محمد لم ينسَ الأطباء الذين أنقذوه قبل 35 عامًا: تفاصيل أول عملية قلب مفتوح لطفل

محمد لم ينسَ الأطباء الذين أنقذوه قبل 35 عامًا: تفاصيل أول عملية قلب مفتوح لطفل
تفاصيل أول عملية قلب مفتوح لطفل
أثير- د. محمد بن حمد العريمي
في مثل هذا اليوم قبل خمسةٍ وثلاثين عامًا، شهد المستشفى السلطاني حدثًا طبيًا بارزًا تمثّل في إجراء أول عملية قلب مفتوح لطفل داخل سلطنة عُمان، لتكتمل بذلك منظومة علاج أمراض القلب محليًا دون الحاجة للعلاج في الخارج.
وكان الطفل هو محمد بن سيف بن علي الشكيلي من بلدة بسيا بولاية بهلاء، والبالغ من العمر آنذاك 11 عامًا، حيث كان يعاني من ثقب في القلب يقع بين الغرفتين العلويتين، وهو ما يُعرف طبيًا بـ قصور الحاجز الأذيني (Atrial Septal Defect – ASD).
وقد أُجريت العملية على يد فريق من جرّاحي القلب بعد خضوع المريض لسلسلة من الفحوص الدقيقة، في خطوة أسست لمرحلة جديدة في تاريخ الجراحة القلبية في سلطنة عُمان، ومثّلت نقلة نوعية في مجال العمليات المعقّدة التي باتت تُنفَّذ محليًا بكفاءة عالية.
الفريق الطبي للعملية
أشرف على العملية فريق من الجرّاحين تكوّن من: الدكتور بركات بن محمد الريامي مدير عام المستشفى وقتها، والدكتور جي أراك استشاري جراحة القلب، والدكتور طه الدليمي استشاري الجراحة، والدكتور كوشيه طبيب التخدير، والدكتور عبدالله بن محمد الريامي رئيس قسم الأمراض القلبية، والدكتور محمد بن علي بن جعفر رئيس قسم الجراحة. كما دعم الفريقَ الطبي أخصائيٌّ في التخدير، إضافةً إلى ممرضتَين من طاقم غرف العمليات، لضمان توفير أعلى مستويات الرعاية خلال العملية.
وقد تمثّلت الجراحة في ترقيع وسد الفتحة الواقعة بين الأذينين، وهو ثقب خلقيّ في القلب يظهر منذ الولادة بين الغرفتين العلويتين، ويُعرف طبيًا باسم “قصور الحاجز بين الأذينين” (Atrial Septal Defect – ASD)، وخلال العملية جرى إيقاف القلب والرئتين مؤقتًا، والاعتماد على جهاز خاص لتزويد الجسم بالدم المؤكسج؛ ما أتاح للفريق الطبي إجراء العملية بدقة عالية ونجاح كبير.
وفي لقاءٍ أجرته معه نشرة “المعرفة” الصادرة عن نادي بهلاء، أشار سيف بن علي بن سليمان الشكيلي والد المريض إلى أن معاناة ابنه بدأت منذ عام 1983م، حين كان لا يتجاوز الرابعة من عمره، فقد كان محمد غير قادر على الجري أو مجاراة اللعب مع إخوته، ويعاني بين حينٍ وآخر آلاما في البطن وضيقا في التنفّس، وهي الأعراض التي كشفت لاحقًا عن إصابته بالثقب القلبي.
وأضاف سيف بن علي: “عندما كنت أرى حالة ابني ومعاناته ذهبت به إلى مستشفى بهلاء ونزوى وكانت تصرف له بعض الأدوية، ثم تم تحويل الطفل إلى مستشفى خولة حيث أكّد الأطباء هناك بأنه يعاني من ثقب في قلبه قد يلتحم مستقبلًا، ثم أخذنا نتردد على مستشفى نزوى بصفة شهرية، بعدها توقفنا عن المراجعة. وفي عام 1990 تقرر تحويل محمد إلى المستشفى السلطاني في شهر فبراير، وهناك عرض علينا إجراء العملية وأبديت موافقتي فورًا لأنني أسعى إلى شفاء إبني”.
وقد تواصلت “أثير” مع محمد بن سيف بن علي الشكيلي بعد مرور خمسةٍ وثلاثين عامًا على العملية، حيث ذكر أنه من مواليد 5 أبريل 1979، ويعمل حاليًا معلمًا لمادة التاريخ في محافظة الداخلية. وأكد أن الله قد منّ عليه بالصحة والعافية، ولم يواجه منذ إجراء العملية أي أزمات قلبية أو مضاعفات تذكر.
ولم ينسَ محمد، رغم مرور السنين، أن يوجّه خالص شكره وامتنانه إلى الطاقم الطبي الذي تولّى إجراء العملية، مخصًّا بالذكر الجرّاح العراقي الدكتور طه الدليمي، تقديرًا لجهوده ودوره في نجاح العملية. كما أثنى على والده سيف بن علي الشكيلي الذي تكبّد لأجله مشاق المتابعة والرعاية، وكان ملازمًا له في المستشفى طوال عشرين يومًا، إلى جانب مرافقته له في العديد من المراجعات الدورية اللاحقة.
ويمثّل نجاح أول عملية قلب مفتوح لطفل داخل السلطنة منعطفًا بارزًا في مسيرة القطاع الصحي العُماني، إذ شكّل انتقالًا حقيقيًا من مرحلة الاعتماد على العلاج الخارجي إلى مرحلة امتلاك الكفاءات والقدرات الجراحية المتقدمة محليًا، الأمر الذي رسّخ ثقة المجتمع بالخدمات الصحية الوطنية وفتح الباب أمام إجراء المزيد من العمليات التخصصية داخل البلاد.
لقد شكّلت هذه العملية التاريخية، التي أجريت قبل خمسةٍ وثلاثين عامًا في المستشفى السلطاني، حجر الأساس لانطلاقة جديدة في جراحة القلب داخل سلطنة عُمان، وأسهمت في بناء تراكمٍ من الخبرات الوطنية وتعزيز القدرات الطبية المتخصصة.
ومع مرور الأعوام، أثبتت المؤسسات الصحية العمانية قدرتها على مواصلة التطور وتقديم خدمات علاجية متقدمة، بفضل الاستثمار في البنية الأساسية وتأهيل الكوادر الطبية وتبنّي أحدث التقنيات، وتبقى قصة محمد الشكيلي شاهدًا إنسانيًا وعلميًا على مدى التحول الذي عاشه القطاع الصحي، وعلى الإرادة الوطنية التي جعلت المستحيل ممكنًا داخل الوطن.
المراجع
  • جريدة عمان. عدد (3492)، الأربعاء 12 ديسمبر 1990.
  • الشقصي، ناصر بن حبيب بن سالم. تقرير بعنوان الصحة وجهود السلطنة، نشرة المعرفة، اللجنة الثقافية بنادي بهلا
  • محمد بن سيف بن علي الشكيلي. اتصال هاتفي، الثلاثاء 25 نوفمبر 2025م

شارك هذا الخبر