أثير - ريما الشيخ
نظمت وزارة المالية يوم أمس لقاءً مع مجموعة البنك الدولي لبحث مخرجات وآفاق التقرير الاقتصادي لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، حيث تطرّق النقاش إلى أبرز التوقعات والتوصيات، إلى جانب استعراض التطورات الاقتصادية الراهنة على المستويين الإقليمي والدولي.

مرونة الاقتصاد العُماني
أكد سعادة محمود بن عبدالله العويني أمين عام وزارة المالية أن سلطنة عُمان ليست بمنأى عن أزمة الشرق الأوسط الحالية، إذ تتأثر بها بشكل مباشر أو غير مباشر، إلا أن الوضع المرتبط بإيران ما يزال تحت السيطرة.
وأوضح في الجلسة النقاشية المصاحبة للقاء والذي حضرته “أثير”، أن القدرات اللوجستية والجاهزية والموقع الاستراتيجي للسلطنة أسهمت في التعامل مع هذه التأثيرات، مشيرًا إلى أن الإصلاحات الاقتصادية والمالية منذ عام 2020 أخذت في الاعتبار المخاطر المحتملة على الحيز المالي، مع التركيز على بناء حواجز وقائية دون التأثير على النمو الاقتصادي.

وأضاف أن امتلاك أدوات مناسبة في السياسة المالية، إلى جانب التكامل بين الجهات المختلفة داخل سلطنة عُمان، عزز القدرة على الاستجابة للتحديات، مؤكدًا أن هذه المرونة هي نتيجة عمل وإصلاحات تراكمية على مدى سنوات، وأن التأثيرات الحالية تم احتواؤها حتى الآن، مع وجود خطة واضحة للتخفيف من المخاطر مقارنة ببعض الدول الأخرى.
مسارات التنويع الاقتصادي
أوضح سعادة محمود العويني أن الخطتين الخمسيتين العاشرة والحادية عشرة راعت التغيرات الجيوسياسية، وسعت إلى تعزيز موقع سلطنة عُمان في قطاعات محددة بالاعتماد على نقاط قوتها الوطنية، مع التوجه نحو تقليل الاعتماد على عائدات الهيدروكربونات مع الاستمرار في تحسين كفاءة هذا القطاع.
وبيّن أن التركيز ينصب على توسيع مساهمة قطاعات التعدين، والصناعات التحويلية، والسياحة، والخدمات اللوجستية، التي أصبحت تمثل قيمة مضافة لعُمان ودول الخليج، في إطار مستهدفات رؤية عُمان 2040 ذات المؤشرات الطموحة، والعمل على تسريع التنفيذ والاستفادة من الفرص الناتجة عن الأزمات.
وأشار إلى أن تطوير القطاع المالي يتم التعاون مع البنك المركزي العُماني وهيئة الخدمات المالية وجهاز الاستثمار العُماني، بهدف توسيع سوق المال وتعزيز كفاءته، حيث تم تسجيل نمو في المؤشرات والاستثمارات وتحركات رأس المال، إلى جانب العمل على إنشاء مركز مالي دولي يعتمد على نظام القانون العام لجذب الاستثمارات.
وأضاف أن الحكومة تتجه للعمل كمنظومة متكاملة لتسريع الاستفادة من الفرص الاقتصادية، مع اتباع سياسة مالية أكثر وضوحًا وانضباطًا منذ عام 2020، تمثلت في الحفاظ على استقرار الإنفاق الجاري مع زيادة محدودة في الإنفاق الرأسمالي، والعمل على خفض الدين العام وتحسين كفاءة محفظته عبر استبدال الديون الأعلى تكلفة بأخرى أقل تكلفة.
وأكد على أن النتائج المحققة تجاوزت التوقعات في عدة مجالات، مع اعتماد سياسة مالية قائمة على البيانات والتكامل بين الجهات المختلفة، إلى جانب تطبيق قواعد مالية واضحة تراعي نسبة الدين إلى الناتج المحلي والاحتياطيات وتحقيق التوازن المالي، كما أن المرحلة المقبلة ستركز على دعم قطاعات السياحة والصناعات التحويلية والتكنولوجيا، مع التعامل مع التكنولوجيا كعامل تمكين للقطاعات الأخرى وقطاع اقتصادي مستقل.
تأهيل الكفاءات الوطنية
أشار سعادته في الجلسة التي حضرتها “أثير” إلى أن الاقتصاد تمكن من توفير عدد كبير من فرص العمل، إلا أن التحدي يتمثل في تأهيل الشباب العُماني لشغل هذه الوظائف، عبر تحقيق توازن بين احتياجات سوق العمل وتأهيل القوى العاملة، كما أن التوجه الحالي يركز على “الوظائف الجيدة” والانتقال من الصناعات منخفضة المهارات إلى صناعات أكثر ابتكارًا وجودة، من خلال رفع مهارات الشباب ودمجهم في القطاعات التقنية والصناعات الحديثة، مع إلزام الشركات بخطط لتأهيل العُمانيين فنيًا وتعليميًا عند تقديم الحوافز.
وأوضح سعادته أن هناك مؤشرات إيجابية تؤكد جاهزية الشباب العُماني ورغبتهم في العمل، رغم حاجتهم إلى دعم أولي، في ظل استمرار استيراد التكنولوجيا والمعرفة الفنية، والعمل على بناء بيئة تمكّنهم من دخول هذه المجالات، وأن برامج التأهيل قائمة ويتم متابعة نتائجها، إلى جانب تشجيع الشباب على ريادة الأعمال وتأسيس المشاريع والدخول إلى سوق المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، مؤكدًا أن هذا الدور يتطلب تكاملًا مع القطاع الخاص.
تعزيز الشراكة الاقتصادية
من جانبه، أكد سعادة ملهم الجرف نائب رئيس جهاز الاستثمار العُماني للاستثمار، أن التوظيف ودعم الاقتصاد لا يمكن تحميله للحكومة وحدها، بل يقوم على شراكة متكاملة مع القطاع الخاص، مشيرًا إلى أن الحكومة وفرت آليات دعم تشمل دعم الأجور، والتدريب من أجل التوظيف، وتطوير المهارات.
وأوضح أن قطاع التعدين شهد تحولًا من تصدير المواد الخام إلى التوجه نحو التكتلات الصناعية والقيمة المضافة، لافتًا إلى إنشاء مصنع للبلاستيك في صحار بقيمة 7 مليارات دولار، رغم أن كامل إنتاجه يُصدّر للخارج، مع التأكيد على أهمية إبقاء القيمة الاقتصادية داخل السلطنة لدعم الصناعات المحلية وتوليد الوظائف.
وأشار إلى وجود نحو 20 صناعة قائمة، يعمل نصفها دون استثمار حكومي مباشر، حيث يتركز دور الحكومة في توفير الحوافز والأراضي والأطر المناسبة لنمو المشاريع، في ظل توافق واضح بين الجهات المختلفة للعمل نحو أهداف مشتركة.

