”إمبابي“ الذي أسهم في تأسيس الصحافة الرياضية العُمانية؛ فماذا تعرف عنه؟

 ”إمبابي“ الذي أسهم في تأسيس الصحافة الرياضية العُمانية؛ فماذا تعرف عنه؟
الكابتن والصحفي فاروق إمبابي
أثير- د. محمد بن حمد العريمي
عرفت الصحافة العمانية في تاريخها الحديث عددًا من الشخصيات الصحافية العربية التي أسهمت في تأسيس ونهضة العمل الصحفي في سلطنة عمان منذ مطلع السبعينيات وكانت أسماؤهم تتصدر الصفحات الأولى في العديد من الصحف والمجلات العمانية.
ومن بين هذه الشخصيات الصحفية يبرز اسم الكابتن والصحفي فاروق إمبابي الذي عرفته الصحافة الرياضية العمانية كمدرب للهوكي، ثم كصحفي ورئيس القسم الرياضي في جريدة ”عمان“ لفترة طويلة تجاوزت العشر سنوات.
ويُمثّل فاروق إمبابي أحد الأعمدة التأسيسية للصحافة الرياضية في سلطنة عمان خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات الميلادية، إذ تزامن حضوره المهني مع تشكّل البنية الأولى للرياضة العُمانية الحديثة، ولم يكن تأثيره مقتصرًا على نقل الأخبار أو متابعة المباريات، بل تجاوز ذلك إلى ترسيخ مفهوم الصحافة الرياضية بوصفها أداة توثيق وبناء وعي، في مرحلة كانت فيها البطولات والأندية والاتحادات في طور التكوين، فقد أسهمت خبرته الطويلة لاعبًا وحكمًا ومدرّبًا في تقديم قراءة فنية ناضجة للمشهد الرياضي المحلي، وربط التجربة العُمانية بالسياقين العربي والدولي، وهو ما منح القارئ آنذاك فهمًا أعمق لطبيعة المنافسات وأهميتها.
كما شكّل حضوره في جريدة عُمان مرجعًا مبكرًا لتاريخ البطولات الأولى، وساعد في تثبيت ذاكرة رياضية مكتوبة ما تزال تُعد اليوم مصدرًا أساسيًا للباحثين والمؤرخين، وبهذا الدور المركّب، يُمكن النظر إلى فاروق إمبابي بوصفه أحد الرواد الذين أسهموا في صياغة الخطاب الرياضي والإعلامي العُماني في سنواته الأولى.
مسيرة رياضية مميّزة
وُلِد الكابتن والصحفي فاروق إمبابي قرابة عام 1929م في مدينة القاهرة، وبدأ ممارسة الرياضة منذ عامه السابع، قبل أن يلجها لاحقًا من أوسع أبوابها لاعبًا، ثم مدرّبًا، فصحفيًا، وكانت تجربته الأولى مع كرة القدم، حيث لعب ضمن فريق الكرة بـ النادي الأهلي المصري في الفترة التي أشرف فيها الكابتن الكبير مختار التتش، الذي خُلِّد اسمه بإطلاقه على ملعب النادي الأهلي.
لم يمضِ وقتٌ طويل حتى تحوّل الكابتن إمبابي إلى ممارسة رياضة كرة الهوكي، تاركًا مجموعة كرة القدم التي بدأ معها، ليبرز في لعبة أخرى لا تقل حضورًا في مسيرته الرياضية، وقد زامله في تلك الفترة عددٌ من الأسماء اللامعة، من بينهم الكابتن صالح سليم رئيس النادي الأهلي المصري التاريخي، والكابتن عبد الوهاب سليم، والسيد الضظوي، ومحمود الجوهري، وطه إسماعيل، وهم جميعًا من أبرز اللاعبين الذين مثّلوا النادي الأهلي والمنتخب المصري خلال عقد الخمسينيات من القرن العشرين.
