السلوباغاندا...حرب من نوع آخر بين إيران وأمريكا

عن الكاتب

محمد  حسن
محمد حسن

كاتب وباحث سوري

السلوباغاندا...حرب من نوع آخر بين إيران وأمريكا
السلوباغاندا...حرب من نوع آخر بين إيران وأمريكا
أثير- محمد حسن
منذ عهد فرنسيس بيكون على الأقل، استُخدِمت مقولة “المعرفة قوة” للتعبير عن العلاقة بين اتخاذ القرار على مستوى الجماعة والمعلومات. ونحن نعلم أن القدرة على تشكيل البيئة المعلوماتية لجماعة ما هي طريقة لتوجيه قراراتهم، وهي في جوهرها طريقة لاتخاذ القرارات نيابة عنهم.
وصَف مفهوم “ضباب الحرب” لدى المفكر كلاوزفيتس ذات يوم حالة عدم اليقين والارتباك التي تخيّم على اتخاذ القرارات في ميدان المعركة. وجعل الفيلم الوثائقي لإرول موريس عام 2003 من هذه العبارة اختزالاً للغموض الأخلاقي والمعلوماتي في الصراعات الحديثة. ولكن في العصر الرقمي، حيث تُصوَّر الحرب وتُروَّج عبر الإنترنت، يزداد هذا الضباب كثافة، وتصبح تغطية الحروب أكثر صعوبة.
ويُبرِز الصراع القائم بين الولايات المتحدة وإيران هذه النقطة بوضوح أكثر من أي وقت مضى، فمع تدفق الصور ومقاطع الفيديو والسرديات التي تغرق وسائل التواصل الاجتماعي، بات من الصعب التمييز بين ما هو حقيقي وما هو مزيف، وذلك بالتزامن مع صعود الذكاء الاصطناعي والتغيرات في المنصات الرقمية التي تعيد تشكيل كيفية رؤية الحرب وفهمها.

السلوباغاندا بين النشأة والتضليل؟

ظهر مصطلح “السلوباغاندا” لأول مرة من قبل فريق بحثي أكاديمي في ورقة بحثية نشرت عام 2025، وهي دمج بين مفهومين حديثين الأول (Slop) وتعني نفايات الذكاء الاصطناعي، وهو المحتوى الرقمي الرديء أو منخفض الجودة الذي يتم إنتاجه بكميات هائلة بواسطة الذكاء الاصطناعي، والثاني (Propaganda) البروباغاندا وهي الدعاية السياسية الموجهة للتلاعب بالعقول، فهي محتوى غرضه التضليل السياسي وغسل الأدمغة وتوجيه الرأي العام.
ركز الباحثون (ميخال كلينسيفيتش، ومارك ألفانو، وأمير إبراهيمي فرد) على فكرة أن “السلوباغاندا” لا تهدف دائماً إلى إقناعك بـ كذبة محددة، بل تهدف إلى تدمير قيمة الحقيقة ذاتها، من خلال سياسة الإرهاق المعرفي، فعندما يغرق المتلقي بآلاف المنشورات المولدة آلياً، يتوقف عقله عن محاولة تحليل المنطقي من غير المنطقي، فيلجأ إلى تصديق ما يتوافق مع هواه فقط.
بمجرد أن تُدخِل معلومات مضللة أو رابط معين إلى ذهن شخص ما، قد يكون من الصعب التخلص منها. ولأن السلوباغندا يمكنها الوصول إلى جماهير غفيرة، فإنه حتى التأثير المضلل بين عامة السكان قد تكون له عواقب جسيمة. إذ يمكن للجهات التابعة للدول، والشركات، والأفراد التأثير على معتقدات الجماعات وقراراتها، بما في ذلك نتائج الانتخابات، والحركات الاحتجاجية، أو المشاعر العامة تجاه حرب غير شعبية.

