كيف غيّرت 3 حروب علاقة دول الخليج بأمريكا؟

كيف غيّرت 3 حروب علاقة دول الخليج بأمريكا؟
كيف غيّرت 3 حروب علاقة دول الخليج بأمريكا؟
رصد – أثير
في أقل من عام، بدأت الحرب الإيرانية تكشف عن ملامح نظام عالمي متعدد الأقطاب، فإذا كان عام 1991 قد شهد ولادة “السلام الأمريكي” في الخليج، فإن عام 2003 كشفت عن نقاط ضعفه، بينما قد تُذكر حرب عام 2026 على إيران بأنها اللحظة التي بدأ فيها أقرب حلفاء أمريكا بالاستعداد لما هو قادم.
ناقشت دورية ناشيونال إنترست في مقال لها رصدته “أثير” قوس الحروب الأمريكية في المنطقة وكيف شكلت مع بعضها قوساً واحداً ساهم بتشكيل المشهد المعقد اليوم، فقد جلبت حرب العراق عام 2003 الولايات المتحدة إلى حدود إيران، والتي توجت اليوم بحرب الخليج الثالثة، كما تصفها الدورية.
وهو ما ينسجم مع تحذير المؤرخ والدبلوماسي الأمريكي جورج كينان في سبتمبر 2002، قبل وقت قصير من إقدام الولايات المتحدة على غزو العراق، قائلاً: “إن للحرب زخماً خاصاً بها. أنت تعرف من أين تبدأ، لكنك لا تعرف أبداً أين ستنتهي”.

الجذور التاريخية لتآكل السلام الأمريكي

على مدى ثمانية عقود تقريباً، كانت الولايات المتحدة المهندس والضامن الرئيسي للنظام الدولي. لكن الرياح تتغير اليوم، إذ يتشكل النموذج الأمني الجديد من خلال صعود قوى إقليمية متوسطة ويتسارع معها صعود عالم متعدد الأقطاب. ومع ذلك، فإن كيفية تآكل “السلام الأمريكي” (Pax Americana) في الشرق الأوسط تتطلب اهتماماً كبيراً، فالقوى المهيمنة نادراً ما تتلاشى بين عشية وضحاها أو في معركة حاسمة واحدة، بل تضعف تدريجياً بسبب سلسلة من الأحداث التي تكشف عن حدود قدراتها وتسرّع التغييرات القائمة بالفعل.
وفي حالة الولايات المتحدة، تبرز ثلاث حروب في الشرق الأوسط شنتها ضد العراق وإيران كمحطات فارقة. حيث أدت حرب الخليج عام 1991 إلى ترسيخ الولايات المتحدة كضامن أمني لا يضاهى للمنطقة بعد الحرب الباردة. وكشف غزو العراق عام 2003 عن حدود القوة العسكرية والدبلوماسية الأمريكية. أما حرب إيران عام 2026، فربما سيذكرها التاريخ باعتبارها اللحظة التي بدأ فيها أقرب شركاء أمريكا الإقليميين في طرح أسئلة حول علاقتهم بواشنطن والتي كانت تُعد في السابق من المسلمات: فهل يعزز الوجود المستمر للقوات الأمريكية على أراضي الخليج أمنها أم يضعها في خطر أكبر؟ وفي الواقع، قد يثبت الصراع الأمريكي-الإيراني أنه إحدى تلك اللحظات التي سيحددها المؤرخون لاحقاً كمُحفز للتغيير.
تشكل هذه الحروب الإقليمية الثلاث المتركزة في الخليج قوساً استراتيجياً واحداً، يعجّل بتحول غرب آسيا مع إعادة التفاوض على التحالفات وطرق التجارة والعلاقات الاقتصادية. وقد يكون “اتفاق مكة” الموقع حديثاً أحد أولى علامات هذا النظام الناشئ، حيث بدأت القوى الإقليمية بالتحوط ضد مستقبل لم يعد بإمكانها فيه افتراض أن واشنطن ستكون الضامن الأمني النهائي لها.

