أثير – مازن المقبالي
أكدت الدكتورة أمل بنت عبدالله الحرملية أن تفعيل التربية القرآنية داخل الأسرة يواجه جملة من التحديات المعاصرة، في مقدمتها ما وصفته بـ“الأسرة الحاضرة الغائبة”، حيث يحضر الأفراد جسديًا داخل المنزل، لكن يغيب التفاعل الحقيقي والحوار بين الأجيال.
وأوضحت الحرملية في حوارها لـ “أثير” خلال ندوة “القرآن وبناء الإنسان” التي نظمتها مؤسسة الإمام جابر بن زيد الوقفية، أن ضعف لغة الحوار داخل الأسرة أوجد فجوة عاطفية وفكرية، تُفقد الطفل البيئة التي تغذي تساؤلاته وتنمّي وعيه، مشيرةً إلى أن الاعتماد المفرط على “التربية بالتفويض” عبر إسناد دور التربية للحضانات أو العمالة المنزلية يكرّس هذا الغياب، ويقلّص من حضور الوالدين في تشكيل شخصية الأبناء.
وبيّنت أن من أبرز الإشكاليات التي تواجه الأسرة عجز بعض الآباء عن التعامل مع أسئلة الأطفال الوجودية، مؤكدة أن هذه التساؤلات طبيعية وصحية، لكنها تتطلب وعيًا وتأهيلًا من الوالدين للإجابة عنها، بدل تجاهلها أو الخوف منها، مشيرة إلى أن الإشكال لا يكمن في الطفل بقدر ما يكمن في غياب الإجابات المؤصّلة لدى الكبار.
ولفتت الحرملية إلى أن الانفتاح الرقمي والعولمة الثقافية جعلا الطفل عرضة لمحتوى متنوع يتجاوز رقابة الأسرة، ما يستدعي الانتقال من الرقابة الخارجية إلى بناء “رقابة ذاتية” قائمة على القيم القرآنية، تُغرس منذ الصغر عبر القصص والمعاني التي تعزز مفهوم العبودية والمسؤولية.
كما دعت إلى توظيف المنصات الرقمية بطريقة إيجابية، بحيث تتحول حسابات الأبناء في وسائل التواصل إلى أدوات ذات أثر مجتمعي نافع، بدل الاقتصار على الترفيه، مؤكدة أهمية ربط السلوك اليومي للفرد بالقيم التعبدية.
وأشارت إلى وجود تراجع في دور بعض المؤسسات التعليمية والدينية في ترسيخ التربية القرآنية، موضحة أن التركيز ينصب غالبًا على الحفظ دون إحداث أثر سلوكي حقيقي في حياة المتعلم، داعية إلى إعادة توجيه الجهود نحو بناء القيم لا مجرد تلقين النصوص.
وختمت حديثها بالتأكيد على ضرورة الانتقال من فكرة “حفظ القرآن” إلى “أن يحفظ القرآن الإنسان”، من خلال غرس القيم القرآنية كمنظومة حماية داخلية تمكّن الفرد من مواجهة تحديات الحياة بثبات ووعي، أينما كان.
كما استعرضت الدكتورة خلال ورقة العمل التي قدمتها في الندوة، نتائج استطلاع أجرته شمل 673 من أولياء الأمور، أظهرت أن القرآن والسنة يمثلان المصدر الأول للتربية بنسبة 91.8%، إلا أن التحدي الأكبر يتمثل في ما وصفته بـ “الضجيج الرقمي” وطغيان الأجهزة الذكية، الذي جاء في صدارة المعوقات بنسبة 78.2%.
وبيّنت أن المشكلة لا تكمن في رفض الجيل للنص القرآني، بل في ضعف تحويله إلى خطاب تربوي مقنع وسلوك عملي، إلى جانب غياب القدوة داخل الأسرة والمؤسسات، ما يعمّق الفجوة بين القيم والممارسة. وأكدت أن الحل يكمن في إعادة بناء التربية القرآنية على أساس ترسيخ المعنى من خلال مفاهيم مثل “الاستخلاف” و“الابتلاء”، بما يعزز المسؤولية والمرونة النفسية لدى الأبناء، مع الانتقال من الرقابة المباشرة إلى بناء الرقابة الذاتية.
وأوصت بضرورة تطوير أساليب التربية عبر شراكات مؤسسية، وتحويل مناهج تعليم القرآن من التركيز على الحفظ إلى قياس الأثر السلوكي، إلى جانب تمكين الأسر والمربين من أدوات عملية معاصرة، وتشجيع جلسات التدبر العائلي لربط القرآن بحياة الأبناء اليومية.





