نتنياهو يتحدى مسار غزة: هل يستطيع تجاوز الموقف الأمريكي؟

رفض نتنياهو الانسحاب من غزة قبل نزع سلاح حماس، في موقف يهدد المرحلة الثانية من الاتفاق ويدفع الوسطاء وواشنطن إلى اختبار حاسم لحماية التفاهمات.

نتنياهو يتحدى مسار غزة: هل يستطيع تجاوز الموقف الأمريكي؟
نتنياهو
رصد - أثير
أعاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ملف الحرب على غزة إلى نقطة التوتر، بعدما أعلن رفضه وثيقة النقاط الـ15 الخاصة بالقطاع، مؤكدًا أن الجيش الإسرائيلي لن ينفذ أي انسحاب قبل تجريد حركة حماس من سلاحها بالكامل، في موقف يتناقض مع تأكيد الحركة تمسكها بخريطة الطريق ومخرجات التفاوض مع الوسطاء، ويفتح الباب أمام أزمة جديدة تهدد مسار التهدئة واستكمال المرحلة الثانية من الاتفاق.
في المقابل، جاء موقف حماس متمسكًا بما تم التوصل إليه مع الوسطاء ومجلس السلام بشأن خريطة الطريق لاستكمال تنفيذ المرحلة الثانية. وأكدت الحركة جديتها في الانخراط في تطبيق ما تم التوافق عليه ضمن البنود الـ15، ووضع جدول زمني لتنفيذها، معتبرة أن الأولوية يجب أن تكون لضمان تنفيذ الاتفاق بمراحله واستحقاقاته كافة، وصولًا إلى وقف كامل لإطلاق النار.
وقال الكاتب والمحلل السياسي إياد القرا لقناة الجزيرة، إن موقف نتنياهو جاء بمثابة انقلاب على مسار تفاوضي امتد نحو 3 أشهر، قدمت خلاله حماس والفصائل الفلسطينية قدرًا كبيرًا من المرونة، وقدمت ما لديها في الوثيقة، بما جعل الكرة في الملعب الإسرائيلي والأمريكي. موضحًا بأن الشارع الفلسطيني يخشى تحديدًا عودة الاغتيالات والقصف والاستهدافات قرب المناطق الصفراء، فضلًا عن استهداف النازحين والخيام، وهي ممارسات قد تعيد القطاع إلى أجواء التصعيد التي سبقت التطورات الأخيرة.
ولا تقتصر المخاوف على الجانب الشعبي، إذ تشارك الفصائل الفلسطينية في القلق من احتمال أن يؤدي رفض نتنياهو إلى تصعيد العمليات ضد القطاع، في وقت تترقب فيه غزة الموقف الأمريكي وما إذا كانت واشنطن ستضغط على الحكومة الإسرائيلية للعودة إلى مسار التفاهمات.

نتنياهو يتحدى واشنطن؟

ويضع الخبير بالشؤون الإسرائيلية سليمان بشارات موقف نتنياهو في إطار أوسع من مجرد الخلاف حول صياغة وثيقة الـ15 نقطة، معتبرًا أنه يعكس حالة تحدٍ للإدارة الأمريكية، لها ارتباط بالحسابات الداخلية الإسرائيلية وبالعلاقة بين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
فمن جهة، يسعى نتنياهو، وفق بشارات، إلى الظهور أمام الشارع الإسرائيلي بوصفه الزعيم القادر على التشدد في مواجهة الفلسطينيين، في ظل انزياح واضح في المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين وتوحد المواقف السياسية حول فكرة حسم الصراع مع الفلسطينيين.
من جهة أخرى، يرى بشارات أن نتنياهو يستخدم ملف غزة كورقة ضغط في تعامله مع واشنطن، خصوصًا في ملفات أخرى، وفي مقدمتها الملف الإيراني، في ظل مؤشرات على رغبة ترامب في اتخاذ قرارات أكثر استقلالًا عن الموقف الإسرائيلي بشأن إيران والمنطقة.
وبذلك، قد لا يكون رفض وثيقة غزة مجرد اعتراض على بنودها، بل محاولة من نتنياهو لإعادة فرض شروطه على الإدارة الأمريكية ومنعها من الانفراد بإدارة الملفات الإقليمية. ويعتقد بشارات أن نتنياهو حسم، في هذه المرحلة، أولويته لمصلحة الجبهة الداخلية الإسرائيلية، باعتبارها فرصته الأهم للحفاظ على مستقبله السياسي.
ويشير بشارات إلى أن نتنياهو سبق أن أكد أن إسرائيل تعرف كيف تتمسك بمواقفها حتى في مواجهة أفضل أصدقائها عندما ترى ذلك ضروريًا، وهو ما يعكس، في قراءته، استعدادًا للمضي في الخلاف مع الإدارة الأمريكية إذا اقتضت حساباته السياسية ذلك.
لكن هذه المقاربة تحمل مخاطرة كبيرة، إذ إن استمرار الرفض قد يضع نتنياهو أمام اختبار مع واشنطن، خصوصًا إذا كانت الإدارة الأمريكية ترى أن إنهاء الحرب وترتيب المرحلة التالية في غزة جزء من رؤيتها الأوسع للمنطقة.

خيارات حماس

في الجانب الفلسطيني، تبدو الخيارات أمام حماس محدودة، وفق القرا، لكنها لا تبدأ بالعودة الفورية إلى التصعيد، بل بالضغط على الوسطاء والولايات المتحدة لتحمُّل مسؤولياتهم تجاه التفاهمات التي تم التوصل إليها. ويؤكد القرا أن بيان حماس ركز على هذا الجانب، داعيًا الوسطاء إلى التدخل والضغط على إسرائيل للالتزام بما تم التوافق عليه، بدلًا من السماح بإعادة فتح المفاوضات من نقطة الصفر.
لكن استمرار الرفض الإسرائيلي قد يدفع، بحسب القرا، إلى خيار أكثر صعوبة، يتمثل في اعتبار التفاهمات منتهية عمليًا إذا استمرت إسرائيل في التنصل منها، خصوصًا أن الفصائل الفلسطينية ترى أنها قدمت أقصى ما يمكن تقديمه خلال المفاوضات السابقة.
وهنا تبرز معضلة أساسية: هل تستطيع حماس والفصائل الحفاظ على خريطة الطريق من دون ضمانات أمريكية تلزم إسرائيل بتنفيذها، أم أن رفض نتنياهو سيعيد الطرفين إلى مربع المفاوضات المفتوحة والضغوط المتبادلة؟

التصعيد.. ورقة نتنياهو المحتملة

ولا يستبعد بشارات أن يلجأ نتنياهو إلى سياسة التصعيد التدريجي لفرض وقائع جديدة، مشيرًا إلى ما وصفه بتصاعد التحركات الإسرائيلية في الضفة الغربية والجبهة اللبنانية وقطاع غزة.
وبحسب هذه القراءة، قد يحاول نتنياهو إشعال أكثر من جبهة في الوقت نفسه، بما يسمح له بإعادة ترتيب الأولويات وفرض أجندته الأمنية والسياسية، بدلًا من الانخراط في مسار تفاوضي قد يفرض عليه تنازلات لا يريدها.
ويستند نتنياهو في ذلك، وفق بشارات، إلى قاعدة دعم داخلية ما زالت ترى في التشدد تجاه الفلسطينيين جزءًا من حماية المصالح الإسرائيلية، لكنه في الوقت نفسه يواجه ضغوطًا سياسية متزايدة بسبب تراجع شعبية حزبه وائتلافه.
المصدر: الجزيرة

شارك هذا الخبر