عندما تحوّل الانبهار بالإيقاع واللحن إلى “سيمفونية عُمان”: قصة تأليفها ومعلومات عن مؤلفها الذي كرّمه السلطان قابوس

عندما تحوّل الانبهار بالإيقاع واللحن إلى “سيمفونية عُمان”: قصة تأليفها ومعلومات عن مؤلفها الذي كرّمه السلطان قابوس
سيمفونية عُمان
أثير- د. محمد بن حمد العريمي
شهد منتصف الثمانينيات من القرن العشرين اهتمامًا بالغًا من السلطان الراحل قابوس بن سعيد – طيّب الله ثراه- بالمجال الموسيقي، تجلّى في مسارات متعددة هدفت إلى ترسيخ بنية ثقافية موسيقية مؤسسية في سلطنة عُمان، ومن أبرز تلك المسارات استقطاب القامات الموسيقية الرائدة، مثل الدكتور يوسف شوفي والموسيقار عزيز الشوّان وغيرهما، إلى جانب إنشاء مركز عُمان للموسيقى التقليدية في عام 1984م، وتنظيم الندوة الدولية لموسيقى عُمان التقليدية في عام 1985م، فضلًا عن تأسيس الأوركسترا السلطانية العُمانية في سبتمبر 1985م، وقد شكّلت هذه المبادرات مجتمعةً حجر أساس لنهضة موسيقية واعية، جمعت بين صون التراث والانفتاح على التجارب الموسيقية العالمية.
وقد شهدت مسارح لندن و(قصر البستان) في مسقط، ثم لاحقًا عددٌ من مسارح العالم، حفلاتٍ فنيةً بارزة قُدِّمت خلالها ملامح من الموسيقى العُمانية في قوالب سيمفونية رفيعة، ومن أبرز تلك المناسبات عزف أوركسترا لندن السيمفوني بقيادة المايسترو جون جور جيادس للموسيقى السيمفونية العُمانية أمام المقام السامي على مسرح قصر البستان في عام 1985م.
كما شهدت باربيكان سنتر في صيف عام 1985م تقديم مجموعة من الرقصات السيمفونية العُمانية ضمن برنامج حمل عنوان (THE SYMPHONIC MUSIC OF OMAN – 1985)، وتولى قيادتها كذلك المايسترو جون جور جيادس، في حدثٍ أسهم في تعريف الجمهور العالمي بالهوية الموسيقية العُمانية ضمن إطارٍ أوركسترالي معاصر.
كان وراء ذلك العمل الموسيقي المهم، الذي وثّق جانبًا أصيلًا من التراث الموسيقي العُماني، نخبةٌ من الشخصيات البارزة، من بينهم الموسيقار المصري الشهير عزيز الشوّان، الذي أسهم في تأليف عملين أوركستراليين إبداعيين هما “الرقصات السيمفونية العُمانية” و“سيمفونية عُمان“، وقد أسهمت هذه الأعمال في تعزيز الحضور الثقافي لسلطنة عُمان، ومنحتها مكانة متميزة ودعاية واسعة على المستوى العالمي، من خلال تقديم الموروث الموسيقي العُماني في قوالب سيمفونية راقية قادرة على مخاطبة الجمهور الدولي.
من هو عزيز الشوّان
الموسيقار عزيز الشوّان (1916–1993) يُعدّ أحد أبرز روّاد الجيل الثاني من مؤلفي الموسيقى الكلاسيكية في مصر، وقد تميّزت مسيرته الفنية بقدرته على مزج القوالب الموسيقية الغربية العالمية بالروح والهوية المصرية الشرقية في صياغات أوركسترالية معاصرة.
بدأ الشوّان مسيرته الفنية عازفًا للكمان في سن التاسعة، غير أن حادثًا تعرّض له في يده اليسرى حال دون استمراره في العزف، فاتجه مبكرًا إلى التأليف الموسيقي، وهو التحوّل الذي شكّل منعطفًا كبيرًا في حياته الفنية. تلقّى دراسته الأولى في القاهرة على يد عدد من الأساتذة الأجانب، ثم سافر إلى موسكو لاستكمال دراسته في كونسرفاتوار تشايكوفسكي، وذلك بتشجيع من المؤلف الروسي العالمي آرام خاتشاتوريان الذي أُعجب بموهبته وأعماله.
شغل عزيز الشوّان منصب مدير المركز الثقافي السوفيتي بالقاهرة لسنوات طويلة. كما عمل مستشارًا لأوركسترا القاهرة السيمفوني، وأسهم في تطوير الحركة الموسيقية الأكاديمية والأوركسترالية في مصر.
