الأولى

أوكرانيا والأكراد وغرينلاند؛ طعنات رجل الصفقات لأوروبا

أوكرانيا والأكراد وغرينلاند؛ طعنات رجل الصفقات لأوروبا

أثير - فادي عيد

محلل سياسي متخصص في شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

لم يعد الخلاف بين راعي البقر وقطيع الخراف البيضاء في القارة العجوز يخفى على أحد؛ فبعد احتدام وشدٍ وجذبٍ في ولاية دونالد ترامب الأولى، ثم الخلاف الواضح والصريح في ولايته الثانية حاليًا، بات الجميع يتساءل عن أسباب هذا التوتر، وهل ما تزال هناك فرصة لإنهاء هذه الأزمات وعودة الأمور إلى ما كانت عليه بين أوروبا وواشنطن، قبل تطلعات ترامب في ولايته الثانية، التي تأتي في مجملها على حساب أمن دول الاتحاد الأوروبي، الذي اهتز بشدة منذ خروج بريطانيا منه، وهي الخطوة التي ما كانت إلا مقدمةً للأحداث التي تتكشف اليوم بين أوروبا والشق الثاني من الأنجلوساكسون (واشنطن).

ونحن هنا بصدد النظر في جوهر الخلاف الحقيقي بين أوروبا وواشنطن؛ إذ توجد ثلاثة ملفات غاية في الأهمية للقارة العجوز، تخلى فيها رجل الصفقات عن أوروبا بلا مواربة.

الملف الأول: أوكرانيا.

فبعد سنوات من الصمود الأوكراني في مواجهة روسيا، بدعم من دول حلف شمال الأطلسي، وفي مقدمتها قاطرة أوروبا السياسية فرنسا، وقاطرتها الاقتصادية ألمانيا، قرر ترامب انتهاج سياسة مغايرة تمامًا لسياسة سلفه جو بايدن، عبر التفاهم مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين على تقاسم الكعكة الأوكرانية بالتراضي؛ فموسكو لها الشرق الأوكراني وشبه جزيرة القرم، بينما تحصل واشنطن على المعادن النادرة، تاركًا الرئيس الأوكراني، كالطفل اليتيم، وعلى أوروبا أن تتكفل برعايته سياسيًا وأمنيًا.

الملف الثاني: الشام.

فبعد زيارة ولي العهد السعودي الأخيرة إلى واشنطن، قرر ترامب التخلي الكامل عن الأكراد، الحليف الأبرز لأوروبا في الشرق الأوسط، لصالح القيادة السورية الجديدة. وهنا برز دور توم باراك، ذو الأصول العثمانية، السفير الأمريكي السابق في أنقرة، ومبعوث الرئيس الأمريكي لمنطقة الشام (ونقول الشام لا سوريا، وهي نقطة نلفت الانتباه إليها)، إذ تشير هذه التسمية إلى ما هو قادم على العراق ولبنان أيضًا، على يد أحمد الشرع ورفاقه السابقين في هيئة تحرير الشام، والحاليين في هرم السلطة السورية.

وقد لعب باراك دورًا محوريًا في تقريب وجهات النظر بين أنقرة وواشنطن والرياض والدوحة، بما يتيح لترامب التخلي الكامل عن الأكراد مقابل أعلى عائد سياسي واقتصادي ممكن، وهو ما حدث بالفعل. ويعيد هذا المشهد إلى الأذهان ما جرى قبل خمسة عقود، عندما أدّى وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر الدور نفسه مع أكراد العراق. إلا أن «روج آفا» يبدو أنها لم تستوعب بعد طبيعة السياسة الأمريكية، ولا آلية تفكير رجل الصفقات دونالد ترامب.

ولا يفوتنا هنا أن نشير إلى أن هزيمة الأكراد أمام القيادة السورية الجديدة تعني، في جوهرها، هزيمة النفوذ الأوروبي لصالح المشروع التركي في المنطقة، وهو ما يحمل تداعيات شديدة السلبية على أمن أوروبا، لا سيما في ظل ارتباط الإسلاميين، سواء من اللاجئين أو الفارين إلى أوروبا، بالنظام التركي، بوصفه الراعي الرسمي للإسلام السياسي. وتشكّل هذه المعادلة كماشةً تطحن بين شقيها (الإسلاميين واللاجئين) عظام أوروبا من الداخل، وتمنح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورقة ضغط فعالة في مواجهة العواصم الأوروبية.

أما الملف الثالث، فهو غرينلاند.

ذلك الملف الذي فجّره ترامب مؤخرًا، بعد أن دأب على تفتيش كل بقعة في العالم تحتوي احتياطات ضخمة من النفط أو الغاز أو المعادن النادرة، سعيًا للسيطرة عليها. وهنا أطلق ترامب الطلقة الثالثة والأخيرة، واضعًا حدًا شبه نهائي للعلاقة بين راعي البقر وقطيع الخراف البيضاء، المسمّى سياسيًا الاتحاد الأوروبي، المنهك من الداخل، والمهدَّد من الخارج، ليس من موسكو فقط، بل من واشنطن نفسها.

فهدد ترامب، مطلع الأسبوع الجاري، قادة أوروبا بفرض رسوم جمركية قد تصل إلى 25% بحلول يونيو المقبل، في حال عدم موافقة الاتحاد الأوروبي على بيع غرينلاند للولايات المتحدة. وجاء هذا التهديد بعد قراره فرض رسوم جمركية بنسبة 10%، تطبق في فبراير القادم، على ثماني دول أوروبية، هي: بريطانيا، وألمانيا، وفرنسا، والدنمارك، والنرويج، والسويد، وفنلندا، وهولندا.

ويبدو أن ترامب قد عزم على زيادة الضرب على رأس أوروبا؛ فالمطرقة التي يستخدمها هذه المرة شديدة القسوة، وضرباتها كفيلة بأن تجعل حلف شمال الأطلسي ميتًا إكلينيكيًا.

فهل ستستخرج واشنطن، حقًا، شهادة وفاة حلف الأطلسي أو حتى الاتحاد الأوروبي قريبًا؟

الأيام القادمة من هذا العام الحاسم وحدها كفيلة بالإجابة، في ظل خرائط جديدة ترسم، وتحالفات جديدة تتشكل، قد تغير ملامح العالم الذي كنا نعرفه حتى أسابيع قليلة مضت.

Your Page Title