتور سعيد بن محمد الهاشمي 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock