كيف تضمن وزارة الصحة جودة الخدمات في المستشفيات الخاصة، وهل سنرى تشهيرًا بالمُخالِفين؟

كيف تضمن وزارة الصحة جودة الخدمات في المستشفيات الخاصة، وهل سنرى تشهيرًا بالمُخالِفين؟
الخدمات في المستشفيات الخاصة
خاص - أثير
كان الملتقى السنوي لمؤسسات القطاع الصحي الخاص لعام 2026م فرصة لاختراق جدار التصريحات الرسمية والبحث عن الأجوبة التي تهم الشارع العماني، ووضع الرؤية الإستراتيجية لوزارة الصحة جنبًا إلى جنب مع الواقع الميداني للمستشفيات الخاصة، لرسم الصورة الكاملة لمستقبل الرعاية الصحية تحت مظلة رؤية عمان 2040.
وكي نقترب أكثر من ملامح هذا التحول، أجرت “أثير” لقاءات خاصة ومباشرة مع الدكتور مهنا المصلحي، مدير عام المديرية العامة للمؤسسات الصحية الخاصة، والدكتورة قمرة السريرية، المديرة العامة لمركز ضمان الجودة.
ضمان الجودة.. كيف نثق في “الخاص”؟
في تساؤل لـ “أثير” حول كيفية ضمان الوزارة لقياس نتائج الشراكة بدقة بحيث توازي أو تفوق جودة القطاع الحكومي، جاءت الإجابات مفصلة، حيث أوضح الدكتور مهنا أن الوزارة تنظر للموضوع من اتجاهين:
أولًا ما قبل التحويل: حيث يتم التدقيق في جاهزية المؤسسة، وتوفر التجهيزات الطبية، وكفاءة الكوادر وترخيصها، ومراجعة الزيارات الرقابية السابقة.
ثانيًا ما بعد التحويل: عبر تقييم النتائج من خلال التغذية الراجعة من المرضى، ونسب نجاح العمليات، ورصد المضاعفات، وقياس الرضا.
ومن زاوية فنية، أكدت الدكتورة قمرة لـ“أثير” أن الوزارة تمتلك الآن “مسطرة” قياس ، وهي نظام الاعتماد العُماني بـ 370 معيارًا لقياس الالتزام الفعلي، تضمن أن المريض هو محور العملية، وأن سلامته ليست محل تفاوض، سواء كان في مستشفى حكومي أو خاص، مؤكدة أن نظام الاعتماد العُماني بدأ بالفعل في توحيد منهجية القياس والبيانات في مستشفيات حكومية (كصحار والبريمي) وبخاصة (كبرجيل)، وهذه المنصة تتيح المقارنات المعيارية وتدعم الشفافية، ما يضمن مستقبلًا رحلة علاجية أكثر سلاسة وكفاءة للمريض.
كيف توازن “الصحة” بين صرامة الرقيب وطموح المستثمر؟
أوضح الدكتور مهنا المصلحي أن الوزارة تتبنى إستراتيجية مزدوجة تدعم الاستثمار بقوة، لكنها تمارس في الوقت ذاته رقابة حازمة لا تهاون فيها؛ وهو ما تُرجم فعليًا بإصدار أكثر من ألف قرار للمخالفات وإيقاف مؤسسات وكوادر غير ملتزمة، مشيرًا إلى أن هذا التوازن الدقيق هو ما عزز ثقة المجتمع، حيث قفزت نسبة مراجعي القطاع الخاص إلى 85% العام الماضي بعد أن كانت 75% في عام 2024م.
ولتحقيق هذه العدالة، أشار الدكتور إلى إطلاق منظومة الرقابة الذكية عبر خدمة “تقويم المقيمين” التي تمنح المؤسسات الخاصة سلطة تقييم أداء المفتشين، وتفعيل لوحات بيانات (Dashboards) لقياس الأداء والرضا لحظيًا، بالإضافة إلى إنجاز 1.7 مليون معاملة رقمية خلال عامين؛ ما أسهم في تقليص البيروقراطية أمام المستثمر والمريض على حد سواء.
وفي السياق ذاته انتقلت الوزارة إلى مأسسة هذه الشراكة عبر خطوات عملية بدأت بإلزام كافة المؤسسات الصحية الخاصة بتقديم “تقرير شفافية سنوي”، والبدء فعليًا بنشر “بيانات مفتوحة” عبر البوابة الإلكترونية تشمل أنواع المخالفات، وحجم الخدمات، وقائمة المؤسسات المغلقة أو المغرمة.
من جانبها، عززت الدكتورة قمرة السريرية هذا الطرح بتأكيدها أن العلاقة مع القطاع الخاص مبنية على “التكامل لا التنافس”، عادةً الملتقى دليلًا حيًا على ذلك؛ حيث أسهمت نماذج الشراكة بين القطاعين (PPP) في تقليل قوائم الانتظار في المستشفيات الحكومية عبر تحويل الحالات بسلاسة بين القطاعين، وهو ما يعزز في نهاية المطاف استدامة وقوة المنظومة الصحية الوطنية ككل، مؤكدةً أن المرحلة القادمة ستشهد قفزة نوعية عبر نشر نتائج قياس مؤشرات الأداء السريرية بصورة علنية للجمهور؛ وهي خطوة تهدف إلى إيجاد بيئة من التنافسية الإيجابية، وتمكين المريض من ممارسة حقه في المفاضلة واختيار الخدمة الأفضل بناءً على معايير جودة موثقة، بعيدًا عن صخب الدعايات التسويقية.
طرحت “أثير” سؤالًا جوهريًا حول “الشفافية”: هل سنرى أسماء المستشفيات المخالفة علنًا؟
جاءت إجابة الدكتور مهنا المصلحي لتعكس فلسفة “التوازن الحذر”؛ فالوزارة لا تسعى إلى الرقابة فقط بل تدعم الاستثمار أيضًا، حيث أكد أن الهدف ليس “التشهير” الذي قد يؤدي إلى نتائج عكسية و يضر بالاستثمار، والذي بدوره يؤثر على المؤسسات الملتزمة، بل “الإصلاح”.
الملف الصحي الواحد: الحلم الذي يقترب
وعن سؤالنا حول تشتت بيانات المرضى بين المستشفيات، وإمكانية تدشين منصة موحدة لتبادل البيانات الصحية بين المستشفيات الحكومية والخاصة لضمان رحلة علاجية سلسة للمريض، كشف اللقاء عن تحركات جادة نحو نظام “الشفاء” الموحد، حيث أكد الدكتور مهنا لـ “أثير” أن الوزارة ألزمت القطاع الخاص بتخزين البيانات محليًا، وبدأت الربط التجريبي للبيانات فعليًا، ليكون منصة وطنية موحدة تتيح “ملفًا صحيًا واحدًا” للمريض خلال السنوات القليلة القادمة؛ ما يسهل تبادل المعلومات والرقابة، وليكون لكل مريض في سلطنة عُمان ملف واحد يتبعه أينما ذهب.
ويُعدّ الملتقى منصة وطنية جامعة، يهدف إلى إبراز الدور المحوري للقطاع الخاص أمام صناع القرار، مرسخًا مكانته كشريك إستراتيجي في منظومة التكامل الصحي، وقد كشف لنا الملتقى أن الشراكة بين القطاعين الحكومي والخاص في سلطنة عُمان قد تجاوزت مفهوم التعاون “المساند” لتصبح ضرورة إستراتيجية تُبنى على الرقابة الرقمية بدلاً من الورقية؛ فاليوم لم تعد الجودة مجرد خيار تجميلي للمؤسسات الصحية الخاصة، بل أصبحت “رخصة بقاء” تفرضها وزارة الصحة بقبضة رقابية حازمة توازن بذكاء بين دعم الاستثمار وضمان صرامة المعايير السريرية، لتؤكد أن صحة المواطن تعلو فوق كافة حسابات الربح والخسارة.
ويبقى الرهان الحقيقي الذي تترقبه “أثير” والشارع العُماني هو اكتمال مشروع “المنصة الموحدة” والملف الصحي الواحد، التي ستشكل “العين الرقابية” الدائمة لضمان رحلة علاجية سلسة ومأمونة؛ فهذا التحول الرقمي المنشود هو الضمان الوحيد لتحقيق جودة موحدة وشاملة يحصل عليها المريض أينما ولى وجهه بين المستشفيات الحكومية والخاصة، تجسيدًا للطموحات الوطنية في رؤية عمان 2040.

شارك هذا الخبر