أثير - ريما الشيخ
مع الثورة التقنية الهائلة التي شهدها العالم في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، ومع الانتشار الواسع لاستخدام شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي والهواتف الذكية، تغيّر شكل العلاقات الإنسانية وطرق التفاعل بين الأفراد، لم يعد التواصل محصورًا في اللقاء المباشر، بل أصبح يتم عبر الشاشات والمنصات الرقمية، حيث تتداخل الحياة الاجتماعية والتعليمية والعملية في فضاء إلكتروني مفتوح، غير أن هذا التحول، إلى جانب ما حمله من مزايا، أفرز في المقابل أنماطًا جديدة من السلوكيات الضارة، كان من أبرزها التنمر الإلكتروني.
هذا النوع من التنمر لا يقوم على الاحتكاك الجسدي أو المواجهة المباشرة، بل يحدث عبر رسائل وتعليقات وصور ومقاطع ومنشورات يمكن أن تنتشر خلال لحظات وتصل إلى عدد غير محدود من الأشخاص، مخلفة آثارًا نفسية ومعنوية قد تكون أشد من أي اعتداء تقليدي، وفي ظل هذا الواقع المتغير، برزت تساؤلات قانونية حول طبيعة هذه الأفعال، وما إذا كانت التشريعات الجزائية القائمة قادرة على احتوائها ومواجهتها، أم أن الأمر يتطلب تدخلًا تشريعيًا خاصًا.
ومن هذا المنطلق تستعرض “أثير” دراسة ”التنمر الإلكتروني ومدى اعتباره جريمة جزائية في القانون العُماني، أجراها ثلاثة باحثين من كلية الحقوق بجامعة صحار، وهم الدكتور أحمد محمد العمر أستاذ مساعد في الكلية والدكتور عبدالله بن علي الشبلي أستاذ مساعد في الكلية ، وأشرف محمد غرايبة باحث ماجستير في الكلية، وتم نشرها في مجلة جامعة السلطان قابوس للدراسات القانونية في سبتمبر 2024م.
ما هو التنمر الإلكتروني؟
تنطلق الدراسة من تحديد المفهوم اللغوي والاصطلاحي للتنمر، فالتنمر في اللغة يرتبط بالشدة والغلظة وإظهار العدوان، أما وصفه بالإلكتروني فيشير إلى اقترانه بوسائل التقنية الحديثة، وفي الاصطلاح القانوني يُقصد به السلوك العدواني المتعمد والمتكرر الذي يتم عبر الوسائط الإلكترونية بقصد إلحاق الأذى النفسي أو المعنوي بالضحية.
وترى الدراسة أن التنمر الإلكتروني لا يمكن اختزاله في مجرد إساءة عابرة، بل هو نمط من الاعتداء يقوم على ثلاثة عناصر أساسية تتمثل في الفعل العدواني، والوسيلة الإلكترونية المستخدمة، والقصد المتعمد في الإضرار، وبناء على ذلك يمكن اعتباره كل فعل عدائي يستخدم فيه الجاني الشبكة المعلوماتية أو وسائل الاتصال الحديثة لإيذاء شخص أو مضايقته أو تهديده أو ابتزازه أو التشهير به أو المساس بسمعته واعتباره.
ولا يشترط في هذا الفعل تحقق ضرر مادي، إذ يكفي الضرر النفسي أو المعنوي، وهو ما يمنحه خصوصية قانونية تميزه عن كثير من الجرائم التقليدية.
الخصائص التي تميز التنمر الإلكتروني
توضح الدراسة أن التنمر الإلكتروني يتسم بعدد من السمات الخاصة، فهو أولًا سلوك عدواني يقوم على القصد والإرادة، حيث يتعمد الجاني الإساءة ولا يكون فعله عرضيًا، كما يتسم بالتكرار والاستمرارية، إذ لا تقف الإساءة عند واقعة واحدة، بل يعاد نشرها أو تداولها مرات عديدة، وقد يستمر أثرها لفترات طويلة.
ومن الخصائص الجوهرية كذلك اختلال ميزان القوة بين الطرفين، فقد يمتلك الجاني مهارات تقنية أو قدرة على الوصول إلى جمهور واسع، بينما تجد الضحية نفسها عاجزة عن الدفاع أو الرد، ويزيد من ذلك أن الوسائل الإلكترونية تتيح الوصول إلى الضحية في أي وقت، مما يجعل الأذى ملازمًا لها بصورة دائمة. وتبرز أيضًا خاصية إخفاء الهوية، حيث يستطيع المتنمر استخدام حسابات وهمية أو أسماء مستعارة، ما يصعب من عملية تعقبه ومساءلته، كما أن قابلية المحتوى الإلكتروني للحفظ وإعادة النشر تجعل الإساءة قابلة للتكرار دون جهد إضافي من الجاني.