قدّم الشوّان العديد من الأعمال الموسيقية المهمة من بينها: أوبرا “أنس الوجود” التي تُعدّ أول أوبرا مصرية مكتوبة باللغة العربية، وعُرضت للمرة الأولى في دار الأوبرا في عام 1994م بعد وفاته، وسيمفونية “أبو سمبل” وهي لوحات سيمفونية مستوحاة من التراث المصري القديم، وسيمفونية “عُمان” (1984) وقد سُجّلت وأُدّيت بواسطة أوركسترا لندن السيمفونية، وباليه “إيزيس وأوزيريس” وقد سُجّل في ألمانيا وعزفته أوركسترا لايبتزغ، وكونشرتو البيانو ويُعد من أشهر أعماله وأكثرها حضورًا في البرامج الموسيقية حتى اليوم.
توفي عزيز الشوّان في القاهرة في 14 مايو 1993م، تاركًا وراءه إرثًا موسيقيًا ثريًا ما يزال حاضرًا في قاعات الحفلات، ومقرّرًا في المعاهد الموسيقية، بوصفه نموذجًا رائدًا للمؤلف العربي الذي استطاع مخاطبة العالم بلغة موسيقية عالمية الجذور، عربية الروح.
علاقة الشوّان بالتراث الموسيقي العُماني
تعود بداية علاقة الموسيقار عزيز الشوّان بسلطنة عُمان إلى صديقه الباحث والأكاديمي الموسيقي يوسف شوقي، الذي سبقه في الوصول إلى السلطنة وأسهم بدورٍ محوري في دراسة وجمع التراث الموسيقي العُماني، وكان من أبرز إنجازاته تأسيس مركز عُمان للموسيقى التقليدية.
وفي حوارٍ صحفي أجرته الصحفية زينب الباز مع الدكتورة سلوى عزيز الشوان، ونُشر في موقع “الأهرام الإلكتروني” بتاريخ 24 فبراير 2019م طُرح تساؤلٌ جوهري مفاده: إن استلهام عزيز الشوّان لموسيقاه من التراث المصري أمر طبيعي، ولكن أليس غريبًا أن يؤلف سيمفونية مستوحاة من التراث العُماني؟
وجاءت إجابة الدكتورة سلوى عزيز الشوّان موضحةً عمق هذه العلاقة، إذ قالت: “كان لأبي صديق اسمه يوسف شوقي كان يعمل كباحث فى الموسيقى، وذهب لسلطنة عمان وقام بتجميع التراث العماني وأسس هناك المركز العماني للموسيقى التقليدية، ودُعي والدي لزيارة عمان وطلب منه أن يؤلف سيمفونية مستوحاة من التراث العماني، وقد ألف أبي سيمفونية بالفعل، وهو الموسيقار الوحيد الذي ألف سيمفونية لعمان في هذه الفترة”.
وتكشف هذه الشهادة عن أن سيمفونية عُمان لم تكن عملًا عابرًا أو تجربة شكلية، بل جاءت ثمرة تفاعل معرفي وثقافي عميق مع الموروث الموسيقي العُماني، عكست قدرة عزيز الشوّان على قراءة التراث المحلي وإعادة صياغته بلغة سيمفونية عالمية، بما أسهم في إيصال الصوت الموسيقي العُماني إلى المنصات الدولية ضمن إطار فني رفيع.
وفي حوارٍ أجراه الصحفي حسين الحبروك في القاهرة لحساب جريدة عُمان، ونُشر على صفحات الجريدة بتاريخ 24 فبراير 1985م، تطرّق الموسيقار عزيز الشوّان إلى علاقته بالتراث الموسيقي العُماني، موضحًا أبعاد هذه التجربة ومقدماتها، إذ قال: "تشرفت باختياري لكتابة السيمفونية العمانية ومعها ثلاث مقطوعات موسيقية راقصة وطنية تشارك في الاحتفالات بالأعياد والمواسم الخاصة بالسلطنة، وعلى هذا الأساس جاءتني دعوة لزيارة السلطنة في شهر أغسطس من العام الماضي (1984) حيث قضيت عشرين يومًا قمت خلالها بالاستماع ومشاهدة التسجيلات العديدة الموجودة حاليًا بالسلطنة، لكي أختار المواد اللحنية التي تصلح لكتابة السيمفونية“.
وتكشف هذه الإفادة عن المنهج البحثي الدقيق الذي اتبعه الشوّان في تعامله مع التراث الموسيقي العُماني، إذ لم يعتمد على الانطباع السريع أو الاقتباس السطحي، بل حرص على الاستماع المتعمّق والتعرّف المباشر على المادة الموسيقية المحلية، تمهيدًا لإعادة صياغتها في قالبٍ سيمفوني يراعي الخصوصية العُمانية ويخاطب في الوقت ذاته الذائقة الموسيقية العالمية.
