يدٌ واحدة: من أفلاج عُمان إلى قنوات الشام

يدٌ واحدة: من أفلاج عُمان إلى قنوات الشام
فلج
محمد حسن - كاتب وباحث سوري
كانت أنظمة الري تنطلق من قاعدة مفادها أن الماء كالهواء حق للجميع لا يُشرى ولا يُباع، من هنا لا بد بداية من معرفة أنّ أنظمة الري المعروفة بالأفلاج جمع فلج أو الأقنية: جمع قناة أو الكهريز أو السّرب أو غيرها من الأسماء التي تدل عليها، هي مجموعة متكاملة، من الأساليب والطرق والأدوات، التي ابتكرها الإنسان الأول بعد اكتشافه للنار والزراعة وتدجين الحيوانات، عندما داهمه الجفاف والتصحر بعد انحسار موجة الجليد الرابعة التي خفت بعدها الأمطار في مناطق سكنه، وافتقد بذلك الماء الذي يجعل من كل شيء حي، وراح يبحث عنه في مواضع أخرى.
ومن المرجح أن الإنسان العربي الذي أصاب الجفاف منطقته العربية، كان أول من مارس هذا البحث وابتكر وسائله المتلاحقة، وكانت أنظمة الري بمختلف درجاتها من البسيط إلى المعقد حلاً منطقياً لمشكلة الجفاف التي داهمت منطقته بعد انحسار موجة الجليد وانتهاء العصر المطير، الذي يعود إلى أكثر من خمسة عشر ألف سنة على الأقل.
هذه الأنظمة المتبعة في الري قديمة ربما قدم الإنسان العاقل الأول الذي استوطن البقعة الجغرافية المعروفة بالمنطقة العربية في جنوب غرب آسيا وشمال إفريقيا، والذي كان الإنسان العربي الأول وريثه الطبيعي في هذه المنطقة. ويؤكد معظم المؤرخين والخبراء أن هذا الإنسان العربي الأول كان من أوائل من اكتشف تدجين الحيوان والزراعة، مثلما اكتشف معها علاقتها الوثيقة بالماء والجفاف، فاستثمر ما اكتشفه، خلال حياته البدائية الأولى، للتلاؤم مع البيئة التي أقام بها، والتي كانت مطيرة، غنية بالمنابع والأنهار والبحيرات والمساقط والأشجار. فلما تبدلت ظروفها الطبيعية (الجيولوجية والتضاريسية والمناخية)، بعد انحسار موجة الجليد الرابعة، وتعرض الإنسان العربي ومنطقته لفترات طويلة نسبياً، من الجفاف والتصحر وقلة موارده المائية، التي هي أُسّ الحياة، لذلك كان لابد له أن يستخدم كل ذكرياته وخبراته ومعارفه، للبحث عن مصادر أخرى للمياه أينما وجدت فوق سطح الأرض أو تحتها لجرها إلى أرضه التي أقام عليها سُكناه، ليستقي منها ويسقي زرعه وقطيعه، أو عمال منجمه. فابتكر حلولاً بدأت بسيطةً بسد أو مجرى بسيط أو بئر عادية، وانتهت بأنظمة معقدة كان الفلج أو القناة وأنفاقها ذات التقنية المميزة أنواعاً متقدمة منها، وتم ذلك في مرحلة حضارية مبكرة تعود للألف الثالث قبل الميلاد وذلك اعتماداً على آثارها الباقية. وهكذا كان سكان المنطقة العربية مهيئين بحكم مواهبهم الفطرية كغيرهم من الشعوب منذ آلاف السنين، لمعالجة هذه المشاكل الطارئة في مواعيدها وإلا تعرضوا للفناء بسبب الجوع والعطش، ولم تكن تلك الأساليب هدية من معطيات الغير، حملها إليهم الغزاة جاهزة وإنما هي جزء من تراث شعوب المنطقة، الأقدم عُمراً، وليست من تراث غيرهم، ممن حلّ فيها غازياً أو عابراً بعد مضي بزوغ معالم الحضارة الأولى، كما يعتقد البعض.
