أثير- د. محمد بن حمد العريمي
في يناير من عام 1975م قام السلطان قابوس بن سعيد طيّب الله ثراه بزيارة رسمية إلى الولايات المتحدة الأمريكية هي الأولى له، التقى خلالها بالرئيس الأمريكي آنذاك جيرالد فورد، وتُعد هذه الزيارة من المحطات الدبلوماسية المهمة في تاريخ العلاقات العُمانية-الأمريكية، خصوصًا وأنها جاءت في فترة حساسة من الحرب الباردة وتغيرات إقليمية في منطقة الخليج.
“أثير” تقترب من كواليس هذه الزيارة وأهدافها، وأبرز نتائجها، من خلال هذا التقرير.
العلاقات العُمانية - الأمريكية: تاريخ ممتد منذ القرن الثامن عشر
رغم حداثة نشأة الولايات المتحدة الأمريكية مقارنةً بالإرث الحضاري العريق للإمبراطورية العُمانية، فإن العلاقات بين الطرفين تُعد من أقدم العلاقات التي أقامتها أمريكا مع دولة عربية، بعد المملكة المغربية.
في عام 1783م بعد استقلال الولايات المتحدة، بدأت السفن الأمريكية بالإبحار نحو الشرق بحثًا عن فرص تجارية، وفي عام 1790م سجلت أول زيارة أمريكية لعُمان بوصول المركب الشراعي “رامبلر” إلى ميناء مسقط بقيادة القبطان روبرت فولجر، خلال عهد الرئيس جورج واشنطن.
وفي 21 سبتمبر 1833م تم توقيع أول اتفاقية صداقة وتجارة بين السلطنة والولايات المتحدة في عهد السيد سعيد بن سلطان، حيث وقعها الكابتن أدموند روبرتس عن الجانب الأمريكي، وكان من أبرز بنود الاتفاقية: تحديد الضرائب والرسوم على البضائع الأمريكية في الموانئ العُمانية، وتنظيم عمل القناصل الأمريكيين في مسقط، مع ضمان حمايتهم، لكن تحت رقابة حاكم مسقط، وإعطاء السلطة لعُمان لمطالبة الولايات المتحدة باستبدال أي قنصل يخالف قوانين البلاد.
وتعد سلطنة عمان من أوائل الدول العربية التي ربطتها علاقات رسمية بالولايات المتحدة، وأسهمت هذه العلاقة في فتح آفاق تجارية مبكرة بين عمان والعالم الغربي.
زيارة السلطان قابوس إلى الولايات المتحدة
قام السلطان قابوس بن سعيد خلال الفترة من التاسع من يناير وحتى السابع عشر من يناير 1975م بزيارةٍ تعد الأولى له إلى الولايات المتحدة منذ توليه مقاليد الحكم في سلطنة عمان، وقد ضم الوفد المرافق كلًا من: السيد طارق بن تيمور، ومعالي قيس عبد المنعم الزواوي، وسعادة أحمد بن عبد النبي مكي سفير سلطنة عمان لدى الولايات المتحدة وقتها.

أهداف الزيارة
هدفت هذه الزيارة التاريخية إلى تحقيق مجموعة من الأهداف الإستراتيجية والسياسية المهمة، في سياق تعزيز مكانة سلطنة عُمان على الساحة الدولية، وبناء شراكات قوية مع القوى الكبرى، وتحديدًا الولايات المتحدة، وتجلّت أبرز الأهداف فيما يلي:
تعزيز العلاقات الثنائية: توطيد أواصر التعاون السياسي والدبلوماسي بين سلطنة عُمان والولايات المتحدة، استنادًا إلى العلاقة التاريخية التي بدأت منذ توقيع اتفاقية الصداقة والتجارة في عام 1833م.
بحث التعاون العسكري والأمني: تناول سبل دعم السلطنة في مواجهة التحديات الأمنية، خصوصًا مع تصاعد خطر التمرد في ظفار، وتدخلات بعض القوى الإقليمية والدولية، مثل اليمن الجنوبي والاتحاد السوفييتي.
جذب الاستثمارات والمساعدات التقنية: العمل على استقطاب الدعم الأمريكي لتنفيذ مشروعات تنموية في مجالات الزراعة، والصحة، والتعليم، والبنية الأساسية، بما يسهم في دعم رؤية السلطان قابوس لبناء دولة حديثة.
تبادل الرؤى حول القضايا الإقليمية: مناقشة ملفات الأمن في منطقة الخليج العربي، وتطورات الوضع في الشرق الأوسط، خصوصًا في ظل التوترات السياسية الناتجة عن الحرب الباردة.
وبحسب التقرير المرسل من وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر إلى الرئيس الأمريكي جيرالد فورد، فإن الهدف من الاجتماع مع السلطان قابوس هو طمأنته بأن الولايات المتحدة تقدّر علاقاتها الودية التاريخية مع سلطنة عمان، ولتشجيعه على مواصلة نضاله ضد التمرد في ظفار، والتطلع إلى الدول الإقليمية الصديقة للحصول على الدعم، ولدعم السلطان قابوس على عزمه على اتباع سياسة التنمية الاقتصادية السريعة وتأكيد استعداد الولايات المتحدة للتعاون في تقديم المساعدة التقنية على أساس قابل للاسترداد، ولتأكيد التزام الرئيس الأمريكي الشخصي بالعمل من أجل التوصل إلى تسوية عادلة ودائمة للصراع العربي الإسرائيلي.