وعن طبيعة التعاون والدعم الذي وجده من المسؤولين العُمانيين، أشار الموسيقار عزيز الشوّان إلى أن هذا الدعم كان عنصرًا مهمًا في إخراج العمل بالمستوى الذي يليق به، إذ قال:" كان من دواعي سعادتي أن أجد المسؤولين في السلطنة وقد أعطوني جميع الوسائل المثالية لتنفيذ هذا العمل فاتفقوا كتابةً مع أوركسترا لندن السيمفوني والذي يتكون من 120 عازفًا وعازفة، وبعدد من أكبر الاوركسترات في العالم وأبرعهم في أداء مختلف التعبيرات الموسيقية. والمزمع القيام بتسجيل الموسيقى صوتيًا ومرئيًا في أوائل شهر يوليو القادم“.
وتُبرز هذه الإفادة حجم الرؤية المؤسسية العُمانية في التعامل مع المشروع، إذ لم يُنظر إلى السيمفونية العُمانية بوصفها عملًا محليًا محدود النطاق، بل كمشروع ثقافي عالمي يستدعي التعاون مع إحدى أعرق الأوركسترات الدولية، والتوثيق السمعي-البصري الاحترافي، بما يضمن وصول الموسيقى العُمانية إلى جمهور عالمي ويخلّد هذه التجربة الفنية الرائدة في الذاكرة الثقافية الدولية.
أمّا عن حجم المعاناة والتحدّي الفني الذي واجهه في كتابة السيمفونية العُمانية، فقد أوضح الموسيقار عزيز الشوّان أن هذه التجربة كانت من أعمق تجاربه وأشدّها مسؤولية، إذ قال: " كتبت في رحلتي الموسيقية التي زادت عن الأربعين عامًا المئات من الأعمال السيمفونية لم أشعر في واحدة منها بالعناء أو الجهد كما عانيت مع تلك السيمفونية. ولم تكن المعاناة لصعوبة العمل، بل لأنني وضعت في ذهني أن أرتقي بهذا العمل إلى مستوى الإهداء إلى جلالة السلطان قابوس حيث كان في ذهني دائمًا أن هذا الاختيار للقيام بتلك السيمفونية هو في حد ذاته أعظم مقابل يصبو إليه كاتب موسيقي“.
وتكشف هذه الشهادة عن البعد المعنوي والرمزي العميق الذي مثّلته السيمفونية العُمانية في وجدان الشوّان؛ فهي لم تكن مجرّد عمل أوركسترالي جديد، بل تكليفًا ثقافيًا رفيعًا حمل في طيّاته مسؤولية تمثيل التراث الموسيقي العُماني في أرقى صوره، والارتقاء به إلى مستوى الإهداء السلطاني، وهو ما يفسّر حجم الجهد، والدقّة، والحرص الفني الذي صاحب عملية تأليف هذا العمل الفريد.
انبهار بالإيقاع واللحن العماني
لم يُخفِ الموسيقار عزيز الشوّان انبهاره العميق بالإيقاع واللحن العُماني، معتبرًا إياهما من أكثر العناصر تميّزًا في تجربته مع التراث الموسيقي في السلطنة، وفي حديثه عن انطباعه الأول عند اطلاعه على المادة الموسيقية العُمانية، قال:" لا يفوتني أن أذكر أنني عندما استمعت لأول مرة إلى التسجيلات التي أخذت منها المواد التلحينية اللازمة لكتابة السيمفونية أنني انبهرت بما فيها من حلاوة وحسن التركيب وبما فيها من إيقاعات مركّبة تختلف اختلافًا جذريًا بين الإيقاعات المستعملة في موسيقى شعوب أخرى، فالإيقاع في موسيقى البلاد العربية والشرقية عامة هو عنصر أساسي في التعبير الموسيقي جعلني أهتم اهتمامًا خاصًا بقسم الإيقاع في الأوركسترا السيمفوني حتى يشعر المستمع العماني بالضروبات التي اعتادت أذنه عليها وخاصةً أنه ما من فردٍ عماني إلا وهو شغوف بالغناء والموسيقى وذواقٌ لها“.
وتكشف هذه الإفادة عن وعي الشوّان العميق بخصوصية الإيقاع العُماني، وإدراكه لدوره المحوري في تشكيل الذائقة السمعية المحلية، وهو ما انعكس في معالجته الأوركسترالية التي سعت إلى الحفاظ على روح الإيقاع التقليدي ضمن بناءٍ سيمفوني حديث، بما يضمن تواصل العمل مع الجمهور العُماني من جهة، وقدرته على مخاطبة المتلقي العالمي من جهة أخرى.