استمرت رحلة الكابتن فاروق إمبابي مع لعبة الهوكي لاعبًا دوليًا في صفوف منتخب مصر للهوكي حتى اعتزاله اللعب في عام 1960م، وبعد نهاية مشواره داخل الملعب، بدأ مسارًا جديدًا في التحكيم، حيث تدرّج حتى نال شارة الحكم الدولي فئة (أ)، وشارك في إدارة مباريات كأس العالم للهوكي التي أُقيمت في أمستردام.
وبالتوازي مع عمله التحكيمي، انتُخب سكرتيرًا لمنطقة القاهرة للهوكي، ثم شغل منصب السكرتير العام المساعد في الاتحاد المصري للهوكي، إلى جانب رئاسته للجنة الحكّام الرئيسية بالاتحاد، ليسهم بذلك في تطوير منظومة التحكيم وإدارة اللعبة على المستوى الوطني.
في سلطنة عمان
حضر الكابتن فاروق إمبابي إلى سلطنة عمان في عام 1974م، لتولّي الإشراف الفني على منتخب الهوكي العماني، حيث استمر في عمله مدربًا لمدة عامين، وبعد ذلك، توقّف نهائيًا عن نشاطه الرياضي كمدرّب، متفرغًا للعمل الصحافي الرياضي.
وفي هذا الإطار، عمل مشرفًا على القسم الرياضي في جريدة عمان، وواصل أداءه المهني فيها حتى نهاية ثمانينيات القرن العشرين، مسهمًا بخبرته الطويلة في إثراء الصحافة الرياضية العُمانية خلال مرحلة مبكرة من تطورها.
ويبدو أن عمل فاروق إمبابي كصحفي في جريدة عمان قد بدأ منذ عام 1974م، ففي 15 يونيو 1974م نشرت جريدة عمان في الصفحة الرياضية عنوانًا ـللمحرر فاروق إمبابي بعنوان ”بدأت بطولة كأس العالم وألمانيا الغربية مرشحة للفوز“، وفي 6 يوليو 1974م نشرت جريدة عمان في صفحتها الرياضية عددًا من الأخبار الرياضية من بينها: بطولة الخليج لألعاب القوى في نوفمبر القادم، ومجلس أعلى لرعاية الشباب بالسعودية، وهل تنظم الجزائر الدورة الأولمبية عام 1984؟ والسيب يفوز على البارجة الفرنسية في كرة القدم، وفوز الخابورة على المعاول في كرة القدم، وذلك بقلم المحرر فاروق إمبابي، وفي عدد 3 أغسطس 1974م، كتب فاروق إمبابي عمودًا بعنوان ”كلمة من المحرر: أندية الشباب“، وغيرها من المقالات والتغطيات الأسبوعية، وهو ما يعزز الدلالة على حضوره المبكر والمؤثر في الصحافة الرياضية العُمانية منذ البدايات الأولى لمرحلة النهضة في سلطنة عمان.
في موسم 1977/1978م انطلق أول دوري عُماني لكرة القدم، وأُقيم بنظام الدور الواحد، بمشاركة أندية: فنجاء، وروي، وصور، وعُمان، والطليعة، والأهلي، والسيب، والعروبة، والشرطة، ومطرح، وسداب، والنهضة، والوحدة.
وأسفرت نتائج ذلك الموسم عن تتويج نادي فنجاء بالبطولة، يليه روي في المركز الثاني، ثم صور ثالثًا، وعُمان رابعًا، وتكتسب هذه المرحلة أهمية خاصة في تاريخ الرياضة العُمانية الحديثة، إذ كان فاروق إمبابي من أوائل الصحفيين الرياضيين الذين تولوا تغطية بدايات البطولات الرياضية الكبرى في سلطنة عمان، مسهمًا بدورٍ توثيقي وإعلامي رائد في رصد نشأة المسابقات الكروية المنظمة خلال سنوات التأسيس الأولى.
