رسالة نابليون بونابرت إلى سلطان عمان

 

 

 

أثير – تاريخ عمان :

 

 

 

 

حينما نتحدّث عن العلاقات الفرنسية العمانية ، فإننا أمام تاريخ طويل من الشد والجذب بين الإنجليز والفرنسين لكسب ود مسقط  وسلطانها، وذلك لتحقيق المصالح التي سعى كل طرف إليها في المنطقة ، وهكذا هي العلاقات التي تربط  جميع الدول، فالمصالح وحدها هي أساس كل ذلك .

 

وإن حاولنا أن نسلط الضوء على العلاقات الفرنسية العمانية، فإننا نجدها قديمة لا سيما إن علمنا بأن علاقة فرنسا بعمان كانت بدايتها في عهد الإمام أحمد بن سعيد (1744-1783 م) حينما قامت مسقط  بتقديم المساعدات لفرنسا في الفترة التي كانت حرب إستقلال أمريكا قائمة، ووصل تأثيرها إلى المحيط الهندي.

 

وكانت جزيرة موريشيوس الفرنسية حينها هي أول من تعامل معها الإمام أحمد بن سعيد، لا سيما في  الجانب التجاري، مما أدى إلى وجود علاقة مميزة بين حاكم موريشيوس وحاكم مسقط وتجارها .

 

ومن هذا المنطلق بدأ الإهتمام الفرنسي يتزايد لإقامة قنصلية فرنسية في مسقط ، وبالأخص حينما قامت فرنسا بتعويض العمانيين عام 1790م عن فقدهم لسفينة ( الصالحي ) التي استولى عليها الفرنسيون وصادروا كلّ ما فيها، وهي تابعة للإمام سعيد بن أحمد والذي بدوره رحّب بالتعويضات الفرنسية من خلال إبنه حمد بن سعيد حاكم مسقط أنذاك بالنيابة عن والده ومرحبا كذلك بتعيين قنصل فرنسي في مسقط ، ولذا تم تعين ( موستيه ) لهذه المهمة كمفوض فرنسي بمسقط  يرعى المصالح التجارية لبلاده  بصورة غير رسمية .

 

وبعد أن آل الحكم للسيد سلطان بن أحمد قرّر أن يوثّق ويكمل هذه العلاقة التصاعدية مع فرنسا بشكل ودّي والتي كانت هي الأخرى حريصة على الإستفادة من عمان وموقعها لتموين جزيرة موريشيوس في حالة قيام الحرب بين فرنسا وبريطانيا، ولمراقبة النشاط الإستعماري البريطاني في المنطقة .          

 

 

وفي عام 1795 م أقرّت لجنة الأمن العام بفرنسا إنشاء قنصلية فرنسية في مسقط وتم إقتراح ( جوزيف دي بوشامب ) لشغل هذا المنصب، وجاء في التعليمات الخاصة بتعيينه “إن قنصلية مسقط إنما أنشئت للتجسس على تحركات الإنجليز في الهند ودراسة الأحوال الداخلية في هذه البلاد، وكذلك دراسة الطرق التي يمكن أن تستخدم في حالة غزو فرنسي  للشرق“.

 

ولكن مهمة بوشامب باءت بالفشل بسبب عدم اقتناعه بوجوده في مسقط  للتجسس فقط، إذ طلب من الحكومة الفرنسية أن يتم تخويله بتوقيع اتفاقية صداقة مع مسقط ، ولكن الحكومة الفرنسية رفضت ذلك ، والأمر الثاني الذي أجهض قيام القنصلية هو التأخير الشديد الذي تجاوز الخمس سنوات في تنفيذ الأمر نتيجة توجه بوشامب لزيارة السلطان العثماني أولا  لإطلاعه على نية فرنسا بإقامة قنصلية في مسقط على أساس أن الدولة العثمانية هي مركز الخلافة الإسلامية المسيطرة على العالم العربي رغم أن عمان كانت أساساً دولة مستقلة تحترم مكانة السلطان العثماني والدولة العثمانية التي كانت تربطها بعمان علاقة متميزة تشهد لها الوثائق التاريخية بين البلدين في تلك الفترة، وبإمكان الجميع أن يطّلع على كتاب ( العلاقات العمانية العثمانية في الجوانب السياسية والعسكرية والإقتصادية ) الذي نشرته هيئة الوثائق والمحفوظات بالسلطنة والذي يعتبر خير برهان على ذلك، ولذا فقد قدّم بوشامب اعتذاره لنابليون لعدم مقدرته على إنجاز المهمة وفق تلك المصاعب التي واجهها وبالأخص بعد الحملة الفرنسية على مصر في أكتوبر عام 1798م .

