كيف تعيد الخطة الخمسية رسم علاقة الحكومة بالقطاع الخاص؟

كيف تعيد الخطة الخمسية رسم علاقة الحكومة بالقطاع الخاص؟
سلطنة عمان
خاص- أثير
في مشهد اقتصادي يتسم بالتحول المتسارع، تحولت العلاقة بين الحكومة والقطاع الخاص من مجرد أرقام تُسجل في دفاتر الميزانيات، إلى صياغة جديدة لعقد استراتيجي متكامل. تخرج “أثير” عن إطار المستندات الرسمية لتقرأ في كواليس إجابات المسؤولين وتصريحاتهم التي ترسم ملامح العقد الاقتصادي الجديد المتمثل في الخطة الخمسية الحادية عشرة (2026-2030)، وذلك ضمن أمسية غرفة تجارة وصناعة عُمان الرمضانية التي حضرتها “أثير”، تحت رعاية معالي السيد إبراهيم البوسعيدي وزار التراث والسياحة، بحضور سعادة الشيخ فيصل الرواس رئيس مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة عُمان، وعدد من أصحاب السمو وأصحاب السعادة.
تسعى الخطة الخمسية الحادية عشرة إلى تحقيق اقتصاد متنوع وتنافسي واحتوائي ومستدام، وتسلط الضوء على الفرص الإستثمارية الواعدة في القطاعات ذات أولوية وهي: الصناعات التحويلية، الاقتصاد الرقمي، والسياحة ذات متوسط معدلات النمو المتوقعة (المستهدفة) تباعاً (5.9%، و 10.8%، و 5.7%).
فلسفة الشراكة، من الرقابة إلى “التمكين مقابل النتائج”
صرح سعادة الدكتور ناصر المعولي، وكيل وزارة الإقتصاد أن الرؤية الحالية تتجاوز النظرة التقليدية للعلاقة التعاقدية، حيث انتقل التركيز الحكومي من مجرد الرقابة والامتثال إلى تحقيق المستهدفات عبر شراكة حقيقية. فالحكومة اليوم تقدم الحوافز والإعفاءات كأدوات مرتبطة بمؤشرات أداء واضحة؛ فالقطاع الخاص يحصل على التسهيلات مقابل التزامه بتحقيق نتائج ملموسة. هذا التحول يعني أن النمو أصبح مسؤولية مشتركة، وأن القطاع الخاص هو المحرك الفعلي الذي يحول المخصصات المالية المتمثلة في 400 مليون ريال عُماني لبرامج التحول الاقتصادي و700 مليون ريال للموازنة التنموية إلى مشاريع استثمارية تقود الاقتصاد.
اللامركزية الاقتصادية، المحافظات كفرصة استثمارية حقيقية
أحد أهم محاور الخطة الحالية هو كسر مركزية التنمية، تماشياً مع مستهدفات رؤية عُمان 2040 في تنمية المحافظات. وقال سعادة عزان البوسعيدي وكيل وزارة التراث والسياحة، أن التوجه الحالي يركز بقوة على دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والشركات المحلي والفرق والمبادرات الأهلية في مختلف الولايات، كما أن الهدف هو أن تكون التنمية السياحية والاقتصادية موزعة جغرافيًا وليست متمركزة في مسقط فقط، إن السياحة النوعية في المحافظات أصبحت فرصة حقيقية لخلق وظائف محلية وتنشيط الاقتصاد في كل زاوية من زوايا السلطنة، مما يحول كل محافظة إلى مركز جذب استثماري مستقل وقادر على توليد الفرص لأبنائه.
خارطة الطريق السياحية، من المنافسة إلى التكامل
تؤكد الإجابات أن الشركات الحكومية بدأت بالانسحاب من المنافسة في المنشآت الإيوائية التقليدية بالمدن الكبرى لتتركها للقطاع الخاص، بينما تركز هي على المشاريع ذات المخاطر العالية كالمحميات الطبيعية. وتكشف الأرقام عن نجاح هذا التوجه؛ حيث سجلت إيرادات المنشآت الفندقية ارتفاعاً تجاوز 20% رغم أن عدد السياح لم يرتفع بنفس النسبة، مما يعكس زيادة نوعية في متوسط إنفاق السائح بفضل “سياحة التجارب” مثل سياحة المغامرات التي ترتبط عالمياً بالسياحة الفاخرة وتعتمد على المرشدين المحليين والشركات الصغيرة. كما تراهن الخطة على سياحة الأعمال (MICE) التي يتميز فيها إنفاق السائح بكونه أعلى بـ 3 إلى 5 مرات من السياحة التقليدية. وتبرز تجربة “حارة العقر” بنزوى كنموذج رائد للمبادرات الأهلية التي بدأت بجهد محلي ثم مكنتها الحكومة تنظيماً وتراخيصاً
طموح الأرقام، وظائف ناتجة عن النمو لا عن الفرض
أما عن الهواجس المتعلقة برفع مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي، فإن المستهدف هو الوصول إلى 56%، زيادة تدريجية من النسبة الحالية 54%. وفيما يخص ملف التوظيف، فإن الخطة تستهدف توفير حوالي 700 ألف وظيفة إجمالية، منها 300 ألف وظيفة مباشرة للعمانيين، يفترض أن يستوعب القطاع الخاص نحو 77% منها (قرابة 230 ألف وظيفة). الرسالة الجوهرية هنا هي أن هذه الوظائف ليست “التزاماً إدارياً” يُفرض على الشركات، بل هي نتيجة تلقائية للتوسع المتوقع في مشاريع، كالاقتصاد الأخضر، الهيدروجين، والطاقة المتجددة. والتي تأتي أيضاً من خلال الإستفادة من الحوافز بالمناطق الإقتصادية الخاصو والمناطق الحرة، والتوسع في الصناعات التحويلية ذات القيمة المضافة والقطاعات المختلفة.
الثورة الرقمية، 32 مشروعاً لتمكين المستثمر تقنياً
ويسير “البرنامج الوطني للاقتصاد الرقمي” بخطى حثيثة؛ حيث يضم برنامج الذكاء الاصطناعي وحده 32 مشروعاً أبرزها مشاريع الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي و التقنيات المتقدمة، إذ تجاوزت نسبة الإنجاز في هذه المشاريع إلى 40%. ومن أبرز الثمار التطبيقية، إطلاق مساعد الذكاء الاصطناعي العماني لتسريع الإجراءات الحكومية، وتدشين منصة البيانات المفتوحة (opendata.gov.om) لإنهاء تشتت المعلومات. إن وجود “مركز السجلات الوطنية” كقاعدة بيانات مركزية يضمن للمستثمر أن قراره سيكون مبنياً على حقائق دقيقة حسبما صُرح عنه من قبل سعادة الدكتور علي الشيذاني وكيل وزارة النقل والإتصالات.
من هنا، تبرز “أثير” الحقيقة الجلية بأن الحكومة العُمانية تعيد تموضعها لتنتقل من دور المشغل والمنافس إلى دور “المُنظم والمُمكّن”، تاركةً دفة القيادة للقطاع الخاص الذي بات يُنظر إليه كشريك تنموي لا كمجرد وعاء للتراكم الرأسمالي.

شارك هذا الخبر