ثلاث حروب أعادت تشكيل النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط

مثّلت حرب الخليج عام 1991 الذروة العليا للقوة الأمريكية. فمع انهيار الاتحاد السوفيتي، حشدت واشنطن تحالفاً دولياً غير مسبوق تحت مظلة قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي باسم “نظام عالمي جديد” لإخراج العراق من الكويت. ورحبت دول الخليج بالانتشار العسكري الأمريكي الدائم، معتبرة الولايات المتحدة الضامن الذي لا غنى عنه للأمن الإقليمي. وبالمثل، لعبت واشنطن دور الوسيط الخارجي، إلى جانب النرويج، لدفع إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية في عام 1993 لقبول إطار اتفاقيات أوسلو، وهو الأساس لحل الدولتين.
تطلبت تلك الهيمنة نفقات هائلة ومستمرة. فبعد الحرب العالمية الثانية، وخاصة بعد عام 1991، بنيت الولايات المتحدة نظاماً عالمياً يستند إلى التحالفات العسكرية، والسيطرة على المؤسسات الأمنية العالمية، والهيمنة على الأنظمة المالية، والقيادة التكنولوجية، ولا سيما في الفضاء الخارجي والفضاء السيبراني. ومع ذلك، يواجه كل نظام مُهيمِن ضغوطاً عندما تصبح الالتزامات مكلفة، وتطور القوى المنافِسة بدائل، ويسعى الحلفاء للتمتع باستقلالية أكبر.
وفي عام 2003، شكل غزو العراق نقطة تحول. وعلى الرغم من تحقيق الولايات المتحدة نصراً عسكرياً سريعاً، إلا أنه ثبت أنه نصر مكلف للغاية، وأصبح الاحتلال طويلاً وباهظ التكلفة. ومن المقرر أن تنسحب القوات الأمريكية القليلة المتبقية في العراق كجزء من مهمة استشارية بحلول 30 سبتمبر.
قد تُثبت حرب عام 2026 مع إيران أنها الأكثر أهمية على الإطلاق، لأنها غيرت الفكر الاستراتيجي لشركاء أمريكا في الخليج بشكل جذري. في عام 1991، نسقت الولايات المتحدة مع السعودية ومصر وسورية إلى جانب قوى أوروبية أخرى لإخراج العراق من الكويت. وفي عام 2003، كانت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة القوتين الرئيسيتين وراء غزو العراق. أما في عام 2026، فقد هاجمت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران، لكنهما تركتا دول الخليج تتحمل عبء الرد الانتقامي. ورغم القوة العسكرية الإسرائيلية والترسانة الأمريكية المتقدمة، لم تتمكن إدارة ترامب من منع إيران من الرد.

كيف تنظر دول الخليج إلى معادلة الضامن الأمريكي في ظل تداعيات حرب إيران؟

لعقود من الزمن، كانت استضافة القوات الأمريكية بمثابة الضمان الأمني الأمثل في المنطقة. أما اليوم، فهذا الافتراض يواجه تساؤلات، إذ تتساءل بعض دول الخليج عما إذا كانت تلك القواعد نفسها قد وضعت سكانها وبنيتها التحتية في خطر أكبر.
وبدلاً من الاعتماد الحصري على واشنطن، تقوم عواصم الخليج الآن بتنويع علاقاتها الخارجية، وتعزيز العلاقات مع الصين، والحفاظ على الحوار مع روسيا، وممارسة دبلوماسية إقليمية أكثر استقلالية، وإعادة التفكير الجادة حول ما إذا كانت القوات الأمريكية المتمركزة في بلدانهم أصولاً أمنية أم عبئاً.
من جانبه، حذر الدبلوماسي الإيراني السابق مهرداد خوانساري من المبالغة في تقدير التحول في التفكير الخليجي، فبينما زعزعت حرب 2026 الثقة لدى الخليج بلا شك، يرى أن المنطقة تسعى إلى “تحوّط استراتيجي” وليس إلى “إعادة تموضع استراتيجي”.
وحتى الآن، تُعد قراءة خوانساري الأقرب إلى شرح الوضع الراهن، إذ لم تطرد أي من دول الخليج القوات الأمريكية من قواعدها. وكانت آخر سابقة هي انسحاب القوات الأمريكية الهادئ من القواعد السعودية بعد حرب العراق عام 2003م.
في الحصيلة النهائية، تشكل الحروب الخليجية الثلاث قوساً واحداً، فالتناقضات الناجمة عن القرارات المتخذة خلال هذه الحروب باتت تحدد إحدى المعضلات العديدة في الشرق الأوسط، ولقد سرعت عملية التحول من نظام تقوده الولايات المتحدة إلى نظام تتوزع فيه القوة بين عدد متزايد من الفاعلين الإقليميين والدوليين بفعل هذه الحروب الثلاث المتتالية.

شارك هذا الخبر