 

 

ـ رسالة نابليون بونابرت إلى سلطان عمان  :

 

 

حاول نابليون بونابرت أثناء إحتلاله لمصر إكمال مشروع إقامة القنصلية الفرنسية في مسقط، فبعث من مصر في 25 يناير من عام 1799م رسالة إلى ( السيد سلطان بن أحمد ) جاء فيها ” أكتب إليكم هذه الرسالة لأعرفكم بشئ لعلكم قد عرفتموه، ألا وهو وصول الجيش الفرنسي إلى مصر، ولما كنتم دوما صديقا لنا فإنني أؤكد لكم رغبتي في حماية جميع السفن العمانية  وإنها ستتمتع بحمايتنا إذا وصلت إلى السويس“.

 

 

وفي عام 1801م ازدهرت العلاقة بين السيد سلطان وماجلون حاكم جزيرة موريشيوس الفرنسية، وذلك بعدما أعاد ماجلون ثلاثة سفن عمانية للسيد سلطان استولى عليها قراصنة فرنسيون بالمحيط الهندي، وقد أرسل السلطان وفدا رسميا لموريشيوس يشكر فيها حاكمها ويدعوه بأن يرسل له موفدا إلى عمان من قبل الحكومة الفرنسية.

 

 

وبعد التصالح البريطاني الفرنسي في عام 1802م، ازدهرت العلاقات الفرنسية العمانية بشكل أكبر واستغل نابليون بونابرت هذا التقارب وأرسل مبعوثه ( جان بابتست كافيناك ) إلى مسقط محمّلا بالهدايا إلى السيد سلطان بن أحمد في عام 1803م ، وقد استقبله محمد بن خلفان الوكيل مستشار السيد سلطان أنذاك، ولكن الظروف السياسية حينها اختلفت مرة أخرى بعودة الحرب بين فرنسا وبريطانيا، لذا فإن مسقط  لم ترغب بإكمال هذه المهمة الفرنسية لإنشاء القنصلية نتيجة تفوق القوة البريطانية على الفرنسية في المنطقة، وخشية السيد سلطان من قيام القوة البريطانية من تدمير السفن العمانية وإغلاق المواني الهندية في وجه العمانيين التجّار، ولذلك فإن السيد سلطان حاول بذلك تجنب الإحتكاك مع الإنجليز لمصلحة عمان برفضه التقارب الفرنسي بقيادة نابليون بونابرت، وبالأخص حينما تمّ دك الأسطول الفرنسي في معركة أبو قير بمصر من قبل القوات البريطانية المسيطرة على المنطقة أنذاك .

 

 

 

أما في عهد السيد سعيد بن سلطان مؤسس الإمبراطورية العمانية، فقد عاودت فرنسا محاولاتها لإنشاء قنصلية فرنسية بمسقط عام 1839م، إذ كتب وزير الخاريجة الفرنسية مذكرة دبلوماسية للسيد سعيد لتأكيد رغبة فرنسا بتوثيق العلاقة مع عمان، وقد انتهى ذلك بتعيين العماني (سعيد بن خلفان) قنصلاً لفرنسا في مسقط ، وتم الإعتراف به رسميا من قبل السيد سعيد بن سلطان عام 1841م كقنصل فرنسي معتمد من قبل الحكومة الفرنسية، وقد ساهمت هذه الوكالة السياسية في مسقط في تعزيز العلاقة الودية بين عمان وفرنسا.

 

 

 

ـ بول أوتافي أول قنصل فرنسي في عمان :

 

 

في عهد السلطان فيصل بن تركي تطوّرت العلاقات بين البلدين بشكل مميز مما أدى إلى أن يطالب النائب البرلماني الفرنسي (دلونكل) حكومته في عام 1892م بتعيين قنصل فرنسي في مسقط يشرف على الرعايا الفرنسيين بعمان، ويعزز الوجود الفرنسي في الخليج وروسيا، ولقد وافق وزير الخارجية الفرنسي ( دونفيل ) على ذلك وتم تعيين (بول أوتافي) ليكون أول قنصل فرنسي في مسقط، إذ  استلم مهام عمله رسميا في مسقط في 8 نوفمبر عام 1894م، وقد أهداه السلطان فيصل بن تركي منزلا جميلا بمسقط  ليكون مقر لعمله وسكنه عرف فيما بعد وحتى يومنا هذا بالمتحف العماني الفرنسي .

 

 

 

المرجع : التنافس البريطاني الفرنسي في عمان 1888 – 1913 م ،الدكتور محمد بن حمد الشعيلي– الطبعة الأولى 2014م ، دار الفرقد – الناشر :النادي الثقافي  بمسقط .

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock