عن روائي يرسم سماوته المقلوبة بالقلم الرصاص.

عن روائي يرسم سماوته المقلوبة بالقلم الرصاص.

سعدية مفرح

@saadiahmufarreh

 

 

في العام ١٩٩٥ صدرت في الكويت رواية للروائي الكويتي الشاب ، آنذاك، ناصر الظفيري عنوانها “سماء مقلوبة”، كان من حسن حظي أنني كتبت مقدمتها بطلب من مؤلفها الذي لم يكن مجرد جار طفولة أو زميل دراسة وعمل أو رفيق كتابة بل مزيج من كل هذا في دائرة اتسعت لاحقا باتساع الظروف المشتركة بيننا.

 لم تكن سماء مقلوبة هي رواية ناصر الأولى بل سبقتها رواية أخرى عنوانها “عاشقة الثلج” كانت إرهاصا مبشرا بميلاد روائي كويتي من طراز مختلف بعد سنوات من الجفاف الروائي باستثناء بعض الأسماء الروائية الكبيرة والمكرسة منذ الستينيات والسبعينيات. 

في تقديمي لرواية “سماء مقلوبة” أشرت إلى “واحدة من مميزاته الكتابية خاصة وأنها ميزة ستستفيد منها موهبته الروائية بالذات دائماً كما نتوقع، وهي قدرته الهائلة على تجاوز نفسه بسرعة وشجاعة وجرأة. ولعل هذا ما يفسر للذي قرأ روايته الأولى تلك المسافة الواسعة الممتدة بين الروايتين لصالح الرواية الأخيرة، رغم أنها مسافة لا تمتد على مدى أكثر من عامين فقط! وهذا يعني أننا ربما سنقرأ بعد عامين من الآن تميزاً آخر لهذا الكاتب على صعيد الرواية بالذات خاصة وأنه الوحيد من بين كُتّاب الجيل التسعيني في الكويت الذي اقتحم مجال الرواية بكلّ جرأة وإقدام مع ما يحتاجه هذا الفن القصصي بالذات من جهد واجتهاد خاصين”. 

واذا كان ناصر قد احتاج لعامين فقط كي تتبلور موهبته الروائية  الأصيلة وتتطور بشكل يلاحظه بسهوله كل من قرأ روايته الأولى وروايته الثانية، فإن عقدين من الزمن تقريبا هما عمر تجربته الروائية حتى الآن، حريان بكشف المزيد من كنوز تلك الموهبة التي تعتقت في فيض من التدريب والمران المستمر في تشكيلات الكلمة كقصص قصيرة وروايات ومقالات أدبية ونقدية وقصائد أيضا.   

تعرفت على ناصر للمرة الأولى، بشكل جدي بعيدا عن أطياف الطفولة المشتركة في منطقة سكن واحدة، ضمن إطار مجموعة أدبية كنا قد ساهمنا في تأسيسها أثناء دراستنا في جامعة الكويت، كنت طالبة في التربية والآداب وكان طالبا في الهندسة. لكننا نهوى الكتابة فكانت تلك المجموعة التي تضم بضعة رفاق ورفيقات آخرين هي المحك الأول لتجاربنا الأولية في الكتابة. كنا نجتمع كل أسبوع في أحد أروقة كلية الآداب لنمارس هوايتنا في التشريح الذي يكاد يقترب من التجريح أحيانا. فلم يكن يعجبنا العجب في ما نقرأه من قصص وروايات وقصائد لكل من مر من مبدعين في تاريخ الأمة العربية تقريبا ولم يكد ينجو من أحكامنا النقدية العرضية والتي تشبه أحكام الإعدام في قسوتها وحسمها إلا قلة قليلة جدا نعجب بها مع الاحتفاظ بحقنا في انتقاد بعض منتجاتها أيضا. 

كانت الحدة في النقاش والقسوة في النقد  من مميزات كل أعضاء المجموعة باستثناء واحد فقط هو ناصر الظفيري. فرغم أنه يماثلنا في السن بالتأكيد إلا أنه كان يتصرف بمثابة الأب الذي ينبغي عليه احتواء جميع أبنائه والتوفيق بينهم وتهدئتهم وتشجيعهم على خفض أصواتهم .. على الأقل حتى لا نزعج الآخرين حولنا. 

