كُتِب قبل أكثر من 100 عام: كيف كان عيد الفطر مثلما جاء في “كشف الأستار عن حالة ظفار”؟

كُتِب قبل أكثر من 100 عام: كيف كان عيد الفطر مثلما جاء في “كشف الأستار عن حالة ظفار”؟
صورتان أرشيفيتان للسلطان تيمور بن فيصل، وللشيخ عيسى بن صالح الطائي
أثير- د. محمد بن حمد العريمي
يتناولُ هذا المخطوط الذي ألّفه الشيخ القاضي عيسى بن صالح الطائي، وتوجد نسخته الأصلية ضمن أرشيف مخطوطات " بيت الزبير“، الرحلة التي قام بها السلطان تيمور بن فيصل إلى ظفار في 24 شعبان 1341هـ الموافق 11 أبريل 1923م؛ حيث كان السلطان تيمور قد اعتاد الذهاب إلى ظفار بصورة سنوية تقريبًا، وكان يأخذ معه مجموعة من المرافقين من بينهم شخصيات سياسية وأدبية وعلمية، وكان الشيخ عيسى بن صالح الطائي أحد هؤلاء المرافقين.
يقع المخطوط في حوالي 90 صفحة، انتهى المؤلف من كتابته ليلة الجمعة 13 رمضان 1342هـ الموافق 18 أبريل 1924م، وتكمُن أهميته في أنَّه يتناول وصفًا شاملًا لحالة إقليم ظفار خلال فترة العشرينيات من القرن العشرين، وهي الفترة التي قام خلالها المؤلف بزيارته إلى هذا الإقليم، ودوَّن فيه مشاهداته وملاحظاته: الدينية، والاجتماعية، والاقتصادية.
كما تكمُن أهميته في أنه يكاد يكون من ضمن المؤلفات القليلة -بحسب علمنا- التي تناولتْ الدراسة الاجتماعية لإقليم عُماني بهذا التركيز؛ بحيث يتطرَّق إلى جوانب مجتمعية دقيقة قد لا نجدها في العديد من الكتابات المشابهة التي ركزت على العموميات دون الدخول إلى عمق المجتمع.
عيد الفطر في مخطوط كشف الأستار
قدّم مخطوط كشف الأستار عن حالة ظفار للشيخ القاضي عيسى بن صالح الطائي صورة حيّة من وجهة نظره لمجتمع ظفار في عشرينيات القرن العشرين، ومن بين أبرز ما وثّقه المؤلف مظاهر الاحتفال بعيد الفطر في ظفار عام 1924م كما حضرها مع السلطان تيمور، ووصف أحداث الاحتفال.
اقترب الشيخ القاضي عيسى بن صالح الطائي في مخطوطه من رسم مشهد احتفالي متكامل لعيد الفطر في ظفار، لا بوصفه مناسبة دينية فحسب، بل باعتباره حدثًا سياسيًا واجتماعيًا ذا دلالات عميقة، فهو يبدأ بتوثيق لحظة ثبوت الهلال وصفاء الأفق، ثم ينتقل إلى تصوير خروج السلطان تيمور بن فيصل في “موكب باهر” لأداء صلاة العيد، بما يعكس هيبة الدولة وحضورها في الفضاء العام.
غير أن الذروة الدلالية في النص تتجلّى فيما بعد الصلاة، حيث يرصد المؤلف حدثًا غير مألوف، من وجهة نظر صاحب المخطوط، في تقاليد الحكم بظفار، يتمثّل في إعلان السلطان ضيافة عامة لجميع الأهالي، فهم لم يعتادوا ذلك من الولاة. هذا التحوّل من الطقس الديني إلى الفعل الاجتماعي الجماعي يكشف عن ممارسة سياسية ذات بعد إنساني، إذ لم يكتفِ السلطان بالمشاركة الرمزية، بل أشرف بنفسه على تنظيم الناس حتى تناولوا الطعام جميعًا، في مشهد يُبرز قربه من رعيّته وحرصه على تحقيق نوع من العدالة الاجتماعية الرمزية:
“استهلّ هلال شوال ليلة الجمعة، فأصبح العيد بها، ولم يكن بالأفق غيم فلا أشكال والحمد لله، فخرج السلطان تيمور للصلاة بموكبٍ باهر، فصلّى هو وأهل الدعوة بأنفسهم وأهالي ظفار بأنفسهم. ولما انقضت الصلاة وتليت الخطبة أطلقت المدافع ونادى في الناس مناديه بالضيافة العامّة لأهالي البلاد جميعًا، فأتوه زرافاتٍ وجماعات، فوقف لترتيبهم بنفسه حتى أكلوا جميعًا، فلما فرغوا من الأكل رجعوا وكلّهم ألسن ثناء وشكر لأن الولاة بظفار لم يكن من عاداتهم إطعام الرعيّة، وإنما هذه مزيّة اختص بها السلطان ولا غرو”.