تكريم مستحق
نظرًا للخدمات الجليلة التي قدّمها الأستاذ والمؤلف والموسيقار الكبير عزيز الشوّان للموسيقى العُمانية، وللجهود الكبيرة التي بذلها في توثيق هذا التراث الموسيقي وتقديمه في قوالب سيمفونية عالمية، فقد تفضّل السلطان قابوس بن سعيد – طيّب الله ثراه بمنحه وسام عُمان من الدرجة الثانية، وذلك في عام 1985م، تقديرًا لإسهاماته الفنية والثقافية البارزة، ولدوره في تعزيز الحضور الموسيقي العُماني على الساحة الدولية.
سيمفونية عمان
انطلاقًا من التوجيهات السامية للسلطان الراحل قابوس بن سعيد – طيّب الله ثراه، قامت وزارة الإعلام بجهدٍ مؤسسي مهم تمثّل في جمع وتوثيق الموسيقى والرقص التقليدي العُماني، حفاظًا على هذه الثروة القومية من النغم والإيقاع من خطر الاندثار والضياع.
وفي سياق السعي إلى مواكبة التقدّم الفني والثقافي في سلطنة عُمان، وما شهده المجتمع العُماني من تطوّر واضح في مختلف نواحي الحياة المعاصرة، خطت الموسيقى العُمانية خطوة نوعية كبرى تمثّلت في الانتقال من المستوى الفلكلوري إلى المستوى السيمفوني، وذلك من خلال تأليف “سيمفونية عُمان”، والمتتالية السيمفونية “عُمانية”، إلى جانب ثلاث رقصات أوركسترالية، شكّلت مجتمعةً محطة مفصلية في تاريخ الموسيقى العُمانية الحديثة، وجسّدت قدرة التراث المحلي على التحوّل إلى خطاب موسيقي عالمي دون فقدان هويته الأصيلة، وتمثل الرقصات السيمفونية العمانية للاوركسترا إعادة صياغة لعدد من أنماط الرقص الشعبي العماني مثل القصافية، والرزحة، والهمبل، والبرعة، وكلها من الرقصات المحببة في عمان، أما الألحان المستخدمة في صياغة هذه الرقصات فهي مستوحاة أكثر من كونها منقولة عن الغناء الذي يصاحب تلك الأنماط.
وتكوّنت المتتالية السيمفونية العُمانية من ثلاثة أجزاء متصلة تؤدَّى دون انقطاع، وجاء الجزء الأول مستمدًا من فن المالِد، حيث استخدم المؤلّف لحن عبارة “صلّى الله عليه وسلّم” في صِيَغٍ متعدّدة متداخلة، ومن الهُوّامة استلهم المؤلّف الصيغة البوليفونية التي ينفرد بها المالد، بوصفها سمةً مميّزة لا تكاد تتكرر في صيغ الموسيقى التقليدية في البلاد العربية، ما أتاح نقل هذا الغنى التركيبي إلى بناءٍ سيمفوني حديث دون التفريط بروحه التعبيرية.
وجاء القسم الثاني من المتتالية السيمفونية العُمانية مستمدًا من ألحان وإيقاعات فنّ “الليوا”، بما يحمله من حيوية إيقاعية وطابع احتفالي واضح، عكس جانبًا من التنوّع الإيقاعي في الموسيقى العُمانية التقليدية. أمّا القسم الأخير فقد صيغ في قالب مارش النصر، واستُمدّت ألحانه من الجملة الموسيقية التي يُغنّى عليها: “يا ربنا احفظ لنا جلالة السلطان” في السلام السلطاني، وجاء مسبوقًا بتكوين موسيقي تمهيدي يوحي بعظمة تاريخ عُمان البحري العريق، في استحضارٍ رمزي لأمجادها الملاحية ودورها التاريخي عبر البحار.
وتتكوّن “سيمفونية عُمان” من ثلاث حركات، استُمدّت ألحانها وإيقاعاتها من التراث الموسيقي العُماني إمّا كاملة أو في صيغٍ جزئية معادَة الصياغة، من دون الالتزام بقالب الصوناتا الكلاسيكي، وتمثّل المادة اللحنية والإيقاعية المستخدمة تنويعات موسيقية من شمال عُمان وداخلها وظفار، في مقاربة فنية هدفت إلى إبراز التعدّد الجغرافي والثقافي للموسيقى في سلطنة عُمان ضمن بناءٍ سيمفوني واحد يجمع الخصوصية المحلية بالصياغة العالمية.
المراجع
  • الباز، زينب. ابنة صاحب أول أوبرا مصرية د. سلوى عزيز الشوان: حادث مأساوي جعل أبى مؤلفاً موسيقيا. حوار منشور في موقع الأهرام الإلكتروني، 24 فبراير 2019.
  • الحبروك، حسين. حوار مع صاحب السيمفونية العمانية عزيز الشوان. جريدة عمان، 24 فبراير 1985.
  • صفحة الفنان عزيز الشوان. موقع الهيئة الوطنية المصرية للإعلام، https://www.maspero.eg/Musicians

شارك هذا الخبر