أثير - مـحـمـد الـعـريـمـي
في عالم تحكمه لغة الأرقام وتختصره القوائم، نستيقظ يوميًا على عناوين براقة: ”الدولة (س) تتصدر قائمة أقوى جيوش العالم“، أو ”المدينة (ص) الأخطر أمنيًا“، و ”الاقتصاد (ع) الأفضل للاستثمار“.
هذه التصنيفات لم تعد مجرد حبر على ورق، بل أصبحت أدوات مؤثرة توجه مليارات الدولارات وتصنع صورة الدول أو تؤثر في سمعتها، لكن ماذا لو كان هذا ”اليقين الرقمي“ في بعض الأحيان صورة غير مكتملة للواقع؟
في السطور القادمة، نغوص في كواليس التصنيفات العالمية، ونكشف كيف تُصنع هذه القوائم، وكيف يمكن أن تتحول من أداة علمية إلى وسيلة قد تؤدي إلى استنتاجات غير دقيقة.
الجذور التاريخية: من ”فجوة الصواريخ“ إلى ”القوة الناعمة“
لم ينشأ هوس التصنيفات من فراغ، بل هو امتداد لمسارات تاريخية ارتبطت بالمنافسة السياسية والإستراتيجية. خلال حقبة الحرب الباردة، حيث كان توظيف الأرقام والمؤشرات جزءًا أساسيًا من أدوات التأثير الإعلامي.
في الخمسينيات، روّجت الولايات المتحدة لما عُرف بـ ”فجوة الصواريخ“، حيث صُنفت الترسانة السوفيتية بأنها تتفوق بأضعاف مضاعفة على نظيرتها الأمريكية، ولم يكن ذلك دقيقًا، إذ أثبتت الدراسات اللاحقة عدم صحة تلك التقديرات، التي استُخدمت حينها لتبرير زيادة الإنفاق الدفاعي وتعزيز حالة التأهب لدى الحلفاء.
ومع انتهاء الحرب الباردة، تغيرت طبيعة المنافسة؛ إذ لم يعد الاعتماد على ”القوة الصلبة“ وحدها كافيًا، فظهرت تصنيفات ”القوة الناعمة“ ومؤشرات الديمقراطية وحقوق الإنسان.
فك الشفرة: كيف تعمل خوارزميات التصنيف؟
لفهم مكامن الخلل المحتملة، يجب تفكيك معادلة التصنيف: (البيانات المجمعة + أوزان المؤشرات = الترتيب النهائي)، فالاختلافات الجوهرية لا تكمن دائمًا في البيانات، بل في ”أوزان المؤشرات“ (Weighting).
تمنح بعض المواقع التجارية وزنًا كبيرًا للحجم (الكم) على حساب الجودة (الكيف)، فتتقدم حتمًا دولة تمتلك آلاف المعدات القديمة على أخرى تمتلك مئات المعدات فائقة التطور. إضافة إلى ذلك، تدفع ”فجوة البيانات“ العديد من الدول النامية إلى مراتب متأخرة؛ إذ إن عدم امتلاكها لإحصاءات رقمية محدثة باللغة الإنجليزية يجعلها أقل حضورًا في قواعد البيانات العالمية، فتتراجع ترتيباتها لا بسبب ضعف الأداء بالضرورة، بل نتيجة محدودية الظهور الرقمي.
أمثلة واقعية على تراجع مصداقية بعض التصنيفات
الوهم العسكري: هيبة الأرقام
يُعد موقع Global Firepower من أشهر المواقع الإعلامية في تصنيف الجيوش، إلا أن عددًا من الخبراء العسكريين والإستراتيجيين يتحفظون على منهجيته، إذ يعتمد بدرجة كبيرة على القوة العددية المجردة، مع إيلاء اهتمام أقل لعوامل مثل الجاهزية القتالية، والقدرة التقنية، ومستوى التدريب والاحترافية.
ويُصنف الموقع كوريا الشمالية في مراكز متقدمة عالميًا في سلاح الغواصات لامتلاكها أكثر من 70 غواصة، لكن الواقع التقني يشير إلى أن جزءًا كبيرًا منها يعود إلى عقود سابقة. وبذلك يمنح التصنيف انطباعًا بالقوة استنادًا إلى الكم أكثر من الكفاءة التشغيلية الفعلية.
إشكالية المؤشرات الاقتصادية: عندما تتداخل المصالح والمنهجيات
في عام 2021م، أُعلن رسميًا عن إلغاء تقرير ”ممارسة أنشطة الأعمال“ (Doing Business) التابع للبنك الدولي، بعد أن كشف تحقيق مستقل أجرته شركة ”WilmerHale“ عن وجود تلاعب في بعض البيانات والمؤشرات الخاصة بعدد من الدول خلال دورات سابقة من التقرير (2018 و2020). كما يشير بعض المراقبين إلى أن بعض الجهات الاستشارية قد تربط بين نتائج التصنيفات والخدمات التي تقدمها لتحسين الأداء المؤسسي أو التشريعي، وهو ما يثير تساؤلات حول تضارب المصالح في بعض الحالات.