كيف تصبح السلوباغاندا أداة في الصراعات ؟

وفقاً لدراسة نشرتها جامعة أمستردام، تتميز السلوباغندا بكونها محتوى صُمم للتداول وتوليد التفاعل بدلاً من إقناع الجماهير بشكل مباشر. ونرى أيضاً أن هذا النهج يثبت فعاليته، فالجلساء والمستخدمون غالباً ما يشاركون المحتوى ليس لأنهم يؤمنون به، بل لأنه مضحك، أو لافت للنظر، أو متداول بكثرة. وتقوم الخوارزميات بعد ذلك بتضخيم ذلك التوزيع تلقائياً، مما يمحو الحدود الفاصلة بين ثقافة الإنترنت والصراع الجيوسياسي.
وبذلك لم تعد منصات مثل تيك توك وإنستغرام ويوتيوب مجرد أماكن للترفيه، بل أصبحت بشكل متزايد جزءاً من البنية التحتية التي تتكشف من خلالها الصراعات الحديثة.
فلأكثر من عقد من الزمان، تعاملت الدول مع وسائل التواصل الاجتماعي كبنية تحتية أساسية للتأثير، حيث تدير إستراتيجيات بروباغندا شاملة تدفع بالرسائل عبر قنوات متعددة في وقت واحد: التلفزيون الرسمي، والحسابات الرسمية، وشبكات الذباب الإلكتروني، والمؤثرين الذين قد لا يعلمون حتى أنهم جزء من العملية.
والنتيجة ليست مجرد بث للرسالة، بل تحويل الجمهور إلى قناة توزيع أكبر من أي قناة يمكن للدولة بناؤها بمفردها. البروباغندا اليوم تشاركية؛ فالأشياء لا تنتشر تلقائياً من تلقاء نفسها، بل لأن الناس يتفاعلون مع المحتوى.
إنّ انتشار السلوباغندا قد يجعلنا نشك في كل شيء آخر. ولا شك أن الناس سيصبحون أقدر على اكتشاف هذا النوع من المواد، لكنهم سيصبحون أيضاً أكثر عرضة للخطأ في التمييز واعتبار المحتوى الأصيل مجرد “سلوباغندا”. ونتيجة لذلك، قد تنخفض أيضاً ثقة الجمهور بالأفراد والمؤسسات الموثوقة حقاً. وعندما يحدث هذا، فمن المرجح أن يكون الأثر الإجمالي هو تراجع عام في ثقة الجمهور بالشخصيات والمؤسسات الجديرة بالثقة، مما يؤدي إلى نوع من الشك العدمي في إمكانية معرفة أي شيء بحق.
وعندما يصبح من الصعب أو المستحيل تحديد المصادر الموثوقة، يمكنك أن تختار تصديق أي شيء تجد فيه ما يريحك، أو ينشطك، أو يثير غضبك. وفي المجتمعات التي تزداد استقطاباً وتصارع أزمات اقتصادية وسياسية وعسكرية وبيئية متداخلة، فإن انهيار المصادر المشتركة للحقيقة لن يؤدي إلا إلى تفاقم الأمور.

كيف حول ترامب وطهران السلوباغاندا إلى جبهة قتال بديلة؟

لم يمنع الهدوء النسبي على جبهات القتال بين الولايات المتحدة وإيران الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من استخدام الصور المنشأة بالذكاء الاصطناعي لتهديد طهران، وهو تكتيك يستخدمه بشكل متزايد، في حين ردت الجمهورية الإسلامية بالمثل.
بعد أن علقت الولايات المتحدة قصفها لإيران في أعقاب 13 يوماً من الغارات الجوية والرد بهجمات مماثلة من قبل طهران، نشر ترامب صوراً مصممة بالذكاء الاصطناعي تُظهر تفجير سفن إيرانية وبنية تحتية للطاقة واستيلاء الجيش الأمريكي عليها. حيث أصبح حساب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على منصته “تروث سوشيال” مساحة لنشر صور مولَّدة بالذكاء الاصطناعي، تحاكي مشاهد انتصار وهمية أو عمليات قصف افتراضية لمواقع داخل إيران.
واتبعت إيران أسلوبًا مشابه، تضمن مقاطع فيديو مصممة بالذكاء الاصطناعي لشخصيات “ليغو” (Lego) تسخر من القوات الأمريكية، وذلك كجبهة جديدة في الحرب، بعيدة عن القصف الجوي والحصار البحري في مضيق هرمز.
اعتبر كلينسيفيتش أحد الباحثين الذين صاغوا الورقة البحثية لمصطلح السلوباغاندا: " أنه بالمقارنة مع حملة الليغو الإيرانية، فإن السلوباغاندا الصادرة عن البيت الأبيض ذات جودة أقل بكثير. وأضاف: “يبدو أن البيت الأبيض يركز بشكل أساسي على الجمهور المحلي في الولايات المتحدة، وقاعدته الانتخابية، وهي في الأساس ميمات مصممة لتناسب جيل طفرة المواليد من كبار السن”.
وصرّح كوري ألبرت، الذي كتب عن كيفية استخدام ترامب للذكاء الاصطناعي خلال حرب إيران، لمجلة “نيوزويك” أن الكثير من القلق بشأن الصور المولدّة بالذكاء الاصطناعي يتركز على المعلومات المضللة والخاطئة وأن الناس سيصدقون أشياء غير صحيحة. وقال: “طريقة استخدام ترامب لهذه الصور تمثل مشكلة أخرى تماماً. إنه يحاول منح جمهوره إحساساً بما قد يكون حقيقياً، ورسم واقع الخيالي لما يريدهم أن يؤمنوا به”.

