أثير - الركابي حسن يعقوب
تبقت حوالي 50 يومًا من الآن لإجراء انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، وتكتسب هذه الانتخابات أهمية خاصة بسبب الحرب الأمريكية على إيران والموقف الحرج لإدارة الرئيس ترامب وحزبه الجمهوري، إذ سيخوض الحزب هذه الانتخابات وسط أجواء داخلية رافضة للحرب بقوة وحالة استياء شعبي بسبب التأثيرات السالبة للحرب الأمريكية على إيران على الاقتصاد الأمريكي وارتفاع تكلفة المعيشة وأسعار الوقود، وتراجع شعبية الرئيس ترامب التي وصلت نسبتها حتى الآن عند 33٪ بحسب أحدث استطلاعات الرأي لـ”رويترز”.
إضافة إلى هذه الأجواء فإن كل التوقعات تشير إلى أن هذه الانتخابات سوف تتسم بتنافس شرس للغاية بين الديمقراطيين والجمهوريين، فالديمقراطيون يسعون لانتزاع فوز ساحق يتيح لهم استعادة السيطرة على الكونغرس وهو ما يتوقع أن يؤدي إلى تغيرات كبيرة في مسار الحرب على إيران بسبب القيود التي سيكبل بها الديمقراطيون حركة الرئيس ترامب في هذا الملف، بينما يكافح الجمهوريون للاحتفاظ بوضعهم الحالي وسيطرتهم على أغلبية مقاعد الكونغرس ورغم أن الفارق بين الحزبين ليس كبيرًا إلا أن المنافسة عليها شديدة، فالحزب الجمهوري سيخوض الانتخابات لتثبيت أغلبية هشة وضئيلة في كل من مجلس النواب ومجلس الشيوخ، بينما يحتاج الحزب الديمقراطي إلى الفوز بثلاثة مقاعد فقط لكي يتسنى له انتزاع الأغلبية في مجلس النواب، وفي الوقت نفسه فإن الحزب في حاجة إلى الفوز بأربعة مقاعد للسيطرة على مجلس الشيوخ.
وبجانب التنافس الانتخابي حول مجلسي الكونغرس النواب والشيوخ، هناك انتخابات حكام الولايات إذ يتعين انتخاب 39 حاكمًا للولايات والمناطق الأمريكية.
لذلك فإن هذه الانتخابات تعتبر مفصلية لكلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي كونها تمثل نقطة مصيرية بها يتحدد ميزان القوى السياسية ومن يستطيع التحكم في جدول الأعمال التشريعية خلال النصف الثاني من عُهدة ترمب الرئاسية الثانية والأخيرة، والحزب الجمهوري في أمس الحاجة إلى الفوز والخسارة بالنسبة له تمثل كارثة.
والسبب أن موقف الحزب سيء فبالإضافة لتأثيرات الحرب على الاقتصاد وتدني شعبية الرئيس ترامب فإن استطلاع “رويترز” بتاريخ 14 سبتمبر يظهر تقدم الديمقراطيين بفارق 3 نقاط عن الجمهوريين في ما يسمى بالنوايا التصويتية، كذلك يأتي الصعود اللافت للنفوذ السياسي للمسلمين ويبرز في هذا الشأن اسم عبد الرحمن السيد المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ولاية ميتشيغان وسط جدل سياسي وهجوم حاد ضده من قبل نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، مما سيؤدي إلى تزايد حظوظه في الفوز.
ويسعى الحزب الجمهوري إلى تجميد ملف الحرب وخفض التصعيد والجنوح للتهدئة في الوقت الراهن وإلى أن يحين موعد الانتخابات خشية أن تلقي الحرب والتصعيد بمزيد من الآثار السالبة على موقف الحزب والقضاء على ما تبقى من فرص ضئيلة وبوارق أمل للفوز، لذلك فقد ظل الرئيس ترمب يكرر ويؤكد مرارًا بأن الحرب مع إيران ستنتهي مباشرة بعد انتخابات التجديد النصفي، وفي إحدى تصريحاته قال إنها ربما تنتهي قبل الانتخابات، وهذا كله من أجل التأثير الإيجابي على الناخبين ولكسب أصواتهم، بل أكثر من ذلك اتهم ترمب أطرافًا لم يسمها بمحاولة إطالة أمد الحرب للتأثير السالب على حظوظ حزبه الانتخابية.
وتبدو حالة الضعف الراهنة التي يمر بها الرئيس ترمب وحزبه وهم يعملون جاهدين لتفادي خسارة الانتخابات النصفية واتجاههم نحو التهدئة وتخليهم عن التصعيد في هذه الفترة، تبدو هذه الحالة مغرية جدًا بالنسبة للإيرانيين لاستغلالها واستثمارها لصالحهم باعتبارها فرصة ذهبية للضغط على الجانب الأمريكي للعودة للتفاوض والقبول بالشروط الإيرانية من ناحية، ومن ناحية أخرى الاتجاه نحو التصعيد لإلقاء مزيد من الأعباء على كاهل الرئيس ترامب والجمهوريين ومفاقمة حالة الاستياء الشعبي وتوسيع دائرة الرفض للحرب ورفع كلفة الحرب عليهم إلى أقصى حد إمعانًا في إلحاق الضرر بخطة الرئيس ترامب القائمة على التهدئة المؤقتة بميقات الانتخابات لتفادي الخسارة فيها، وبالتالي إفشال خطته بتجاوز الانتخابات ثم العودة إلى الحرب مرة أخرى بما يؤدي إلى خسارة مؤكدة في الانتخابات وتقييد حركته والحيلولة دون مواصلة الحرب.