وأضاف أن الوظائف ستظل تحديًا عالميًا ولن يصل عدد الباحثين عن عمل إلى الصفر، مؤكدًا أن المطلوب هو تعزيز الشراكة والتكامل بدل الاعتماد الكامل على الحكومة، مع التركيز على التدريب وتنمية المواهب كعنصرين أساسيين لدعم سوق العمل، مشيرًا إلى أن الأساس موجود، بينما يكمن التحدي في التنفيذ والتركيز.
تطوير المهارات المهنية
كما أكد سعادته أن التركيز يجب أن يتجه بشكل أكبر نحو الشهادات المهنية المرتبطة مباشرة باحتياجات سوق العمل، مشيرًا إلى أن المهارات التقنية والفنية مثل التكنولوجيا واللحام تتطلب تدريبًا مهنيًا وإنتاجيًا يتجاوز الاعتماد على المسار الأكاديمي التقليدي.
وأوضح أن القطاع المصرفي يمثل نموذجًا ناجحًا من حيث نسب التغطية والتأهيل، في حين ما يزال قطاع التأمين يمتلك فرصًا أوسع للنمو والتوظيف، لافتًا إلى أن الفرص لا تقتصر على الأعمال الميدانية بل تشمل أيضًا الوظائف المكتبية والمهنية.
وأشار إلى أهمية تشجيع الشباب على الحصول على شهادات مهنية متخصصة مثل CFA وغيرها من الشهادات المطلوبة في سوق العمل، مؤكدًا أن الهدف لا يتمثل في استبدال الموظفين أو إقصاء أحد، بل في توسيع حجم الاقتصاد وخلق فرص أكبر، حيث إن زيادة عدد العاملين تعني نموًا اقتصاديًا أوسع. وأضاف أن العمل يتم ضمن بيئة اقتصادية عالمية، ما يستدعي الابتعاد عن عقلية الانغلاق أو العزلة.
الجدير بالذكر أن التقديرات تشير إلى استمرار النظرة الإيجابية للاقتصاد العُماني رغم التوترات الإقليمية، مع توقع تحقيق نمو بنسبة %2.4 في عام 2026، بعد تراجع نسبي في 2023 وعودة تدريجية للتحسن خلال السنوات اللاحقة. كما يستند الأداء الاقتصادي إلى فائض في الحساب الجاري مدعوم بارتفاع أسعار النفط واستمرار الصادرات غير النفطية، إلى جانب فائض مالي يعكس ضبط الإنفاق وتحسن تحصيل الإيرادات، في وقت تتأثر فيه تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر بحالة عدم اليقين.
وفي السياق ذاته، تُظهر المؤشرات تقدمًا في الاقتصاد الرقمي الذي يمثل نحو %2.8 من الناتج المحلي الإجمالي، مع استثمارات في الذكاء الاصطناعي تُقدّر بنحو %1، إلى جانب تحقيق مستويات عالية في انتشار الإنترنت وتغطية شبكات الاتصالات، وبلوغ نسبة من المهارات الرقمية المتقدمة بين السكان، فضلًا عن التقدم في مؤشرات الجاهزية الحكومية والتكنولوجيا، ما يعكس توجهًا متسارعًا نحو التحول الرقمي وتعزيز البنية التقنية في السلطنة.