معلومات أرشيفية شحيحة
يثير غياب المعلومات الأرشيفية الموثقة عن شخصية فاروق إمبابي وعن غيره من الشخصيات السياسية والاقتصادية والفكرية التي أسهمت بدورٍ كبير في النشاط العام في سلطنة عمان خلال سنوات النهضة الأولى قدرًا كبيرًا من الأسف، لاسيما إذا ما قورنت مكانته المهنية وتأثيره الواضح في البدايات الأولى للرياضة والصحافة الرياضية في سلطنة عمان بحجم ما هو متوافر من مادة تاريخية عنه اليوم، فهذه الفجوة الأرشيفية لا تعبّر عن ضعف في حضوره أو عطائه، بقدر ما تعكس هشاشة التوثيق في مراحل التأسيس الأولى، حيث طغى الاهتمام بالبناء العملي على حفظ الذاكرة المكتوبة والسير المهنية للرواد.
ويُعد غياب الأرشيف المتكامل خسارة معرفية للباحثين والمؤرخين، إذ حُرم تاريخ الرياضة العُمانية من سيرةٍ مهنية كان يمكن أن تشكّل مصدرًا أساسيًا لفهم تطور الإعلام الرياضي، ودوره في مرافقة نشأة الأندية والدوريات والمنتخبات. كما يكشف هذا النقص عن حاجة ملحّة إلى مشروع وطني لجمع الشهادات والوثائق الشفوية والمكتوبة ليس عن إمبابي لوحده، بل عن كثيرٍ من الشخصيات التي قدّمت أدوارًا وطنيّةً مشابهة، قبل أن تضيع مع رحيل أصحابها.
إن الإشارة إلى هذا الغياب لا تأتي من باب الرثاء وحده، بل بوصفها دعوة مفتوحة لإعادة الاعتبار للتوثيق، واستكمال ما فات من خلال تتبّع أرشيف الصحف القديمة، واستنطاق الذاكرة الشفوية لزملائهم ومعاصريهم، لتبقى تلك الأسماء حاضرةً في السجل التاريخي لسلطنة عُمان.
أهمية التكريم
تنبع أهمية تكريم فاروق إمبابي بعد وفاته من كونه أحد الرواد المؤسسين للصحافة الرياضية في سلطنة عُمان، وشاهدًا مباشرًا ومسهمًا فاعلًا في مرحلة التشكّل الأولى للرياضة العُمانية الحديثة.
فقد أدّى دورًا يتجاوز الوظيفة الصحفية التقليدية، إذ أسهم في توثيق البدايات الأولى للدوريات والمسابقات، ونقل التجربة الرياضية المحلية من نطاقها المحدود إلى فضاء إعلامي منظم، حافظ على الذاكرة الرياضية الوطنية من الضياع.
كما يمثّل تكريمه اعترافًا بقيمة الدور التوثيقي والمعرفي للإعلام الرياضي في بناء الهوية الرياضية الوطنية، وتقديرًا لصحفي جمع بين الخبرة الميدانية لاعبًا وحكمًا ومدرّبًا، وبين القلم المهني الرصين، ويُعد هذا التكريم رسالة وفاء لجيل الرواد الذين عملوا بصمت في ظروف التأسيس، وأسهموا في وضع اللبنات الأولى للإعلام الرياضي العُماني.
ومن زاوية أوسع، فإن تكريم فاروق إمبابي بعد وفاته يُشكّل درسًا مؤسسيًا في ثقافة الاعتراف، ويحفّز الأجيال الجديدة من الإعلاميين والرياضيين على إدراك أن الجهد المهني الصادق يظل حاضرًا في الذاكرة الوطنية، حتى بعد الرحيل، ويستحق أن يُخلَّد بوصفه جزءًا من تاريخ عُمان الرياضي والإعلامي.
المراجع
- حشيش، عصام. تقرير بعنوان " الرياضة ليس لها عمر، جريدة عمان. الصفحة
الخامسة، عدد السبت 4 يناير 1986.
- العريمي، محمد بن حمد. تاريخ كرة القدم في سلطنة عمان، منصة ”أثير“ ، 16 يناير
2024
- العريمي، محمد بن حمد. 4 شخصيات أسهمت في تأسيس جريدة عُمان، منصة ”أثير“
، 23 يوليو 2019.

شارك هذا الخبر