نعم قد تبدو هذه المعادلة قوية وبراقة وأنها الفرصة الأخيرة، وقد تبدو حساباتها تقود إلى الربح في نظر الجانب الإيراني للوهلة الأولى، غير أن الغوص لأعماق أبعد في هذه المقاربة يكشف عن جوانب أخرى غير مرئية من خلال السطح، لتكشف عن مقاربة تمثل سلاحًا ذو حدين.
الحد الأول هو إلحاق الخسارة المؤكدة بالحزب الجمهوري نتيجة لتداعيات وآثار الحرب التي ستشغل الرأي العام وتزيد من سخط الأمريكيين ورفضهم للحرب من خلال تصدرها لعناوين الأخبار في الإعلام خاصة إذا ما كانت مصحوبة بأرقام وصور لتوابيت وجنود أمريكيين قتلوا في الحرب.
أما الحد الثاني فهو أن يعمل الرئيس ترمب بقاعدة “وداوني بالتي كانت هي الداء”، فيخوض الحرب ويصعد بصورة غير مسبوقة من عملياته العسكرية ضد إيران قبل الانتخابات لتحقيق نصر كبير كجزء من حملة حزبه الانتخابية يحقق له استعادة شعبيته ويخفف من وطأة الملف الاقتصادي ثم يعلن انتصاره في الحرب وهو ما سيحقق له فوزًا ساحقًا في الانتخابات ويمنحه صكًا على بياض لمواصلة تنفيذ سياساته وأجندته متحللًا من قيود الديمقراطيين وضغوط الرأي العام. ورغم أن هذا السيناريو في الوقت الراهن لا يبدو سهل التحقق، إلا أنه ليس في حكم المستحيل خاصة وأن إسرائيل التي تتوسط بنفوذها دائرة صنع القرار الأمريكي هذه الأيام تميل إلى الأجندة الحربية وإلى التصعيد لتحقيق الأهداف بالقوة العسكرية وقد توحي بهذه الفكرة للرئيس ترمب الذي يبحث عن وسيلة تحقق له الفوز في الانتخابات.
طهران الآن تقف في حيرة أمام هذا الرهان ذي الحدين لتختار أحدهما بينما الوقت يمضي ومع مضيه تضيق الفرصة وترتفع التكلفة، لكن لما كانت السياسة هي فن الممكن فإنه من المتصور أن تبني طهران موقفها واختيارها على أساس ثابت وقاعدة متينة وتحسب حساب كل شيء دون تهويل أو تقليل.
فبالنسبة لخيار التصعيد فإنه من واقع التجربة فإن الردود الإيرانية على الاعتداءات الأمريكية كانت وما تزال تستهدف بالأساس أراضي ومنشآت دول الجوار الخليجي، وإذا ما استمرت طهران في استهداف هذه الدول ستضر بمصالحها هي في الأجلين القصير والطويل وتعمل بذلك على الإخلال بمعادلة الأمن بالمنطقة وهي المتضرر الأول من هذا الاختلال، فإيران ومن خلال تطورات الحرب أصبحت في حاجة ماسة إلى منظومة أمنية إقليمية تكون بمثابة مظلة ضرورية للوقاية من تأثيرات تدخلات قوى إقليمية ودولية معادية وغير مرغوب فيها ولن تتحقق هذه المظلة إلا بمراجعة فورية لسياسات إيران الإقليمية وعلاقاتها مع جوارها العربي بما يعيد هذه العلاقات لوضعها الطبيعي والقانوني والجيوستراتيجي القائم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها وأن تكون مبنية على المصالح والتعاون ووقف كل أشكال وصور العدوان على جيرانها سواء كان ذلك بطريقة مباشرة أو من خلال أذرعها بالمنطقة.
وهذه العملية بمثابة Homework على طهران القيام به على الفور دون تراخٍ، وكما قلت سالفًا فإن الاجتماع الإقليمي الذي كان مقررًا له الانعقاد أمس الإثنين في صلالة بسلطنة عُمان وتأجل لمزيد من التوافق يمكن أن يكون - بعد تطويره - نواة لهذه المظلة الأمنية الإقليمية التي أشرت إليها وبذلك تكون المنطقة قد حولت الأزمة التي هي أكبر تحدٍ تواجهه الآن إلى فرصة لبناء منظومة أمنية محكمة للمنطقة تستطيع بها تجاوز الحرب وتداعياتها الراهنة وتحول دون تكرارها مستقبلًا.
والمنظومة الأمنية التي أعنيها لا تنطوي على المعنى الأمني الحَرْفي فقط، وإنما تشمل إلى جانب ذلك الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والجيوسياسية والديمغرافية وكل أشكال التعاون وتكامل وتبادل المصالح بين دول المنطقة كافة.






