فضاءات

مقال قانوني: تعديل المادة 418 في ضوء الالتزامات بالعهد الدولي الجديد

محكمة

مسقط- أثير

إعداد: د. عبدالرحيم بن سيف القصابي، المعهد العالي للقضاء

لم يعد القانون في عصرنا الراهن مجرد أداة صماء لفض النزاعات وتسيير المعاملات اليومية، أو سوطا مسلطا لفرض الالتزامات، بل غدا في جوهره مرآة صافية تعكس تطور الفكر الإنساني ونضج المجتمعات في الموازنة الدقيقة والحساسة بين الحقوق المالية المكتسبة والحريات الشخصية اللصيقة بالإنسان، وفي صدارة هذه الإشكالات الجدلية المعقدة التي تؤرق الفقه والقضاء على حد سواء تبرز مسألة حبس المدين أو ما يصطلح عليه فقهيا بـ “الإكراه البدني”، تلك المسألة الشائكة التي تمثل نقطة تماس حرجة بين حق الدائن المشروع في استيفاء دينه والحفاظ على أمواله من الضياع، وحق الإنسان الطبيعي والأصيل في صيانة حريته الجسدية من أن تكون رهينة لتقلبات الأسواق وعثرات الزمن ومخاطر التجارة، وقد اكتسبت هذه القضية في النظام القانوني العماني زخماً استثنائياً وتكييفاً جديداً ومختلفاً كلياً عقب الخطوة التاريخية والحضارية بانضمام سلطنة عمان إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بموجب المرسوم السلطاني رقم 89 لسنة 2025، وهو الانضمام الذي لم يكن مجرد توقيع بروتوكولي، بل شكل استحقاقاً قانونياً ملزماً ونقلة نوعية في بنية التشريع الوطني، تلقي بظلالها الكثيفة على فلسفة التنفيذ الجبري برمتها، مثيرة إشكالية قانونية جوهرية وعميقة تتمثل في التعارض الظاهر والملموس بين الالتزام الدولي الناشئ وممارسات القانون الداخلي السابقة التي استقرت لسنوات طويلة.

تتمحور هذه الإشكالية بصفة أساسية حول التنافر القائم بين نصوص قانون الإجراءات المدنية والتجارية العماني الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 29 لسنة 2002، وتحديدا نص المادة (418) التي منحت قاضي التنفيذ سلطة تقديرية واسعة في إصدار أمر بحبس المحكوم عليه كوسيلة ضغط لإجباره على الوفاء، معتبرة أن حجز الحرية وسيلة مشروعة لاستيفاء الحق، وبين المادة (11) من العهد الدولي -الذي صودق عليه مؤخرا في أكتوبر 2025- والتي تقرر مبدأ إنسانيا آمرا وقاعدة آمرة لا يجوز الاتفاق على مخالفتها، ونصها أنه “لا يجوز سجن أي إنسان لمجرد عجزه عن الوفاء بالتزام تعاقدي”، وهذا النص الدولي جاء ليفرق بوضوح بين “العجز” الناتج عن ظروف قهرية أو فقر حقيقي، وبين “الامتناع” الكيدي، وهنا نجد أنفسنا أمام مفترق طرق تشريعي وتنازع للقوانين يتطلب الاحتكام إلى القواعد الدستورية العليا لفض هذا الاشتباك، فبالرجوع إلى النظام الأساسي للدولة الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 6 لسنة 2021، نجد أن المشرع الدستوري كان حكيما حينما وضع المادة (93) التي حسمت الأمر بإقرار مبدأ سمو المعاهدات الدولية، معتبرة إياها جزءا لا يتجزأ من القانون الوطني بل وتعلو عليه في التطبيق، مما يؤسس لنتيجة قانونية منطقية ومباشرة مؤداها أن المرسوم السلطاني رقم 89 لسنة 2025 يقيد ضمناً إطلاق نص المادة (418) من قانون الإجراءات، مانعا تطبيقها على المعسرين، وواضعا حدا للممارسات التقليدية التي كانت تساوي بين المدين المحتال والمدين المتعثر.

ولكي يستقيم الفهم القانوني العميق لهذه المسألة، ولتجنب الانزلاق في تفسيرات قد تضر بالاستقرار الاقتصادي، يجب التأكيد على أن الحماية الدولية لا تسبغ رداءها الفضفاض على كل مدين، ولا تهدف إلى تشجيع أكل أموال الناس بالباطل، بل هي خصت “العاجز” عن الوفاء، أي ذلك الشخص الذي أثقلته الديون ولم يجد سبيلاً للسداد، أما المماطل الموسر الذي يخفي أمواله ويتخذ من العهد الدولي درعا للتهرب، فلا تشمله الحماية؛ لأن حريته هنا تصطدم بحقوق الآخرين.

وقد يثور هنا تساؤل يبدو للوهلة الأولى منطقيا: ألم يعالج المشرع العماني هذه المسألة جزئيا في المادة (17) من قانون تبسيط إجراءات التقاضي (المرسوم 125 لسنة 2020) التي اشترطت للحبس ثبوت الامتناع رغم القدرة؟ والواقع أن الاستناد لهذا النص لا ينفي الحاجة للتعديل بل يؤكدها؛ فهذا النص يكشف عن “ازدواجية تشريعية” مربكة؛ إذ كيف يُترك النص الأصلي العام (المادة 418) مطلقاً دون قيد، بينما يأتي القيد في قانون استثنائي خاص؟ إن الارتكان للمادة (17) هو حل “ترقيعي” قاصر لا يرقى لمستوى الالتزام الدولي الذي يتطلب وضوحاً تشريعياً حاسماً في القانون الأم (قانون الإجراءات)، كما أن فلسفة العهد الدولي تهدف إلى “تغيير العقيدة القضائية” بالكامل نحو إلغاء عقوبة الفقر، وليس مجرد وضع عراقيل إجرائية في قوانين متناثرة مع بقاء سيف الحبس مسلطاً في القانون العام.