واصل الشيخ القاضي عيسى بن صالح الطائي في توثيق ما يمكن اعتباره امتدادًا لطقوس العيد، لكن في بُعدها السياسي والاجتماعي الأعمق؛ إذ لم يقتصر حضور السلطان تيمور بن فيصل على المشاركة في شعائر العيد وإطعام الأهالي، بل تجاوزه إلى بناء علاقة مباشرة مع القبائل، خصوصًا قبائل الجبل، التي تمثّل ثقلًا اجتماعيًا وجغرافيًا مهمًا في ظفار.
فدعوة السلطان لجميع القبائل “من سدح إلى رخيوت” تعكس شمولية الخطاب السياسي ورغبته في احتواء مختلف المكوّنات. كما أن الاستجابة الجماعية لهذه الدعوة تكشف عن مكانة السلطان وقدرته على استقطاب الولاء، ويبرز في النص بُعد الكرم السياسي من خلال الأمر بإطعامهم وإكرامهم، وهو امتداد رمزي لما حدث يوم العيد، لكن هذه المرة في إطار أكثر تنظيمًا واستهدافًا.
غير أن الدلالة الأهم تتجلى في الحوار الذي دار بين السلطان وأعيان القبائل؛ إذ طلب السلطان إبقاء النخبة وإرجاع العامة، وهو تقليد إداري مألوف يقوم على مخاطبة القيادات، لكن ردّ الأعيان جاء معبّرًا عن وعي اجتماعي لافت، حين فضّلوا أن يسمع الجميع، “جاهلهم قبل عالمهم”، كلام السلطان وشروطه مباشرة. هذا الموقف يكشف عن إدراك جماعي لأهمية الشفافية في الخطاب السياسي، وعن رغبة في توحيد المعرفة داخل القبيلة لتفادي الالتباس أو التأويل:
“وبعد انقضاء العيد المبارك دعى (دعا) السلطان جميع القبائل الجبليّة للمواجهة فلبّوا الدعاء جميعًا من سدح إلى رخيوت، وعندما وصلوا إليه أمر بإطعامهم وإكرامهم. وأراد السلطان أن يبقي الأعيان منهم والأكابر ويرجع باقيهم، فقال بعض أعيانهم للسلطان: الأولى أن يسمع جاهلنا بأذنيه ما تريده منا وتشرطه علينا، فاستحسن السلطان هذا الرأي لأن ذلك أقطع لعذر الجاهل وأقْوم حجّة عليه”.
كما أن ما أعقب ذلك من خلع الأكسية وتقديم “البهطة” (العطايا المالية) يندرج ضمن منظومة العطاء السلطاني التي تهدف إلى توطيد الولاءات وتعزيز الروابط، في إطار من التقاليد السياسية التي تمزج بين الكرم والهيبة:
“وفي اليوم الثاني، خلع السلطان عليهم الأكسية السوداء وأعطاهم الدراهم نفعًا، وقد انتهى الحال وانفضّ الجميع”.
وعليه، فإن هذا المشهد يقدّم صورة متكاملة لآلية إدارة العلاقة مع القبائل في تلك الفترة، حيث يتداخل الاحتفال بالعيد مع ممارسة سياسية واعية، تقوم على الجمع بين الرمزية الدينية، والكرم الاجتماعي، والحوار المباشر، بما يعكس سعيًا لإرساء نوع من التوازن بين السلطة والمجتمع في إقليم ظفار آنذاك:
المرجع
  • العريمي، محمد بن حمد. قاضي قضاة مسقط الشيخ عيسى بن صالح الطائي. مطبعة العنان، مسقط، 2024.

شارك هذا الخبر