الأفلاج جمع فلج والقنوات جمع قناة، نبع ماء جوفي، يتفجر في أعماق بئر، يُحفَر خصيصاً للوصول إلى مستوى الماء الجوفي، المختزن في طبقات الصخور الرسوبية، والمحصورة بين طبقات الصخور الكتيمة. وبئر الفلج أو القناة ليس بئراً عادياً ينزح ماؤه بالدلاء وإنما يحفر نفق بميل خفيف، يسهل جريان الماء فيه، بأقنية حجرية شبه أفقية، يتم بناؤها على امتداد النفق، تمتد من البئر الأم المرتفع حيث منبع المياه إلى الأرض المروية، في مستوى منخفض بحيث يُتاح للماء أن يجري بالراحة، حتى يصل إلى نقطة على سطح الأرض، تصبح فيها القناة مكشوفة. فالفلج أو القناة يضم شبكة من الأنفاق والأقنية الرئيسية والفرعية مع فتحاتها ومدرجاتها ولكل فلج بئر رئيسي يجب أن يكون في موقع أكثر ارتفاعاً من الأرض التي يراد ريها، ويتطلب ذلك دراسة دقيقة، لمستوى البئر، ولمستوى الأرض التي يراد ريها، ولمقدار زاوية الميل، ولا يتم ذلك إلا من قبل أُناس مختصين، يملكون الخبرة والمعرفة نتيجة الممارسة، ولكل فلج مجموعة من الآبار تُحفر متتابعة على امتداد النفق التحتي، وهي آبار شكلية لا ماء فيها، وكلما ابتعدت عن البئر الأم تناقص عمقها، لأنه يصل بين سطح الأرض وقناة النفق، لتقوم بمهام التهوية والإصلاح وتكون على مسافات واحدة ومحددة وتظل فتحاتها مكشوفة معرضة للهواء وصالحة للتهوية وكي يُتاح عند الضرورة تنظيف الأقنية من الأوشاب وترميم ما يتخرب منها، فبقاء الفلج ودوام عطاؤه وقف على نشاط الإنسان الذي تجمّع حوله، وعلى مجمل استعداداته في الفكر والذاكرة والتخيل. فكما أن الفلج مدين في إنشائه وحمايته وبقائه وتطوره إلى نشاط الإنسان وحسن تصرفه كمجموعة مسؤولة ومنظمة، فإن تجمع الناس واستقرارهم في مكان محدد مدين لوجود الماء أي الفلج أو القناة. بعد أن تبدأ مياه الفلج في الجريان يتم تقسيمها بنظام الردة على أساس وحدة زمنية متعارف عليها هي البادة أو الأثر، وكانت مدة الأثر تحدد في النهار بواسطة الظل، وفي الليل بواسطة حركة النجوم، فالردة تساوي يوم كامل ٢٤ ساعة وتقسم الساعة الواحدة إلى أثرين مدة كل منها نصف ساعة تقريباً أي أن الردة تساوي ثمانية وأربعين أثر، فتقسيم الماء يقوم على علم دقيق وخبرة ومهارة تناط بموظفين مختصين على أساس أن الماء حاجة ضرورية للمجتمع ويجب أن لا يعرقل استخدامه الجيد والمتواصل أي شيء.
تولت الآثار الكثيرة المكتشفة إبراز أهمية الدور الحضاري الخلاق الذي لعبته المنطقة العربية وسكانها على اختلاف أسماء تجمعاتهم وعلى اختلاف المراحل التاريخية التي لعبوا فيها أدوارهم والتي ما كان لهم أن يؤدوها لولا الخصائص الإيجابية التي تملكها أقاليمهم ولا سيما في فجر الحضارة، فالتنقيب الأثري عن ماضي عُمان، بعد نهضتها الحديثة، كشف عن آثار تعود للعصور الحجرية في الألف السادسة قبل الميلاد، عاش سكانها الأوائل في مستوطنات صيد وزراعة وتعدين كما في منطقة رأس الحمراء، أو بات الجبلية وغيرها، ومن الملف للنظر أنّ بعض هذه المكتشفات، تشبه ما عُثر عليه في بعض مستوطنات الجزيرة العليا السورية في بلاد الشام، حيث كانت الزراعة وتأمين الماء لها أساس حياة أولئك البشر وجهادهم المتواصل الذهني والعملي لتطوير مستلزماتها وتهيئة شروطها وهذا ما جعل الماء في هذه الملحمة الإنسانية الأولى الشرط الجوهري لقيامها، فأماكن الاستقرار الأولى ارتبطت بوجود المياه وبابتكار الوسائل القادرة على جره إلى مكان التجمع البشري، وعند اشتداد الحاجة إلى