وبالنظر إلى التجارب المقارنة التي سبقت في هذا المضمار، نجد أن المدرسة اللاتينية العريقة المتمثلة في الجمهورية الفرنسية، وهي المهد التاريخي للقانون المدني الذي استقت منه معظم التشريعات العربية، قد حسمت موقفها الفلسفي والتشريعي منذ قانون 22 يوليو 1867، الذي ألغى نظام الإكراه البدني في المواد المدنية والتجارية بشكل قاطع، مبقياً إياه في المواد الجنائية فقط، مرسخاً بذلك مبدأ اقتصادياً وقانونياً حديثاً مفاده أن الذمة المالية للشخص هي الضمان العام للدائنين وليست جسده، وأن حرية الإنسان أسمى من أن تكون مقابلاً لدين مالي، مما ساهم في تعزيز الثقة الائتمانية القائمة على الملاءة المالية لا على التهديد بالسجن.

أما في التجربة العربية، وتحديداً التجربة المصرية الرائدة، فقد ارتقى المشرع بالضمانة إلى مصاف النصوص الدستورية المقدسة، حيث نصت المادة (54) من دستور 2014 صراحة على أن الحرية الشخصية حق طبيعي مصون لا يمس، وهو نص دستوري قاطع أغلق الباب أمام أي تشريع عادي قد يحاول إعادة عقوبة الحبس في الديون المدنية، وعليه خلت التشريعات المصرية الحديثة تماماً من حبس المدين في الديون المدنية والتجارية، باستثناء وحيد وذو دلالة خاصة نصت عليه المادة (76 مكرراً) من القانون رقم 1 لسنة 2000 الخاص بمسائل الأحوال الشخصية، التي أجازت حبس الزوج الممتنع عن أداء النفقة، والعلة التشريعية هنا دقيقة للغاية؛ فالمشرع استثنى هذا الدين لخصوصيته الشديدة وارتباطه بقوت الأسرة وحياة الأطفال، وليس باعتباره ديناً تجارياً عادياً، فغلّب المصلحة الاجتماعية العليا على الحرية الشخصية في أضيق الحدود.

وفي المحيط الخليجي، الذي يتشارك مع السلطنة في الظروف الاقتصادية والاجتماعية، قدمت دولة الإمارات العربية المتحدة النموذج الأحدث والأكثر تطوراً ومرونة عبر المرسوم بقانون اتحادي رقم (42) لسنة 2022 بإصدار قانون الإجراءات المدنية، الذي ألغى القانون القديم لعام 1992، متبنياً فلسفة متوازنة تزاوج بين الردع والرحمة؛ فبينما أبقت المادة (319) منه لقاضي التنفيذ سلطة حبس المدين كقاعدة عامة للحفاظ على هيبة الأحكام القضائية، جاءت المادة (321) لتكون صمام الأمان، حيث وضعت قيوداً صارمة وموانع عديدة تمنع الحبس في حالات محددة، أهمها إذا ثبت إعسار المدين، وهو ما يمثل لب الالتزام الدولي، أو إذا كان الدين يقل عن النصاب المحدد لائحيا لعدم جدوى الحبس اقتصاديا في المبالغ الزهيدة، أو لاعتبارات إنسانية بحتة تتعلق بالسن والحالة الصحية للمدين، ناقلة بذلك عبء الإثبات في كثير من الأحيان من المدين -الذي كان يطلب منه إثبات العدم- إلى الدائن لإثبات أن المدين يخفي أمواله، وهو تطور جوهري يحمي المدين حسن النية.

وهنا يبرز السؤال المحوري: ما هو الطريق الأمثل للمشرع العماني اليوم؟ إن الوجهة التي ينبغي للمشرع العماني التوجه إليها تتمثل في ضرورة التدخل التشريعي العاجل لتعديل المادة (418) من قانون الإجراءات المدنية والتجارية لتتوافق مع استحقاقات والتزامات مرسوم 2025، وهذا التعديل لا يعني بالضرورة إلغاء الحبس كليا وترك الدائنين بلا حماية، بل يعني “هندسة” النص من جديد بحيث يصبح الحبس عقوبة استثنائية لا تطبق إلا على “الامتناع الكيدي” وسوء النية، ولا تطال أبداً حالات “الفقر والعجز”، وبحيث يتم تفعيل بدائل التنفيذ الحديثة كتقصي الأموال وتتبع الحسابات البنكية بدلاً من اللجوء السهل إلى تقييد الحرية، إن مثل هذا التعديل سيحقق للسلطنة مكاسب مزدوجة؛ فهو من جهة يفي بالتزاماتها الدولية ويعزز سجلها الحقوقي، ومن جهة أخرى يحسن بيئة الاستثمار ويطمئن المستثمرين بأن تعثرهم التجاري لن يقودهم إلى السجون ما لم يقترن بغش أو تدليس، ليكون القانون بذلك قاطرة للتنمية لا عائقا أمامها، وحارسا للقيم لا سيفا على الرقاب.

Your Page Title