الآثار المترتبة على الضحية
تشير الدراسة إلى أن التنمر الإلكتروني لا يقتصر أثره على لحظة نشر الإساءة، بل يمتد ليترك انعكاسات نفسية واجتماعية عميقة، فقد تعاني الضحية من القلق والخوف والعزلة والاكتئاب وفقدان الثقة بالنفس، وقد يتأثر تحصيلها الدراسي أو أداؤها الوظيفي، كما قد تتضرر سمعتها ومكانتها داخل المجتمع. وتزداد الخطورة عندما يتعلق الأمر بنشر صور أو معلومات خاصة، إذ قد تلازم الضحية لفترات طويلة نتيجة سهولة تداولها إلكترونيًا.
صور التنمر الإلكتروني
تستعرض الدراسة صورًا متعددة للتنمر الإلكتروني، فلا يقتصر على السبّ أو القذف، بل يشمل نشر الشائعات، والتشهير، والتهديد، والابتزاز، وانتحال الشخصية، وإفشاء الأسرار، ونشر الصور أو المقاطع دون إذن، وإرسال رسائل أو تعليقات مسيئة ومتكررة، وإقصاء الضحية من المجموعات الرقمية، أو الدعوة إلى مقاطعتها اجتماعيًا. كما قد يتخذ طابعًا اجتماعيًا أو وظيفيًا أو سياسيًا أو اقتصاديًا أو إعلاميًا، وقد يمتد إلى الاعتداء على البيانات والمعلومات الإلكترونية أو اختراق الحسابات أو التلاعب بها.
موقف القانون العُماني من الظاهرة
بعد هذا العرض المفاهيمي والسلوكي، تنتقل الدراسة إلى تحليل الإطار التشريعي في سلطنة عُمان، وتوضح بدايةً أن المشرّع العُماني لم يضع نصًا صريحًا يجرّم التنمر الإلكتروني كجريمة مستقلة، وإنما تتوزع أفعاله بين نصوص متفرقة في قانون الجزاء وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات.
ففي قانون الجزاء تُجرم أفعال السب والقذف والتشهير والتهديد والابتزاز والاعتداء على الحياة الخاصة، وهي أفعال قد تتحقق باستخدام الوسائل الإلكترونية. وبذلك يمكن ملاحقة بعض صور التنمر من خلالها، كإرسال عبارات مهينة أو نشر اتهامات تمس السمعة أو تخويف الضحية أو الضغط عليها.
أما قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات فقد نص على تجريم الدخول غير المشروع إلى الحسابات والأنظمة، والتعدي على سلامة البيانات أو تعديلها أو نسخها أو نشرها دون إذن، وإساءة استخدام وسائل التقنية بنشر أو إرسال معلومات من شأنها الإضرار بالغير، وتشمل هذه الأفعال حالات اختراق الحسابات أو نشر صور ومعلومات خاصة أو استخدام الوسائل الإلكترونية للإساءة والتشهير.
غير أن الدراسة ترى أن هذه النصوص، رغم أهميتها، تعالج الأفعال بصورة منفصلة، ولا تتعامل مع التنمر الإلكتروني كسلوك مركب ومتكرر، ولا تقدم توصيفًا قانونيًا واضحًا له، كما أن بعض الجرائم المرتبطة به، كالتجسس الإلكتروني أو انتحال الشخصية أو نشر الشائعات أو إثارة الكراهية، قد تدخل ضمن جرائم أخرى، لكنها لا تعكس الظاهرة في صورتها الكاملة.
وتؤكد الدراسة أن خصوصية التنمر الإلكتروني، من حيث سرعة الانتشار وإخفاء الهوية وتراكم الأثر النفسي، تجعله مختلفًا عن الجرائم التقليدية، الأمر الذي قد يجعل النصوص العامة غير كافية وحدها لمواجهته.
النتائج والتوصيات
في الختام، خلصت الدراسة إلى عدم وجود تعريف تشريعي موحد للتنمر الإلكتروني في القانون العُماني، وإلى تعدد صوره وصعوبة حصرها، وإمكانية تطبيق بعض النصوص العامة عليه لكنها غير كافية لاستيعابه بالكامل، فضلًا عما يسببه من أضرار نفسية ومعنوية جسيمة.
وبناء على ذلك أوصت بضرورة النص صراحة على تجريم التنمر الإلكتروني كجريمة مستقلة لها أركانها الخاصة، وتعديل القوانين ذات الصلة بما ينسجم مع تطور الوسائل التقنية، وعدم الاكتفاء بالعقوبات الجزائية وحدها، بل تعزيز التوعية والوقاية ونشر ثقافة الاستخدام الآمن والمسؤول للتقنية، وإشراك المؤسسات التعليمية والإعلامية في الحد من الظاهرة.
يُذكر أن مشروع قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات الجديد في مجلس عُمان، ويُتوقع أن يعقد مجلسا الدولة والشورى جلسة مشتركة لمناقشة المواد محل الاختلاف بشأن مشروع القانون، وبلغ عدد المواد محل الاختلاف بين المجلسين (42) مادة، شملت مواد جوهرية في أصل مشروع القانون.