الماء في مواسم الجفاف ابتكر سكان المنطقة العربية أنظمة الري على اختلاف أنواعها واختلاف تعقيداتها، والقارئ لتلك الأنظمة على اختلاف تسمياتها باختلاف المناطق العربية يجد دون عناء قواسم مشتركة تتعلق بوحدة التنظيم الهندسي، ووحدة الإدراك المعرفي لخصائص البيئة العربية ووحدة المنشأ والتاريخ، فيدرك أن أفلاج عُمان هي بعينها أقنية الشام وأنفاق آبارها، وكهاريز العراق وكظائم الحجاز نفس الهندسة ونفس النظم والقواعد والخدمات. إنها هندسة عين جيحون ذاتها والقناة التي بنيت لها منذ الألف الثالثة قبل الميلاد، في جازر وهي مدينة وحصن للكنعانيين على مقربة من القدس ماتزال قائمة تؤدي وظيفتها حتى اليوم. حين تتجول في الشرقية والرستاق ونزوى وبساتين نخيلها الكثيفة وترى أفلاجها ولا سيما فلج دارس وكيف تحيط بك الأقنية والجداول من كل جانب تتخيل نفسك ماتزال تتجول بين خمائل أنطاكية، أو غوطتي دمشق، أو غيرها من مرابع الشام الجميلة، تتذكر دمشق العريقة، التي حولت نهرها الشهير بردى، وعيون واديه الغزيرة، إلى شبكة لا حصر لأقنيتها وأنهارها، تتشعب في أحياء دمشق، حتى دُعي أحد أحيائها بحي القنوات، ودخلت بيوت المدينة ومنشآتها ونسجت أعظم شباكها في غوطتيها كالأوردة والشرايين قبل أن يزحف الجفاف إلى كثيرٍ منها. وقد أشارت الدراسات العمانية الحديثة عن أسباب الجفاف والسبيل إلى معالجتها وإلى ما عمدت إليه السلطات في معالجتها حيث استطاعت سلطنة عُمان عن طريق المحافظة على نظام الأفلاج الحد من ظاهرة التصحر رغم وقوعها جغرافياً في المناطق الجافة أو التي يكثر فيها التعرض لفترات الجفاف حيث أمكن من خلال إجراء الصيانات المستمرة للأفلاج المحافظة عليها والإبقاء على المساحات التي سادتها الزراعات المستديمة مثل النخيل والفاكهة التي تتخللها بعض الزراعات الموسمية، فرصدت الملايين للمحافظة على الأفلاج وتطوير طرق صيانتها وسنت القوانين ووضعت الضوابط للمحافظة على مصادر مياهها وأدخلت الوسائل الحديثة في صيانتها.
فهل كان أولئك الأسلاف، الذين خططوا لهذه الحلول المبتكرة يختلفون في الشام، عن أولئك الأسلاف الذين فعلوا نفس الشيء في عُمان؟
إنّ الجواب يتجلى واضحاً في وحدة الفكر الهندسي، ووحدة النظم، ووحدة الإدراك المعرفي الذي جمع أبناء هذه المنطقة العربية عبر آلاف السنين.
من نزوى إلى دمشق، ومن جازر إلى أنطاكية، نفس الروح الحضارية التي جعلت من الماء حقاً للجميع، يُنظم بعدالة ويُحافظ عليه بمسؤولية.
واليوم، في عصر التحديات المائية المتزايدة والتغيرات المناخية، تعود أهمية هذا الإرث الحضاري إلى الواجهة. فالدروس المستفادة من تجربة الأجداد في إدارة الموارد المائية الشحيحة، وفي المحافظة على التوازن البيئي، وفي التعاون المجتمعي لحماية مصادر الحياة، تبقى ذات صلة وثيقة بحاضرنا ومستقبلنا.
إن الجهود المبذولة في سلطنة عُمان للمحافظة على الأفلاج وتطويرها، والقوانين المسنونة لحمايتها، تمثل نموذجاً يُحتذى به في كيفية الجمع بين الحفاظ على التراث والاستفادة من التقنيات الحديثة. إنها دعوة لكل أبناء المنطقة العربية لإعادة الاعتبار لهذا الإرث الحضاري العظيم، ولتطوير حلول مستدامة تستلهم حكمة الأسلاف وتوظف إمكانات الحاضر، فالأفلاج والقنوات هي جسور تربطنا بجذورنا الحضارية، وتذكرنا بأن التحديات الكبرى لا تُواجه إلا بالإبداع والعمل الجماعي والإيمان بقدرة الإنسان على صناعة الحياة حتى في أقسى الظروف.

شارك هذا الخبر