كيف غيّرت الأنواء المناخية فلسفة تخطيط المدن في سلطنة عمان؟

كيف غيّرت الأنواء المناخية فلسفة تخطيط المدن في سلطنة عمان؟
كيف غيّرت الأنواء المناخية فلسفة تخطيط المدن في سلطنة عمان؟
أثير – جميلة العبرية
لم تعد الظواهر المناخية أحداثًا موسمية عابرة، بل تحولت إلى تحديات متكررة تواجه المدن حول العالم، خصوصًا مع تصاعد تأثيرات التغير المناخي وارتفاع وتيرة الأنواء الجوية والفيضانات، وفي سلطنة عُمان، التي شهدت خلال العقدين الماضيين تجارب متعددة مع الحالات المدارية والأمطار الغزيرة، برز توجه الحكومة واضحًا نحو بناء “مدن مرنة” قادرة على التكيّف مع المخاطر المناخية وتقليل آثارها على الإنسان والبنية الأساسية والاقتصاد.
وفي جلسة حوارية بعنوان “تكامل الأدوار نحو إدارة المدن في مواجهة الظواهر المناخية” حضرتها “أثير” ضمن المؤتمر العقاري وشارك فيها عدد من المسؤولين والخبراء، ناقشت الجهات الحكومية المختصة كيف تحوّل ملف إدارة المدن والظواهر المناخية من كونه استجابة طارئة إلى منظومة وطنية متكاملة تقوم على التخطيط المسبق، وتكامل البيانات، والاستفادة من التقنيات الحديثة، والعمل المشترك بين مختلف القطاعات.
المدن والتخطيط العشوائي
أكد سعادة الدكتور محمد المطوع وكيل الإسكان والتخطيط العمراني للتخطيط العمراني أن تحديد مواقع المدن في سلطنة عُمان لم يعد قائمًا على الاعتبارات التقليدية فقط، بل أصبح يعتمد على معايير حضرية ومناخية دقيقة تشمل دراسة المناطق المنخفضة، ومسارات الأودية، واتجاهات الرياح، وطبيعة التربة، والظروف الجوية، إضافة إلى توزيع الاستعمالات السكنية والتجارية والخدمية بصورة متوازنة.
وأوضح أن هذه المعايير أصبحت جزءًا أساسيًا من فلسفة التخطيط العمراني الحديثة، بما يضمن إنشاء مدن أكثر استدامة وملاءمة للحياة، وقادرة على مواجهة التحديات المناخية المستقبلية.
وأشار إلى أن سلطنة عُمان بدأت بالفعل تطبيق هذه المفاهيم من خلال مشاريع ومدن جديدة، مثل مدينة السلطان هيثم، إلى جانب التوسع في اختيار مواقع حضرية جديدة في صحار وصلالة ونزوى، وفق معايير تخطيطية تراعي البيئة والمناخ والبنية الأساسية بشكل متكامل.
وبيّن أن برامج “صروح” للإسكان المتكامل تأخذ هذه الاعتبارات بعين الاهتمام عند اختيار مواقع المشاريع السكنية، مع الاستمرار في مراجعة بعض المدن التي جرى اختيارها سابقًا وإعادة تقييم الحلول التخطيطية المرتبطة بها بما يتناسب مع متطلبات التنمية المستقبلية وجودة الحياة.
اشتراطات بناء جديدة
وأوضح سعادته أن اشتراطات البناء الحديثة التي اعتمدتها السلطنة أولت اهتمامًا كبيرًا بالتعامل مع الظواهر المناخية المختلفة، حيث تضمّنت فصلًا كاملًا خاصًا بالأبنية الواقعة في المناطق المتأثرة بالعوامل المناخية.
وبيّن أن الدليل يحدد بصورة واضحة كيفية تصميم وتنفيذ المباني بما يقلل من تعرضها للمخاطر، ويرتبط بشكل مباشر بمفهوم “مرونة المدن” وقدرتها على التكيّف مع التغيرات المناخية.
وأشار إلى أن العمل لا يقتصر على المشاريع الجديدة فقط، بل يشمل كذلك المباني القائمة، موضحًا أن الجهات المختصة بدأت بالفعل تنفيذ برامج تدريبية تستهدف البلديات والجهات المعنية بإصدار التراخيص، إضافة إلى العاملين في قطاع الإنشاءات وإدارة المنشآت، لضمان التطبيق الصحيح للاشتراطات الجديدة.
وأضاف أن تطبيق الدليل دخل مرحلته الأولية حاليًا، على أن يصبح إلزاميًا خلال العامين المقبلين، بحيث تخضع شريحة واسعة من المباني في السلطنة لهذه الاشتراطات بصورة متكاملة.
“الدرون” والخرائط الذكية وعلاقتها بإدارة الحالة الجوية
وكشف الدكتور المطوع أن وزارة الإسكان والتخطيط العمراني تعمل أثناء الحالات الجوية عبر فرق ميدانية متخصصة تقوم بعمليات رصد مستمرة لمتابعة تأثيرات الحالة بصورة مباشرة.