من كواليس زيارة السلطان قابوس إلى الولايات المتحدة
شهدت زيارة السلطان قابوس بن سعيد - طيّب الله ثراه - إلى الولايات المتحدة عددًا من الفعاليات واللقاءات الرسمية التي عكست عمق الاحترام المتبادل بين البلدين، وأبرزت أهمية الدور العُماني في منطقة الخليج.
فقد عقد السلطان قابوس اجتماعًا رسميًا مع الرئيس الأمريكي جيرالد فورد في البيت الأبيض، بمشاركة معالي قيس بن عبد المنعم الزواوي، وزير الدولة للشؤون الخارجية، والدكتور هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأمريكي، وقد دار النقاش حول العلاقات الثنائية، والأوضاع الأمنية في المنطقة، والتعاون بين البلدين في مجالات متعددة.

وفي لفتة ذات طابع رمزي وثقافي، قدم السلطان قابوس إلى الرئيس فورد صقرًا عمانيًا مصنوعًا من الذهب والماس والياقوت والفضة؛ ما يعكس رمزية الصقر في الثقافة العمانية كرمز للعزّة والسيادة.
كما أقام نائب الرئيس الأمريكي نيلسون روكفلر مأدبة غداء تكريمية على شرف السلطان قابوس والوفد المرافق له، تم خلالها تبادل كلمات الترحيب والتأكيد على رغبة البلدين في تطوير علاقات الصداقة.
وفي يوم الخميس 15 يناير 1975م أقام الدكتور هنري كيسنجر مأدبة عشاء رسمية كبرى على شرف جلالة السلطان، حضرها الرئيس الأمريكي جيرالد فورد، وعدد من كبار الشخصيات السياسية الأمريكية، والسفراء العرب المعتمدون في العاصمة الأمريكية واشنطن.

وقد وصفت الزيارة بأنها تاريخية كونها أول زيارة حديثة لرئيس دولة عماني للولايات المتحدة، وتعكس عمق العلاقات التي تعود جذورها إلى عام 1833م.




تفاعل الصحافة المحلية والعربية مع الزيارة
حظيت زيارة السلطان قابوس بن سعيد - طيّب الله ثراه - إلى الولايات المتحدة الأمريكية خلال الفترة من 9 إلى 17 يناير 1975م باهتمام إعلامي واسع على المستويين المحلي والعربي، حيث تناولت الصحف تفاصيل اللقاءات الرسمية والفعاليات الدبلوماسية التي رافقت الزيارة، إلى جانب التحليلات السياسية لأهميتها في سياق العلاقات العمانية الأمريكية.
فقد نشرت جريدة الوطن العمانية في عددها الصادر بتاريخ 16 يناير 1975م تغطية موسعة للزيارة، وجاء فيها: " أجرى جلالة السلطان المعظم يوم 9 يناير 1975م محادثات في واشنطن مع الرئيس الأميركي جيرالد فورد تناولت مختلف القضايا والأحداث العالمية والعلاقات الثنائية بين البلدين، وحضر الاجتماع صاحب السمو السيد طارق بن تيمور المستشار السياسي لجلالة السلطان والمشرف على السفارات العمانية في الخارج، ومعالي قيس بن عبد المنعم الزواوي وزير الدولة للشؤون الخارجية، والدكتور هنري كيسنجر وزير الخارجية الأميركي“.
ونعرض هنا لنماذج من تغطيات بعض الصحف العربية كجريدة الدستور الأردنية، والأنوار اللبنانية، والأهرام المصرية، وأخبار العالم الإسلامي السعودية لتلك الزيارة المهمة:





المراجع
الفارسي، عيسى بن محمد. العلاقات العُمانية الأمريكية (1932-1983)، رسالة دكتوراة غير منشورة، جامعة عين شمس، القاهرة، 2018.
العريمي، محمد بن حمد. ما الزيارات المتبادلة بين سلاطين عُمان ورؤساء أمريكا؟، تقرير منشور في منصة أثير ، 24 فبراير 2020.
جريدة عمان. أعداد 11، 18 يناير 1975