في عالم افتراضي، كيف ترسم السلوباغاندا واقع الميدان؟

لطالما استخدم ترامب صور الذكاء الاصطناعي في القضايا السياسية العالمية والمحلية، لكن فيما يتعلق بالحرب في إيران، فقد رفع سقف الرهان. وقد أثار ترامب جدلاً واسعا بعد نشره صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي غيّر فيها تسمية مضيق هرمز إلى “مضيق ترامب”، في محاولة لرسم خريطة جيوسياسية للمنطقة تحت نفوذ الولايات المتحدة.
كما نشر ترامب على منصة “تروث سوشيال” (Truth Social) سلسلة من الصور المتعلقة بحرب إيران والمنشأة بالذكاء الاصطناعي.
  • تضمنت إحدى هذه الصور طائرات حربية تقصف منشأة نفطية مع تعليق “ضربة على جزيرة خرج”، في إشارة إلى مركز تصدير النفط الرئيسي في إيران.
  • حملت عدة صور متتالية تعليق “إنها ناقلة النفط الخاصة بنا الآن!”.
  • أظهرت صورة أخرى انفجاراً في ناقلة كُتب على جانبها “إيران”، مرفقة برسالة “وداعاً لغرفة المحركات”.
  • أظهرت صورة أخرى ترامب ينظر أمامه بجوار انفجارات قرب أعلام إيرانية مع تعليق “حارس العالم”.
  • في 29 أبريل، عندما تعثرت المفاوضات بشأن وقف إطلاق النار مع طهران، نشر ترامب صورة له مصممة بالذكاء الاصطناعي وهو يحمل بندقية هجومية مع عبارة “لا مزيد من اللطف”، في رسالة موجهة إلى طهران.
وكرد على ذلك، نشرت مجموعة “إكسبلوسف ميديا” (Explosive Media)، وهي مجموعة من الشباب الإيرانيين الملمين بالثقافة الشعبية الأمريكية والذين رُبطت أسماؤهم بالحكومة الإيرانية، مقاطع فيديو حصدت ملايين المشاهدات، حيث أظهر أحد مقاطع الفيديو المصُمم بالذكاء الاصطناعي باستخدام شخصيات “ليغو”، جندي أمريكي يزحف للخروج من مروحية محطمة في جزيرة خرج، وهو يكافح من شدة الحرارة، ليصادف جندياً إيرانياً يبتسم ويشرب الشاي. وكُتب في الرسالة المرفقة: “الجو حار جداً عليك أيها المدلل. عُد إلى المكيف”. وتم تداول مقطع فيديو في شهر مارس يبدو أنه مصمم بالذكاء الاصطناعي أيضاً، يُظهر ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وهما ينظران في مجلد يحمل عنوان “ملف جيفري إبستين”، وكانا يقفان بجوار “الشيطان”، في إشارة إلى أن حملة القصف الأمريكية-الإسرائيلية المشتركة كانت تهدف إلى لفت الانتباه بعيداً عن تحقيق إبستين.
واعتبر كلينسيفيتش خبير العلوم المعرفية، أن طهران تكسب حرب الذكاء الاصطناعي ضد الولايات المتحدة. فالإيرانيون يغيرون السردية، ويخلقون محتوى سريع الانتشار وقابلاً للمشاركة بشكل أكبر، وبالتالي يتفوقون على الولايات المتحدة في هذا الجانب.

شارك هذا الخبر