وأوضح أن هذه الفرق تستخدم الطائرات بدون طيار “الدرون”، وأجهزة الرصد المختلفة، إلى جانب الخرائط وتحليل البيانات المكانية، بهدف توثيق الحالة ميدانيًا، وحصر الأضرار، وتحليل تأثيرات الأنواء المناخية على المباني والبنية الأساسية.
وأشار إلى أن العمل لا يتوقف عند مرحلة الرصد، بل يمتد إلى مرحلة إعادة الإعمار، حيث يتم تقييم ما إذا كانت الأودية قد تغيّرت مساراتها بصورة دائمة أو مؤقتة، وعلى ضوء ذلك تُتخذ القرارات المناسبة، سواء بإعادة تخطيط بعض المواقع أو توجيه السكان إلى مناطق أكثر أمانًا عند الضرورة.
وأضاف أن البيانات التي يتم جمعها خلال الحالات الجوية أصبحت تُستخدم لاحقًا في تطوير تخطيط المدن المستقبلية، مؤكدًا أن التخطيط العمراني في السابق كان منفصلًا عن التنفيذ، بينما أصبحت المدن الحديثة تُنفذ اليوم ضمن منظومة متكاملة تشمل الطرق والبنية الأساسية وقنوات تصريف مياه الأمطار والخدمات المختلفة في وقت واحد.
وذكر أن مدينة السلطان هيثم قدّمت نموذجًا عمليًا خلال إحدى الحالات الجوية الأخيرة، حيث أثبتت كفاءة منظومة تصريف المياه والبنية الأساسية دون تسجيل تأثيرات تُذكر، بفضل وضوح المسارات وتكامل الأنظمة.
التخطيط المبني على البيانات
كما بين سعادته أن الاستراتيجية العمرانية في سلطنة عُمان بُنيت على قاعدة بيانات وطنية متكاملة جُمعت من مختلف الجهات الحكومية، وتشمل بيانات الأودية والمناطق المنخفضة والتأثيرات الناتجة عن الأنواء المناخية.
وأوضح أن هناك تكاملًا مستمرًا مع قطاع الموارد المائية لإعداد خرائط تفصيلية للمناطق المعرضة للتأثر، بحيث تُستخدم هذه الخرائط ضمن طبقات البيانات الخاصة بتخطيط المدن والمشاريع المستقبلية.
وأردف إلى أن العمل جارٍ حاليًا على إعداد دليل متكامل للتعامل مع الحالات المناخية المختلفة، بحيث تُصنف المناطق وفق درجات الخطورة، بما يسمح بوضع خطط استجابة دقيقة لكل منطقة بحسب مستوى المخاطر.
وبيّن أن أحد التوجهات المستقبلية يتمثل في الحد من التوسع العمراني داخل المناطق المنخفضة والمعرضة للتأثر، بهدف تقليل المخاطر وتخفيف الحاجة إلى التدخلات المتكررة أثناء الحالات الجوية.
المياه إدارة أزمة أم إدارة معرفة؟
من جانبه، أوضح سعادة المهندس علي العبري وكيل وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه لموارد المياه، أن موسم الأمطار يُعد من أهم مصادر المياه في سلطنة عُمان، مشيرًا إلى أن السلطنة اكتسبت خبرات متقدمة في إدارة الحالات المطرية نتيجة التجارب السابقة.
وأكد أن مختلف الجهات الحكومية أصبحت تعمل وفق منظومة متكاملة تشمل ما قبل الحالة الجوية وأثناءها وما بعد التعافي، مع وجود تنسيق مستمر بين القطاعات المختلفة.
وأشار إلى أن قطاع المياه يبدأ استعداداته مبكرًا عبر متابعة الحالات الجوية وتحليل مساراتها وكميات الأمطار والتدفقات المائية المتوقعة، إلى جانب مراجعة جاهزية محطات الرصد والسدود وأنظمة مراقبة الأودية.
وأضاف أن السلطنة تمتلك عددًا كبيرًا من السدود في مختلف المحافظات، ويتم التأكد بصورة مستمرة من جاهزيتها، بل قد يُتخذ قرار بإطلاق جزء من المياه المخزنة كإجراء احترازي وفق تقديرات هندسية وهيدرولوجية دقيقة.
وبين أن السلطنة انتقلت بعد التجارب السابقة إلى مرحلة “التخطيط المبني على المعرفة والبيانات”، من خلال تحليل البيانات التراكمية والاستفادة منها في تطوير المدن والبنية الأساسية والحلول المستقبلية.
شراكة مجتمعية
كما أكد العبري أن إشراك المجتمع يُعد عنصرًا أساسيًا في رفع كفاءة إدارة المخاطر، موضحًا أن سكان القرى والمدن يمتلكون معرفة دقيقة بطبيعة مناطقهم ومسارات المياه، وهو ما يجعلهم شركاء مهمين في تقييم الخطورة واتخاذ القرار.