في شارع الصحافة زاملت أخي دائما ناصر الظفيري مرة أخرى وهذه المرة في إطار المهنة الواحدة  كمحررين في القسم الثقافي لجريدة الوطن. ولم أفاجأ يومها أنه احتفظ بذلك الهدوء العميق الذي ميزه دائما حتى وهو يعمل في مهنة صاخبة بطبيعتها كمهنة الصحافة التي اتخذها مهنة إضافية له.  

 كان يجلس هادئا رغم الصخب المتوقع والمعتاد في قاعة تحرير صحيفة يومية تضم عشرات المحررين. لكنه لا يعبأ بهم ولا يبالي بأصواتهم ولا رائحة سجائرهم ولا نقاشاتهم. كان يتجاهل كل هذا ويكتب قصصه ورواياته وقصائده ومقالاته بنفس المزاج الساكن، لا يهتم إلا بما أمامه على المكتب؛  رزمة من الأوراق البيضاء وأقلام رصاص ومبراة ومحاية. كنت أستغرب يومها ممن يستخدم القلم الرصاص في الكتابة وأنا التي هجرته منذ أن غادرت الصف الثالث الابتدائي ، ولم أعد استخدمه الا في الرسم. لكن ناصر الذي ظل مخلصا له كان يفسر لي سر تعلقه بالقلم الرصاص بالقول أنه يحب استخدامه لأنه يسهل عليه محو ما يريد من كلمات كتبها ولم يعد يحتاجها ببساطة. ويبدو أن  دراسته ولاحقا عمله كمهندس يرسم كثيرا من المخططات الهندسية وغيرها ساهم في ترسيخ عشقه للقلم الرصاص.

كان ناصر يكتب ويكتب بلا توقف وباستمرار وبرتابة ونظام ومرونة كنت أغبطه عليها، فلم أكن سوى نحلة متنقلة بين المكاتب. أكتب سطرين على هذا المكتب ، وأشعر بالملل فانتقل لمكتب أخر للتو غادرته صاحبته من الزميلات، أو أغير الورقة أو القلم بقلق لا يحسدني عليه أحد في مقابل هدوئه الشديد .. والقاتل أحيانا.

عندما قرر ناصر الهجرة إلى كندا لاحقا تحت وطأة شعوره بضرورة عمله على تأمين مستقبل أسرته الصغيرة، كانت قد فرقتنا ظروف انتقال كل منا إلى عمل جديد بعيد عن الآخر. قبل سفره بأيام زارني في مكتبي ليودعني، ففوجئت بقراره وحاولت ثنيه عنه. قلت له يومها: “أنت موهوب جدا يا ناصر وأنا مؤمنة أنك أهم اسم روائي كويتي ظهر في  العقدين الأخيرين ، فلماذا تغادر وطنك؟”.

لحظتها وقف ناصر ليرد علي؛ “وطني؟ وطنك؟ أنت تمزحين طبعا”! 

 كانت المرة الأولى التي يتخلى فيها هذا الفتى الموهوب بالقص والهدوء عن هدوئه المزمن لصالح غضبة انفجرت ودمعة تفجرت عنوانها البدون والوطن .

غادرني ناصر إلى كندا لكنه لم يغادر الإبداع. لم أشك يوما أن تلك الغضبة الممزوجة بدمعة ستكون رواية… وكانت! 

 

مقالات ذات صلة

‫3 تعليقات

  1. المقالة مؤلمة ولكن قلم الاستاذة الشاعرى جعلها كأنها قصة أو قصيدة. اتمنى أن تكتبها على شكل قة وتكملها. تحية للشاعرة الكبيرة وشكرا لاثير اللي خلتنا على تواصل معها

  2. المقالة مؤلمة ولكن قلم الاستاذة الشاعرى جعلها كأنها قصة أو قصيدة. اتمنى أن تكتبها على شكل قة وتكملها. تحية للشاعرة الكبيرة وشكرا لاثير اللي خلتنا على تواصل معها

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock