هل حقاً تتغير قواعد حماية المراهقين على وسائل التواصل الاجتماعي؟

تُلزم تسوية مع مدعين عامين أمريكيين ميتا بحدود زمنية وحظر ليلي وضوابط للمراهقين، فيما تظل الحماية خارج الولايات المتحدة رهينة الرقابة المحلية.

هل حقاً تتغير قواعد حماية المراهقين على وسائل التواصل الاجتماعي؟
هل حقاً تتغير قواعد حماية المراهقين على وسائل التواصل الاجتماعي؟
أثير - محمد الدغيشي
في صيف 2023، قضت فتاة أمريكية في الخامسة عشرة ثماني ساعات يومياً على إنستغرام. لم يكن هذا اختياراً واعياً. إذ كانت الخوارزمية تعرف بالضبط أي “فلتر” سيجعلها تعود، وأي منشور سيثير قلقها حول صورتها الجسدية، وأي تنبيه سيدفعها للعودة مرة أخرى. أما والداها فلم يعرفان كم الوقت الذي تقضيه هناك بالفعل.
هذا المشهد لم يكن فريداً، ففي جميع أنحاء الولايات المتحدة، كانت حكومات الولايات تقدم دعاوى قضائية بعد أخرى ضد ميتا، المالكة لفيسبوك وإنستغرام، وكلها تدور حول “هل يمكن فعل أي شيء حول هذا؟”

تسوية وقليل من الحقيقة

في أغسطس 2026، أعلنت ميتا عن تسوية تاريخية مع 52 مدعياً عاماً أمريكياً، تصل إلى 18 مليار دولار موزعة على عشر سنوات. لكن هذا الرقم الضخم يخفي حقيقة أهم وهو أن ميتا لم تعترف بالذنب.
ما يعنيه ذلك عملياً هو أن الشركة دفعت مبلغاً ضخماً ليس كإقرار بخطأ، بل كثمن لتجنب محاكمة طويلة وثيقة. وبدلاً من الاعتراف، اتفقت على تطبيق حزمة من التغييرات في كيفية عملها، فالتغييرات نفسها كشفت أنها “تقدر عليها لو أرادت”.
السؤال الحقيقي إذن ليس عن المال. إنما عما إذا كانت هذه الحزمة من الإجراءات ستحمي المراهقين فعلاً، وأهم من ذلك: هل ستصل هذه الحماية للمراهقين خارج الحدود الأمريكية؟

ما الذي تغير فعلاً؟

اتفقت ميتا على تطبيق ضوابط جديدة على كل مستخدم دون 18 عاماً في الولايات الأمريكية:
  • ساعتان فقط يومياً
استخدام محدود إلى ساعتين كحد افتراضي لا يمكن للمراهق تجاوزه إلا بإذن والديه. هذا الحد يجمع استخدام فيسبوك وإنستغرام معاً. عندما ينتهي الوقت، يُقفل التطبيق.
  • حظر ليلي قسري
من منتصف الليل حتى السادسة صباحاً، لا نشر، لا تصفح، لا قصص. الوالد وحده من يستطيع إلغاء هذا الحظر.
  • صمت في أوقات الدراسة
من الثامنة صباحاً حتى الثالثة مساءً، تختفي كل الإشعارات (ما عدا الرسائل المباشرة والتنبيهات الأمنية).
  • إخفاء الإعجابات وفلاتر التجميل
لن يرى المراهق عدد الإعجابات على أي منشور، ولن يتمكن من استخدام فلاتر التجميل والمكياج المبالغ فيه. كل هذا بهدف تقليل “ثقافة المقارنة” والقلق حول الشكل الجسدي.
  • خلاصة بديلة بدون خوارزمية
خيار للمراهقين للانتقال إلى خلاصة لا تُخصص بناءً على سلوكهم، بدلاً من النموذج التقليدي الذي يبقيهم في حالة تمرير مستمر.
  • رقابة أبوية معززة
إشعارات تنبه الوالد عندما يحاول المراهق تجاوز الحدود أو ربط حسابات ثانية.
لكن هنا يكمن الفخ الأول، فهذه الآليات مصممة بافتراض أن الوالد سيكون حاضراً، متعلماً تقنياً، قادراً على اتخاذ قرارات. ماذا إذا لم يكن الحال كذلك؟

ماذا عن تيك توك ويوتيوب؟

هنا الجزء الذي يفضح استراتيجية ميتا الحقيقية. من الـ 18 مليار دولار، ستدفع ميتا 12.7 مليار مباشرة. لكن الـ 5.3 مليار الباقية (أي 30%) لن تُدفع إلا بشرط واحد بسيط لكن غير مرجح:
أن تطبق TikTok وYouTube نفس القيود.
بعبارة أخرى: ميتا تقول للمنصات الأخرى “انضموا إلينا أو شاهدونا نحتفظ بـ 5 مليارات إضافية”. وهذا يكشف لنا شيئاً مهماً. ميتا لا تعتقد أن هذه الحدود وحدها كافية، فإن كانت هي الوحيدة التي تطبقها، فإن المراهقين سيهاجرون ببساطة إلى تيك توك أو يوتيوب حيث لا قيود. لذلك ربطت جزءاً كبيراً من دفعتها المالية بفرضية غير مرجحة: تحرك موحد.

الفجوة الجغرافية: أمريكا محمية، وماذا عن العالم الآخر؟

الآن نصل إلى السؤال الذي ينبغي أن يقلق أي قارئ عماني أو عربي:
هذه الضوابط تنطبق على المستخدمين دون 18 عاماً في الولايات والأقاليم الأمريكية، فماذا عن المراهق في الشرق الأوسط؟ لا. لن يحصل على أي من هذه الحماية تلقائياً.
هذا يخلق عالماً غريباً: مراهق في نيويورك لديه حد ساعتين يومياً وحظر ليلي قسري، بينما نظيره في مسقط، الذي قد يواجه نفس المخاطر الصحية النفسية تماماً، تم تركه لرقابة والديه. هذا التمييز الجغرافي ليس جديدًا في عالم التكنولوجيا، فبينما ميتا تمتلك القدرة على “تعميم” هذه الحدود لكنها تختار عدم فعل ذلك.

الخيار الآخر: الحظر الكامل

هنا يجب أن نذكر أن بعض الدول الخليجية، بما فيها سلطنة عمان، تتجه نحو سياسة أكثر صرامة: حظر كامل للمستخدمين دون 16 سنة على المنصات الرئيسية.
سؤال معاكس يطرح نفسه الآن: هل الحظر الكامل أفضل من القيود الذكية؟
الحظر الكامل:
  • يوقف الوصول تماماً
  • قد يدفع المراهقين نحو حسابات وهمية وتطبيقات بديلة غير منظمة
  • لا يعلم الشباب كيفية التعامل الصحيح مع وسائل التواصل (والتي ستظل موجودة بطريقة أو أخرى)

القيود الذكية (نموذج ميتا الأمريكي):

  • تسمح بالوجود مع حدود واضحة
  • لكنها تفترض التزام الشركات بالتطبيق الفعلي
  • تفترض رقابة أسرية فعالة
الأمريكيون اختاروا الخيار الثاني، لكن أضافوا عنصراً حاسماً لم يكن موجوداً من قبل: محاسبة قانونية، ففي قلب هذا الاتفاق يوجد شيء نادر في صناعة التكنولوجيا: مراقب مستقل.
هذا الشخص (أو المؤسسة) سيكون له وصول مباشر لبيانات ميتا. سيعد تقارير سنوية على مدار خمس سنوات. إذا اكتشف عدم الامتثال، يمكنه إبلاغ المدعين العامين الأمريكيين مباشرة. وتكمن أهمية المراقب في أنه سيحول الاتفاق من “وعد” يمكن نسيانه إلى عقد قانوني قابل للتنفيذ. وميتا لا تستطيع اليوم أن تقول “نسينا تطبيق هذا” أو “هذا صعب جداً من الناحية التقنية”. هناك شخص يراقب، يسأل، يوثق.
لكن السؤال للعالم العربي واضح: هل هناك مدقق مستقل على المستوى المحلي؟ وإذا لم يكن هناك، لماذا قد نتوقع التطبيق الفعلي؟

الثغرات التي تبقى مفتوحة

حتى المدافعين عن هذا الاتفاق يعترفون أنه ليس كاملاً. فهناك نقاط الضعف واضحة:
  • الحد الزمني قد لا يكفي: ساعتان يومياً تعني أن المراهق يحصل على 14 ساعة أخرى بدون حماية. هذا لا يزال طويلاً كفاية لخوارزمية ذكية لإنشاء عادة إدمان.
  • الموافقة الأبوية سهل خداعها: مراهق ذكي يمكنه إقناع والديه “برفع الحد” لمرة واحدة. ثم مرة أخرى. ثم أخرى.
  • التحقق من العمر مسألة معقدة: ميتا ستستثمر في أدوات أفضل للتحقق من هويات المستخدمين. لكن الخصوصية والدقة تحتاج إلى توازن. وليس هناك ضمانة بنسبة 100%.
  • المرونة حسب المنطقة الجغرافية: ميتا قد تختار تطبيق معايير أرخى في مناطق تتمتع بضغط تنظيمي أقل. إذا كانت دولة ما لا تطالب بنفس مستوى الحماية، فلماذا ستطبقها؟

السؤال الأكبر: هل هذا كافٍ؟

حتى المدعون العامين الأمريكيين الذين وقعوا على هذا الاتفاق يقولون علناً: لا، لا يكفي. لهذا السبب ربطوا 30% من المال بشرط صعب وهو أن تتحرك تيك توك ويوتيوب أيضاً. فالرسالة واضحة: الحماية الحقيقية لا تأتي من شركة واحدة. تأتي من تحرك صناعي موحد، وهذا أمر منطقي فإذا اختبأ المراهق من ميتا، أين سيذهب؟ إلى المنصات الأخرى. حماية جزئية ليست حماية على الإطلاق.

ما الذي ينبغي أن يحدث الآن؟

بالنسبة للعالم العربي بشكل عام، وسلطنة عُمان بشكل خاص، يمكن إيجاز الخطوات الممكنة:
أولاً: المطالبة بتطبيق بنفس القيود
ثانياً: بناء آليات محلية للمراقبة وليس الاعتماد على الأبوين فقط
ثالثاً: إعادة النظر في سياسة الحظر إن تم تطبيق هذه القيود
ما حدث في أمريكا يُعد نقطة تحول، ليس لأنه تم حل مشكلة حماية المراهقين من وسائل التواصل، بل لأنها حولتها من مسألة “معنوية” شيء تقوله الشركات عن نواياها الحسنة إلى مسألة قانونية قابلة للمحاسبة. لكن نفعها يبقى حبيس الحدود الأمريكية إلا إذا توسعت. الاتفاق هو وعد لأمريكا. أما بقية العالم، فلا يزال ينتظر.

المصادر

شارك هذا الخبر