وأردف إلى أن الوعي المجتمعي يمثل أحد أهم عناصر تقليل الخسائر أثناء الحالات الجوية، حيث ينعكس مباشرة على انخفاض الحوادث والوفيات.
وشدد على أهمية وجود تشريعات ملزمة تفرض على الجهات المنفذة للمشاريع الاعتماد على البيانات الحكومية الرسمية والخرائط المحدثة أثناء التصميم والتنفيذ، مع تعزيز الرقابة وعدم التهاون في تطبيق اشتراطات السلامة والمرونة المناخية.
كيف جاءت الطرق كشريان للمدن المرنة؟
بدوره، أكد سعادة المهندس خميس الشماخي وكيل وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات للنقل، أن الحديث عن مرونة المدن يرتبط مباشرة باستمرارية الحياة وعدم تعطّل مصالح السكان، وهو ما يجعل الطرق والبنية الأساسية عنصرًا محوريًا في هذه المنظومة.
وأوضح أن سلطنة عُمان كانت من أوائل الدول التي أعدت كودًا ودليلًا لتصميم وتنفيذ الطرق منذ عام 2010، مع تحديثه لاحقًا ليتواكب مع التغيرات المناخية.
وأردف إلى أن تصميم الطرق أصبح يعتمد اليوم على بيانات أمطار تمتد إلى 100 عام بدلًا من 50 عامًا سابقًا، بما يرفع جاهزية الطرق للتعامل مع الحالات الاستثنائية.
وأضاف أن العديد من الطرق الجديدة صُممت لتعمل في مختلف الظروف المناخية، مع توفير طرق بديلة تضمن استمرارية الحركة والخدمات أثناء الأنواء المناخية.
وبيّن أن خطط الاستجابة في قطاع الطرق تشمل توزيع فرق التدخل الميداني، والتعامل مع الأضرار خلال 48 ساعة، وتحديد مسارات بديلة، والتنسيق مع الجهات الأمنية والعسكرية عند الحاجة.
وذكر أن خدمات الكهرباء والاتصالات تعتمد بصورة مباشرة على سرعة فتح الطرق وانخفاض مناسيب المياه، ما يعكس طبيعة الترابط بين القطاعات المختلفة داخل منظومة إدارة الحالات الطارئة.
وأشار إلى أن تجربة منخفض “المسرات” أظهرت مستوى متقدمًا من الجاهزية، حيث استمرت بعض الخدمات الأساسية رغم تأثر بعض خطوط الكهرباء ميدانيًا، بفضل سرعة الاستجابة والخطط البديلة.
منظومة وطنية متكاملة لإدارة الطوارئ
أما العقيد زايد الجنيبي ممثل اللجنة الوطنية لإدارة الحالات الطارئة، فأوضح أن اللجنة تتعامل مع مختلف الحالات الطبيعية والصناعية والبشرية، ضمن منظومة وطنية تضم 8 قطاعات وظيفية و11 لجنة فرعية ميدانية على مستوى المحافظات.
وأشار إلى وجود خطة وطنية متكاملة تنظم أدوار الجهات المختلفة، إلى جانب خطط قطاعية تفصيلية وخطط خاصة بالمحافظات، بما يضمن وضوح آليات التنسيق والاستجابة.
وأكد أن اللجنة تولي جانب الاستعداد أهمية كبيرة، من خلال مراجعة الخطط بشكل مستمر، وتنفيذ برامج تدريبية وتمارين مشتركة بصورة دورية.
وأضاف أن المجتمع يُعد شريكًا أساسيًا في منظومة الاستجابة، مشيرًا إلى انطلاق المرحلة الخامسة من الحملة الوطنية للتوعية من الأنواء المناخية بمحافظة جنوب الباطنة.
وبيّن أن اللجنة الوطنية تعتمد كذلك على “نظام إدارة الحدث” الإلكتروني لتبادل المعلومات بين الجهات المختلفة أثناء الحالات الطارئة، بما يضمن سرعة وصول البيانات ورفع كفاءة الاستجابة.
وأردف: أن تطوير السياسات المرتبطة بإدارة الحالات الطارئة عملية مستمرة، تقوم على مراجعة التجارب السابقة والاستفادة من الخبرات الدولية والمؤتمرات العالمية المتعلقة بالحد من المخاطر والكوارث.
وفي ظل تصاعد التحديات المناخية عالميًا، يبدو أن السلطنة تتجه نحو مرحلة جديدة في إدارة المدن، تقوم على المعرفة والبيانات والتخطيط المتكامل، لا على ردود الفعل المؤقتة فقط، فالمعادلة لم تعد تقتصر على كيف نواجه الحالة الجوية؟ إنما أصبحت كيف نبني مدينة قادرة على الصمود والتكيّف والاستمرار مهما تغيّرت الظروف؟

شارك هذا الخبر