فخ السياحة والأمن: حكمة الحشود الغاضبة
تعتمد مواقع شعبية مثل Numbeo في بعض تصنيفاتها المتعلقة بتكلفة المعيشة أو مستويات الأمان على التعهيد الجماعي (Crowdsourcing) وإسهامات المستخدمين، أكثر من اعتمادها على الإحصاءات الرسمية المباشرة.
وقد أظهرت بعض الحالات كيف يمكن لحملات تصويت مكثفة أو نشاط غير متوازن من المستخدمين أن يؤثر في النتائج خلال فترات زمنية قصيرة، ما يطرح تساؤلات حول دقة بعض المؤشرات المستندة إلى إسهامات الجمهور وحدها.
التحيز الثقافي: من يحدد معايير ”جودة الحياة“؟
عندما نقرأ مؤشرات مثل ”أفضل المدن للعيش“ (Livability Index)، نجد مدنًا أوروبية وأسترالية تتصدر غالبًا، فلماذا تتراجع مدن كبرى في آسيا والشرق الأوسط؟
يكمن جزء من الإجابة في طبيعة المعايير المستخدمة، التي تعكس أحيانًا أولويات فئات محددة من المقيمين أو المغتربين، فتُمنح نقاط مرتفعة لأنماط حياة معينة أو لانتشار بعض المرافق الثقافية والترفيهية، في حين قد لا تحظى عوامل أخرى، مثل الترابط الأسري، أو انخفاض معدلات الجرائم العنيفة، أو قوة شبكات التكافل الاجتماعي، بالوزن نفسه في عملية التقييم.
الوجه المشرق: مؤسسات تحترم العقل والبيانات
لتجنب الوقوع في فخ التشكيك المطلق، من المهم التأكيد أن صناعة البيانات والمؤشرات ليست كلها موضع جدل، فهناك مؤسسات بحثية وعلمية رصينة تحظى بسمعة عالية في جمع البيانات وتحليلها.
وما يميز هذه المنصات الموثوقة هو التزامها بمبدأ ”البيانات المفتوحة“، الذي يتيح للباحثين تدقيق الأرقام الخام، واستقلاليتها عن المصالح التجارية المباشرة، وشفافيتها في إعلان أوزان المؤشرات، واعتمادها على مراجعات أكاديمية ومنهجية منتظمة.
البوصلة الحقيقية: متى نصدق التصنيفات، وكيف نفرز الغث من السمين؟
تجاهل التصنيف (أو تعامل معه بحذر شديد) إذا:
• كانت المنهجية غير واضحة أو غير مفصلة.
• اعتمد على استطلاعات رأي مفتوحة دون ضوابط علمية كافية.
• كان موقعًا تجاريًا بحتًا يصدر قوائم متكررة بهدف جذب الزيارات أكثر من تقديم معرفة موثوقة.
ثق بالتصنيف (واعتبره مرجعًا مساعدًا) إذا:
• اعتمد على بيانات كمية قابلة للقياس، مثل الناتج المحلي، وبراءات الاختراع، أو معدلات الوفيات.
• خضع لمراجعة النظراء أو لإشراف أكاديمي مستقل.
• أوضح بصورة شفافة أوزان المؤشرات وتأثيرها في النتيجة النهائية.
البوصلة الحقيقية والمصادر الموثوقة عالميًا:
• عسكريًا وأمنيًا: معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، الذي يتتبع حجم الإنفاق الفعلي وتجارة السلاح بالاعتماد على قواعد بيانات موثقة.
• اقتصاديًا وتنمويًا: مؤشر التنمية البشرية (HDI) التابع للأمم المتحدة، وقواعد البيانات المفتوحة لصندوق النقد الدولي (IMF).
• في الحوكمة والشفافية: منظمة الشفافية الدولية، بما تمتلكه من منهجيات قائمة على مصادر متعددة للمعلومات.
* في التعليم: تصنيف شنغهاي (ARWU)، المعتمد بدرجة كبيرة على مخرجات البحث العلمي والنشر الأكاديمي.
المصادر:
* فضيحة البنك الدولي وتلاعب البيانات (Doing Business Scandal)
* وكالات التصنيف الائتماني والأزمة المالية (Credit Rating Agencies)
* الخلل المنهجي في المؤشرات العسكرية (Global Firepower)
* التعهيد الجماعي في مؤشرات الأمن والسياحة (Numbeo)
* التحيز الثقافي في مؤشرات جودة الحياة (Livability Indexes)




